فنان يهين كرامة مصر..فما المشكلة فى رأى زاهى حواس؟!

عز الدين نجيب

فيس بوك 11 اكتوبر 2022

من جديد ثار الحديث فى الصحف المصرية حول تمثال شامبليون مكتشف سر اللغة الهيروغليفية ، والمقام بمدخل
مدرسة الكوليج دى فرانس بباريس وهو يضع حذاء قدمه اليسرى فوق رأس أحد فراعنة مصر ( اختلفت الآراء بين كونه رمسيس الثانى او تحتمس الثالث) ، أما مناسبة إثارة الموضوع اليوم فهى احتفال فرنسا بمرور٢٠٠ سنة على اكتشاف الحملة الفرنسية على مصر لحجر رشيد وقيام العالم الفرنسى شامبليون بفك شفرة اللغة الهيروغليفية عليه ، مما فتح باب التعرف على نصوص الحضارة المصرية جميعا عبر قراءتها بتلك اللغة .
الموضوع شديد الحساسية وبالغ الحرج للعلاقة بين مصر وفرنسا ، كما انه مثير للغضب للمصريين ويمثل لغزا بالنسبة لهم ، منذ أثير فى مصر لأول مرة عام ٢٠١٣ فى ذروة ثورتهم الشعبية وشعورهم بالعزة والكبرياء وبالزهو باستعادة إرادتهم وكرامتهم التى انتهكها حكم الإخوان ، فيما كان العالم كله يقف مشرئبا يتابع هذا الحدث التاريخى الذى تصنعه عشرات الملايين فى الشوارع والميادين.
مصدر الغضب ان الإهانة المتمثلة فى التمثال الذى نحته النحات الفرنسى بارتولدى عام ١٨٧٥ تبدو واضحة جلية لا لبس فيها ، بل تبدو متعمدة ، حيث نرى شامبليون يضع قدمه على رأس التمثال وهو مستغرق فى تفكير عميق ، وكأنه يفكر كيف أن عبقريته أعظم من عبقرية الحضارة المصرية القديمة بعد ان قام بفك طلاسمها ، ولولا هذه العبقرية لظلت نسيا منسيا وبلا معنى.
أما اللغز فيكمن فى ان فرنسا كلها منذ حملة نابليون بونابارت على مصر عام ١٧٩٨ وحتى اليوم – حكومة وشعبا ومثقفين ومواطنين – مفتونون بهذه الحضارة وبمصر عامة إلى حد الولع الذى يتزايد عبر الزمن ، منذ أنجزت بعثة علمائهم وفنانيهم المصاحبة لحملة نابليون الى مصر كِتابهم الخالد عن حضارتها وشعبها ، وهو المسمى “وصف مصر”، ولا يزال يمثل أهم إنجاز ثقافى يقوم بقراءة شواهد الحضارة وطبائع المصريين، بصفاتهم العرقية وعاداتهم وتقاليدهم، بجغرافيا ارضهم وملامح فنونهم وحرفهم الشعبية المتوارثة خلال ذلك العهد وربما إلى الآن، هذا الى جانب أن الكثير من خبايا آثارنا الفرعونية المكتشفة كان لبعثات الآثار الفرنسية دورا كبيرا فى الكشف عنها وهو ما يعتزون به ، كما أن اى زائر لمتحف اللوفر بباريس يلاحظ ان أهم أجنحته على الإطلاق مخصص لآثار الحضارةالمصرية…فكيف يقبلون – حكومة وشعبا ومثقفين ودارسين فى الكوليج دى فرانس – وضع هذا التمثال المهين فى صدارة المدرسة العريقة ، بل يتمسكون بوجوده فى مكانه رغم غضب المصريين؟!
هذا اللغز ظل يحيرنى طوال ال١٩ عاما الماضية ، رغم علمى بقصة التمثال ، وقد أعاد تذكيرنا بها الدكتور زاهى حواس فى مقاله بجريدة المصرى اليوم بتاريخ ١١ أكتوبر الحالى تحت عنوان “السر وراء تمثال شامبليون” ، وتتلخص القصة فى أن هذا النحات صمم فكرة تمثال رمزى لفلاحة مصرية ترفع شعلة التنوير ، وتقدم بمشروعه الى الخديوى إسماعيل ليقام التمثال المقترح عند مدخل قناة السويس مع افتتاحها ، مرتفعا فوق قاعدته اكثر من ٤٠ مترا ،وكان بارتولدى يعلق آمالا كبيرة – فى تحقيق المجد والثروة – على موافقة الخديوى ، لكنه لم يوافق بسبب ارتفاع التكلفةوخلو الخزانة التى استنزفها إنشاء القناة ، وانتهى الأمر بأن أجرى الفنان بعض التعديلات على التمثال وباعه لأمريكا ليقام عند مدخل ميناء نيويورك ، وهو ما يعرف اليوم بتمثال الحرية ، رمزا لقيادة الولايات المتحدة الأمريكية للعالم الحر ، ومع ذلك ظل جرحه ينزف بداخله لرفض مصر لتمثاله ، فأراد أن يثأر لكرامته من مصر كلها بتحقير أعظم رموزها.
لكنى أختلف مع د. زاهى حواس فى تبرئته للفرنسيين من تهمة تحقير مصر، بالإبقاء على هذا التمثال فى مكانه رغم غضب المصريين ، وفى التماسه العذر لهم بأنهم يفرقون بين حبهم وتبجيلهم لمصر وللحضارة المصرية ، وبين احترامهم لعمل الفنان ايا كان رايه ، فلا تجوز مصادرته كعمل إبداعى له حرمته ولا ينبغى الزج به فى ملعب السياسة ، كما ان هناك بيننا وبين فرنسا فرق ثقافات فيما يتعلق بطريقة وضع الحذاء ، فلا يعنى وضع الحذاء عندهم فى وجه الجليس معهم عدم الاحترام له ، وطالما كنا على ثقة من موقف فرنسا الإيجابى وشعبها من حضارتنا ، فإن المطالبين بإزالة التمثال وبتحميل فرنسا المسؤولية عن إهانة مصر “…من المتشدقين بالحماسة الوطنية والغيرة القومية ، هم اول المسيئين لاوطانهم واول من يسعى لجر الاوطان للخراب !” على حد قوله.
ويذكرنى ذلك بموقف بعض الفنانين ورجال الاعمال فى مدينة بورسعيد الذين طالبوا فى استماتة بإعادة إقامة تمثال ديليسبس (وهو عرٌَاب الاحتلال الانجليزى لمصر عام ١٨٨٢ ) إلى قاعدته التى أنزله عنها شعب بورسعيد أثناء العدوان الثلاثى على مصر عام٥٦ ، وطالبوا بذلك بحجة أنه عمل فنى وقيمة تاريخية ورمز للتعاون والصداقة التاريخية بين مصر وفرنسا!
ورأيى ان مشكلة تمثال شامبليون ليست فى كونه عملا فنيا ينبغى الحفاظ عليه ، من منطلق القيمة الجمالية وحرية الفنان فى التعبير ، كما انها ليست مشكلة فرق ثقافات بين مصر وفرنسا بالنسبة لوضع الحذاء على راس الملك المصرى ، بل تكمن فى ان إقامة التمثال فى صدارة مرفق تعليمى ورمز للثقافة الفرنسية حولته من عمل فنى إلى عمل سياسى ضد مصر ، ولو كان قد وُضِع فى أحد المتاحف – مثلما وُضِع تمثال ديليسبس – لما كانت هناك مشكلة ، حيث سيعرض كعمل فنى على مسؤولية صاحبه ، أما وضعه والإصرار على بقائه فى موقعه التعليمى والثقافى الحالى ، فيتضمن رسالة مسمومة تبث الكراهية تجاه الحضارة المصرية فى نفوس الأجيال ، وتعلِق المسؤولية عن ذلك فى عنق الحكومة الفرنسية ولا تجدى محاولة تبرئتها من ذلك.
فإن أرادت فرنسا البراءة فلتنقل التمثال فورا إلى أى متحف تشاء ، معززا مكرما كما تريد ، أسوة بسلفه ديليسبس الذى تم نقل تمثاله الى متحف هيئة قناة السويس بالإسماعيلية ، وبهذا وحده تحافظ على حق الفنان فى التعبير والثأر ،وحق التمثال فى الوجود ، وحق المصريين فى محو الإهانة ورد الاعتبار لكرامتهم الوطنية ، بدون ان يخسر زاهى حواس علاقاته الطيبة بفرنسا ، وبالمطالبين برفض الإهانة لكرامة مصر ، الذين يسميهم فى مقاله “المفتعلين المزيفين”..وأنا أحدهم!
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »