فى معرض عز الدين نجيب بقاعة إبداع

يناير 2003 - الفطرى والمكتسب على بساط الطبيعة

لاشك أن الإبداع سيظل الإبن الشرعى للحظات توهج إنسانى غير منتظمة النبض ، ولامحددة الزمن ، لأن ومضاتها الأولى تنفلت من بين ثنايا الروح ذات الجموح اللانهائى ، ومصدر الألق والخفوت .. والفطرة فى تصورى هى النواه التى تسكن تلك الروح لتطوف فى مداراتها العفويات الوافدة من النفس ، والتى يلعب المكتسب الذهنى دوره لاحقاً فى ترشيد حركتها وتحويلها إلى محسوسات تباشر التخاطب مع الآلية البشرية ، لذا سيبقى الفطرى والمكتسب طرفين لجديلة يخرج من رحمها الخلق الإنسانى تبعاً للتباديل النسبية بين كل منهما .. وفى المعرض الأخير بقاعة ” إبداع ” بالقاهرة للفنان والناقد الكبير عز الدين نجيب تجلى ذلك التبارى المحموم فى أكثر من خمسة وثلاثين عملاً  تصويرياً بخامة الألوان الزيتية على أسطح مختلفة من الخشب والقماش ، تعامل خلالها مع معطيات الطبيعة البكر فى قاعة سيوة وصحراء سيناء ، حيث ظهرت تلك العاطفة المشبوبة صوب وطن ألقى فى جوفه برهط من المطامع والأهواء المطرزة بالأشواك ظل يهضمها جميعاً فى تؤدة وصبر الأنبياء .. ولايستطيع القلم أن يرخى جفنه عن تاريخ عز السياسى وانشغاله بمشاكل وطنه الإجتماعية كمفكر وناقد له تأثيره منذ تخرجه من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1962م وحتى الآن ، وهو مايشكل صلصال مكتسبه الذى يحاور منحوتة فطرته فى حركة دائرية ترسم السمت العام لإبداعه .. وإذا أردنا أن نرصد هذه الحركة الدوامية فلنقسم أعمال الفنان إلى أربع مراحل ، الأولى بين عامى ( 62 و 67 ) والثانية بين عامى ( 67 و 73 ) والثالثة ( من 73 إلى نهاية السبعينيات ) ، أما الرابعة فتشمل عقدى الثمانينيات والتسعينيات .. ففى المرحلة الأولى التى شهدت المد القومى العربى الجارف كحلم وردى سكن الوجدان الشعبى يقدم عز أعمالاً محملة بعبق تلك الحقبة .. فإذا تأملنا عمل ” شمس إبن السد العالى ” سنجد الفنان يرسم ملامح صبى لفحته شمس الجنوب لتحول بشرته إلى طين مكسى بالتبر ، مرتدياً لثوب يمنحه بطاقة الإنتماء إلى جامعة البسطاء الذين صاروا يحتمون بالسد العالى من مزاجية النيل .. وفى عمل ” بيوت نوبية ” إعتمد نجيب على تشابكات البيوت بتدرجاتها اللونية التى تقترب من لون اللحم البشرى على اختلاف أجناسه من البنى القاتم إلى الأبيض المصفر ؛ فبدت كأجساد مسجاه ومتجاورة فى حميمية وذوبان مع الأرض ، بينما ظهرت نوافذها كعيون نساء حائرة بين البوح والكتمان .. أما فى عمل ” حماية ” فقد وصل الفنان إلى ذروة التماهى بين الأرض والعرض من خلال امرأة جالسة القرفصاء فى ثوب صعيدى بنى ، محتمية بملاءتها السوداء التى أظلتها مثل بيت يواجه ريحاً عاتية ، فلم يظهر منها سوى وجه شف من تحت حمرة الحياء التى امتدت إلى كفها الممسك بطرف الملاءة ، حيث يستنفر العمل هنا طاقة الإحتماء بالذات والإئتناس بالأرض التى بدت باللون الأوكر المسيطر على معظم أعمال تلك الفترة كرمز للتراب الوطنى .. وربما يقف العمل فكرياً هنا على خط واحد مع عملى ” رياح الخماسين ” لمحمود مختار و ” أمومة ” لحسين بيكار ” كحبات مصرية فى مسبحة الإنتماء ، إضافة إلى كونه تاجاً على رأس هذه المرحلة الوجدانية التى تغلبت فيها فطرة عز على مكتسباته المعرفية .. وفى المرحلة الثانية المستهلة بالهزيمة التى هزت كيان الوطن تتحرك الآلية الذهنية عند الفنان على أثر الثقب الذى أصاب الحلم بعد وشوكه أن يكون سرمدياً ، ليفيق المثقفون على كابوس مخيف حوّلهم إلى تماثيل حجرية تكلس فيها الدمع والدم ، وهو ماظهر فى عمل ” صانع المفاتيح الضرير ” الذى أنجزه نجيب عام 1969م ، عبر جسد بشرى جالس أمام طاولة خشبية مرسوم عليها بعض المفاتيح ، موحياً بصناعتها ، وقد بدت ملامحه شبه مطموسة ، ويحمل نفس التراكيب اللونية للمرحلة الأولى ، فى تواصل بصرى وفكرى يوضح من خلاله عز التضاد بين معطيات المهنة وقدرات صاحبها ، حيث يشكل المفتاح إيهاماً بالقيادة ، بينما يبدو صانعه رمزاً للقائد الذى فقد بصره وعصاه بعد ركلة قوية أفقدته توازنه .. والعمل رغم اتسامه بمتانة البناء وصلابة التكوين ، إلا أنه غارق فى الشجن ، مطعم بمسامير الحزن ، فى تجسيد حى لجدلية الفطرى والمكتسب تحت الجلباب السياسى الذى ميز عز الدين نجيب طوال حياته النضالية المطاردة بحراب الوعى .

وفى ثلاثة أعمال للفنان أنجزها عام 1973م ( على الأرجح قبل النصر ) تصل فيها مرارة الإنتظار إلى الحلوق ، ممزوجة بعسل الأمل .. ففى عمل ” شجرة الصبار ” صوّر الفنان بأداء تجريدى شجرة الصبار فى الثلثين العلويين وهى تنبت من الشمس التى قبعت أسفل العمل منشطرة إلى نصفين بلونها الأصفر الذهبى ، وقد أحيطت يميناً ويساراً بلسانين من الأحمر الملتهب ، بينما سبحت الشجرة فى مساحة من الأوكر الصحراوى ، لتتجلى إزدواجية الرمز ، حيث يومىء الفنان بالشجرة إلى الصبر ، بينما يشير بالشمس إلى نفحات الغد المشرق رغم انكسارها وانشطارها ، وهى الحالة التى سيطرت على كل الجموع العربية آنذاك .. وفى عمل ” فى انتظار الفارس ” يدفع عز فى صدارة المشهد بامراة عارية الجسد ، حمراء الشعر ، جاثية على ركبتيها ، محتضنة ثوبها حتى بدت مثل غانية فرغت لتوها من صفقة جسدية ، وذلك فى وسط غابة خرج من عمقها حصان مطأطا الرأس ، يبطىء الخطى فى انتظار من يمتطيه ليقفز به من فوق سور الهزيمة .. وقد حفل العمل بازدواجية رمزية أيضاً ، حيث بدت المرأة رمزاً لمصر التى استبيح جسدها ونُهش لحمها ، أما اختفاء الفارس فيشير به الفنان لمن سيطهر الجسد مما علق به من دنس قبل أن يكسيه بثوب النصر ، وهو امتداد للإزدواجية الرمزية فى عمل ” شجرة الصبار ” ، وقد تكرر ذلك فى عملى ” المغنى ” و ” البطة الخشبية ” الحاويين لمتتابعات القهر والرغبة فى الحرية ، والإنكسار والتوق للإنتصار ، الأمر الذى تجلى فى المرحلة الثالثة عقب نصر أكتوبر 1973م ، حيث بدت وكأن المارد فيها قد خرج من القمقم متمرداً على كل أصفاد الهزيمة .. ففى عمل ” البعث ” الذى أتمه عز عام 1974م قامت المرأة من إنكفائها ، متخلصة من عريها وعهرها الجسدى والروحى فى سموق وشموخ حتى كاد رأسها أن يلامس السحاب ، وارتفع قرص الشمس ملتهباً وقد التحم انشطاره كمن التأم جرحه ، وكأن الأمة كلها قد شفيت من سقم عضال .. وعند هذه النقطة تتحرك كرة الفطرة بحيوية أكثر من ذى قبل ، منطلقة من صندوق الوجدان مثلما حدث فى عمل ” الفتاه والطائر ” المنجز عام 1975م ، والذى رمز فيه نجيب للتحرر والإنعتاق ، وعمل ” شجرة الحروف ” المؤرخ بعام 1974م ، حيث أثمرت فيه الأفرع حروفاً عربية وكأن الأرض قد استعادت النطق والوعى بعد الخرس وفقدان الذاكرة ، مادفع عز الدين نجيب فى مرحلته الرابعة للإنطلاق داخل ربوعها ليستنطق الصخور والجبال والبيوت كى تبوح بأسرارها عندما يحشدها كالبنيان المرصوص متمثلاً بأعضاء الجسد الذى اختفى من المشهد ، فى حالة من التصوف داخل ثديى الوطن كلبن نضج وبات فى لهفة لأفواه الراضعين .. وفى هذه المرحلة تتوهج الفطرة وتتجاوز المكتسب ؛ فتبدو البيوت أحياناً وكأنها أطفال فى ثياب نورانية بيضاء ، وأحياناً أخرى تظهر حزينة كالأيتام الذين خاصمهم الحنان ولم يودعهم الأمل .. ومن يحتوى هؤلاء سوى الفنان الكبير عز الدين نجيب أحد ركائز حركتنا التشكيلية المعاصرة ، والذى يركب دائماً زورق الوطن ليجدف به فى النوة بحثاً عن الشاطىء فى بطن الأفق .

                                                محمد كمال

                              جريدة القاهرة _ الثلاثاء 14 يناير 2003م

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »