عز الدين نجيب
فيس بوك 30 يونيو 2022
فى أجواء الاحتفال بالذكرى التاسعة لثورة ٣٠ يونية ٢٠١٣ المجيدة تطرح الدولة على الشعب قضيتين وتطلب منه التفاعل معهما :الأولى هى الجمهورية الجديدة ، والثانية هى الحوار الوطنى .
الدولة تطلب من الشعب الذى انهد حيله ولم تعد لديه طاقة لاى حوار أو رغبة فيه ، لأنه بات مربوطا من أمعائه ومقيدا بالعجز عن توفير احتياجاته الأساسية وحل مشكلاته اليومية ، فى ظل موجةعاتية من الغلاء الذى أسفرت عنه خطط التنمية وجبال الأسمنت ، وضاعف من همومه انهيار التعليم واستنزاف الدروس الخصوصية وأعباء العلاج والدواء…وهى جميعا ساهمت فى إعطاب مقومات الجزء الأعلى من جسم الإنسان:العقل والقلب الوجدان ، ومن ثم فقد سحبت من المواطن اى دافع للمشاركة والتفاعل خارج دوائر الحرمان المزمن الذى يعيش فيه.
هل تدركون خطورة ذلك..ونحن نحتفل بذكرى ثورة كاسحة قام بها الشعب منذ تسعة اعوام ، وقبلها بعامين قام بثورة اخرى هزت اركان البلاد والعالم أجمع؟..الخطورة هى ان الشعب فقد القدرة والمبادرة،والإرادة لفعل أى شىء يعيد إليه آدميته..كتل بشرية تمشى فى الطرقات وأبصارها مسددة الى الأرض ، أو الى السماء تشكو وتطلب الرحمة من الله ، لا تجد حولها من يأخذ بيدها او ينير امامها الطريق ، سواء من الحكومة او من البرلمان او مما يسمى بقوى المعارضة .ولو أرادت هذه الكتل البشرية أن تخفف عن نفسها وطأة هذه الضغوط لم تجد إلا وسائل إعلام تطبل وتزمر وتهرج بأغلظ أشكال التهريج والتفاهة ، حتى المسارح أغلقت ، ودور السينما هدمت وانتقلت الى “مولات” فاحشة الأسعار ، وحتى هذه فلن تجد بين ما تقدمه فيلما يهوٌِن الشقاء او يجلب المسرة او النور للبصيرة ، بل ستجد ما يحمل التفاهة ويشعل الغريزة والعنف ويدعو الى البلاهة ، الملجأ الوحيد أمام المجهدين المفلسين هم الدعاة باسم الله المتاجرون بدينه ، الذين يرتدٌُون بالبسطاء الى فكر الغيبوبة والماضى ، بدعوى أنه فكر السلف الصالح.
المثقفون الذين كانوا اول من أشعل ثورة ٣٠ يونية باعتصامهم الشهير ضد حكم الإخوان وفى مواجهة تقهقر الوطن الى الوراء ، والذين فرضوا رؤيتهم بعد ذلك عند صياغةدستور٢٠١٤ بإقرار مبدأ ان الثقافة ضرورة وأولوية وحق أساسى للشعب، وان واجب الدولة الالتزام بهذا الحق وتفعيله ، هؤلاء المثقفون انزووا أيضا بعيدا عن الشأن العام ، دون أن يتلقوا دعوة من أحد للمشاركة فى مناقشة مصير الوطن ، او فيما يطرح عن الجمهورية الجديدة، فتحولوا الى الصراعات الداخلية فيما بينهم ، حتى صاروا ينهشون لحم بعضهم البعض ، فى ظل تحول بعض قياداتهم النقابية الى بلطجية تتبجح بكسر القانون ، ولا يجدون قوة تردعهم أو قضاء يمنعهم ، ومن اراد الحفاظ على نفسه ومصلحته من الفنانين والمثقفين لزم بيته وأغلق بابه من الداخل بالضبة والمفتاح ، ثوار ٣٠ يونية الفرسان صاروا أشباحا تتوارى فى الأزقة ، او باحثين عن “سبوبة” من هنا أو عن “نحتاية” من هناك ، ولو على موائد من كانوا بالأمس يناصبونهم العداء..لقد ابتلعوا ألسنة الصدق وأطلقوا ألسنة الرياء التى تقول:اللى يتجوز أمى أقولله يا عمى!!
فبأى حال عدت ياعيد ٣٠ يونية؟
وبأى جمهورية جديدة تبشرنا؟..
وإلى أى حوار وطنى تدعونا بينما الأفواه مكممة من الحلقوم قبل الشفاه؟
وبأى دافع يشارك اليوم فنان أو كاتب أو مثقف فى حديث عن المستقبل وهو يرى المسارح والمتاحف ودور السنما وقصور الثقافة أقرب الى الخرابات والاطلال ، ويرى كنوز التراث الفنى تسرق وتباع فى الأسواق والمزادات ، دون ان يحرك حماتها الافتراضيون ساكنا إلا إذا كانوا شركاء ، والمتابعون عن قرب يرون اللصوص يتبجحون بالظهور وينالون التكريم، ويرون “المديرين” يكافأون بالترقيات والامتيازات؟
بأى دافع يشارك المثقفون فى الحوار الوطنى أو فى بحث مستقبل الجمهورية الجديدة وهم يرون الثقافة – التى آمنوا بانها عمود الارتكاز لبناء الإنسان – محذوفة عن شبه قصد من برامج التنمية، ولتذهب نصوص الدستور التى شاركوا فى وضعها عن الحقوق الثقافية الى الجحيم؟
المثقفون الذين كان يقال إنهم ضمير الأمةوعقلها لم يعد احد فى حاجة إليهم أو حتى الى وجودهم الجالب للضوضاء ، تنتزع مقارهم التاريخية بالقاهرة والإسكندرية ويلقى بهم الى المجهول ، لتهدم وتتحول الى مولات وأبراج سكنية لعلية القوم ، بلا شكة دبوس فى ضمير أى مسؤول!
الآن نبدو وكأننا نشهد الأيام الأخيرة من عصر الثقافة والعمل الثقافى..وإلا فدلونى على أى مشروع للنهوض بقصور الثقافة العليلة ، او للنهوض بالحياة المسرحية المجمدة ، او بالحياة السينمائية المعطلة ، أو بالحياة التشكيلية التى انحصرت في الجزيرة بين فرعى النيل..دلونى على قاعة مسرح جديدة أضيفت أومتحف جديد للفن او حتى على قاعة جديدة للمعارض قد أقيمت فى البلاد بعد ٣٠ يونية . حتى القائم منها منذ عقودبعيدة صار اشباها وليست حقيقة ، أو مجرد مسميات جوفاء من أى معنى.
إن مجتمعا بلا ثقافة كإنسان يعيش بغرائزه الحيوانية ..اهذا هو المجتمع الذى سنأخذه الى الجمهورية الجديدة؟..ونحن لا نرى أى نوع من التنمية الثقافية ، وقد يقال إنه يتم الآن بناءمدينة الثقافة والفنون بالعاصمة الإدارية الجديدة أو الجمهورية الجديدة ، بينما يعرف الكافة ان مقتنيات المتحف المقام بها منتزعة من متاحفها بالقاهرة بلا إضافة وكأنها سداح مداح ، لماذا ؟ ألمجرد ان نباهى بها أمام رجال المال والأعمال المنتظرين هناك؟..إنهم أساسا لا لهم فى الفن ولا فى الثقافة ، كما لا يجوز أصلا انتزاع الأعمال الفنية من أرضها لتزرع فى بيئة مغايرة ، لان الفنون كائنات حية تعيش فى تربتها الأصلية وسط جمهورها وشعبها الذى تربى أبناؤه عليها وبقيت حية فى وجدانهم..إن للفنون الحضارية جذورا تضرب فى الوجدان ككل مقومات التراث ، ومصيرها الذبول والموت بعيدا عن تاريخها وحماتها، كما انها لا ينبغى ان تكون مجرد إكسسوارات تجميلية تنقل كالحشائش الصناعية من مكان إلى آخر.
وفقكم الله يا سادتنا فى حواركم الوطنى وفى جمهوريتكم الجديدة ، فهما ليسا للمثقفين أو للشعب ، الذ ى يطلب من الله الرحمة والستر!