قصر الثقافة .. غداة الهزيمة وليلة التنحىِّ !

ابريل 2018

يدفعنا الواقع الثقافى الذى نعيشه إلى استدعاء صور ومواقف عشناها فى الماضى، رسخت فى الذاكرة وتربتْ عليها أجيال وتعمقت مبادئ وقناعات.. من ذلك ما يتعلق بالثقافة الجماهيرية بين صورتها الحالية وصورتها خلال فترة الستينيات..

ولعل ذلك ما نجده بوضوح فى العمود الذى كتبه الأستاذ مدحت بشاى فى العدد الماضى من القاهرة تحت عنوان “60 سنة ثقافة”، حيث استدعى من خلاله ذكرياته بمدينة كفر الشيخ فى أعقاب نكسة يونيو عام 1967، وكيف تحرك على الفور كاهن الكنيسة ومعه إمام وخطيب الجامع الأقرب إليه متجهين إلى قصر ثقافة المدينة لدعوة الجماهير للاحتشاد رفضاً لقرار تنحى الرئيس عبد الناصر عن السلطة غداة الاعلان عن الهزيمة، ثم يقول: “ولم يكن الأمر فى حاجة لتوجيه الجماهير، فقد حزم الجميع الأمر على الانطلاق بسرعة إلى القاهرة ليؤكدوا رفض أبناء تلك المحافظة للقرار فى مظاهرات غاضبة تعلن اعتزامها تكملة المشوار مع الزعيم”.

ولا أريد أن أقف طويلاً أمام تجاهل يمسنى شخصياً، بإغفال الكاتب لأى علاقة لى بذلك الحدث، وكأننى لم أكن مدير هذا القصر ومؤسسه، وصاحب الدور فيما جرى آنذاك من أحداث ثقافية وسياسية، وكأنه لا يعرف كيف انتهت التجربة نهاية درامية دفعت أنا ثمنها غالياً مع أن ذلك موثق ومنشور فى كتابى “الصامتون – تجارب فى الثقافة والديمقراطية بالريف المصرى” 1985، والذى أصدرت طبعته الثانية الهيئة العامة لقصور الثقافة 2014، كما أننى لا أريد أن أقف طويلاً أمام بعض الوقائع التاريخية التى ذكرها الكاتب بالرغم من تأكيده أنه

78/*-كان شاهداً عليها مثل “وكيف تحلَّقت الجماهير داخل القصر حول الشاعر 6+

…..والرسام الكبير “صلاح جاهين” فى اليوم التالى –يقصد لاحتشاد الجماهير بالقصر رفضاً للتنحى – فى احتفالية رائعة مع عزف على العود للموسيقار الجميل “سليمان جميل”، غنى جاهين للناس ومع الناس معظم الأغانى الوطنية المعروفة فى تلك الفترة وردود الأشعار المناسبة، ولم نره محبطاً متخاذلا بعد النكسة بالصورة التى أشاعها البعض عنه… الخ”.. ولتصحيح المعلومة.. فإن صلاح جاهين شارك بالفعل فى احتفالية بالقصر قبل النكسة بشهور وليس بعدها، وغنى مع فلاحات قرية “مسير” اللاتى استضافهن القصر أغانى الفرح والحب والحصاد وليس الأغانى الوطنية، ولم يعزف سليمان جميل معه على العود، لأنه أساساً ليس عازفاً للموسيقى بل كان باحثاً وناقداً ومؤلفاً موسيقياً يستخدم آلات شعبية بحته ليس منها آلة العود، ويمكن الرجوع لتفاصيل ذلك كله فى كتابى المذكور، حيث كنت أدير بنفسى ذلك اللقاء ومختلف الأنشطة الثقافية.

يكفينى هذا التصحيح السريع الذى لا يغير – فى الحقيقة – من اتفاقى مع الكاتب فى التوجه العام لمقاله، لكن ما يهمنى الوقوف عنده بحق.. هو المغزى وراء احتشاد الناس بقصر الثقافة ليلة التنحى، وإصرارهم على رفضه وإقناع الزعيم باستكمال المسيرة.. فليس صحيحاً أن أى قوى دينية – إسلامية أو مسيحية – كان لها أى دور فى توجيه الناس نحو قصر الثقافة، بل كان العكس هو الصحيح تماماً بالنسبة لشيوخ المساجد، حيث ان لهم دور كبير – مع تيار السلفيين والأخوان المسلمين بالمحافظة – فى الهجوم على قصر الثقافة وتشويه صورته من فوق المنابر كل يوم جمعه وحصّن الناس على مقاطعته، لأنه يحتضن دعاة الكفر والفجور، وينفذ أجندة خارجية لأعداء الإسلام، وقد بلغ الأمر إلى صدامات دامية فى بعض ندوات القصر فى أعقاب النكسة، حين وجد الأخوان والسلفيون الفرصة مواتية لامتطاء مشهد الهزيمة وتذكير الناس بأنها جاءت كغضب من الله على من دفعوا بنا فى هذا الطريق، فراحوا يدوسون على الجراح قائلين: رفضتهم الاستماع إلينا وتبعتم الشيطان.. وها هى النتيجة! .. ولم تكن هذه القوى المتذرعة بالدين وحدها وراء الهجوم على قصر الثقافة ومن اعتبروهم يقفون وراءه، بل كان رجال تنظيم الاتحاد الاشتراكى لا يكفون عن تشكيك الناس فى دوافعنا، وعن اتهام القصر بأنه وكر للشيوعيين، وكان المبنى المواجه تماماً للقصر هو مقر أمانة الدعوة والفكر للاتحاد الاشتراكى، يوجه مكبرات الصوت بأقصى طاقتها بالخطب الدعائية الزاعقة نحو القصر، كلما أقمنا ندوة أو نشاطاً ثقافياً، للتشويش وإفساد قدرة الحاضرين على الاستماع والمناقشة، وأذكر للحقيقة أن هذا الهجوم لم يبدأ على القصر وضيوفه والعاملين فيه إلا بعد نقل محافظ كفر الشيخ جمال حماد ومجئ إبراهيم بغدادى ليحل محله، حيث أطلق علينا كافة أجهزة الأمن والاستخبارات التى كان شخصياً رئيساً لها فى فترة سابقة، وأصبح الجميع ملاحقين بالمخبرين يحصون عليهم كل همسة، وكانت الدولة كلها فى حالة ارتباك، ولا يجد القصر من يستمد منه الدعم للاستمرار غير ثروت عكاشة وزير الثقافة، الذى وقف ظهيراً لنا بكل قوة وشجاعة، متصدياً لكافة السهام والرماح التى يتعرض لها من أعلى مواقع السلطة، وأخبرنى شخصياً بأنه لا يجد من يقف بجانبه إلا الرئيس عبد الناصر.. واستمرت هذه الحرب حتى انتهت فى يوليو 1968 بإغلاق القصر بأوامر وزير الداخلية شعراوى جمعة، وملاحقتى أمنياً سنين طويلة.. لكن هذه قصة أخرى !

السؤال المثير للدهشة بعد ذلك كله : لماذا اختارت الجماهير قصر الثقافة تحديداً لتحتشد فيه، بل تعتصم به، مطالبة الرئيس بالرجوع عن قرار التنحى، بالرغم من المخاطر والمحاذير التى صدَّرتها إليهم عنه أجهزة الأمن والاتحاد الاشتراكى؟.. الإجابة ببساطة: لأنهم وجدوا فيه أرضهم وملاذهم والمعبر الحقيقى عنهم، وقد نمد الخط على استقامته فنقول: كان بمثابة ضميرهم.. لكن كيف تحقق ذلك ضد التيار السائد فى بلد محروم من كل شئ مثل كفر الشيخ، وفى موقع مغضوب عليه من رئيس الاقليم واجهزة الأمن ؟

إن الإجابة على هذا السؤال هى مفتاح أى اصلاح لجهاز الثقافة الجماهيرية المسمى حالياً هيئة قصور الثقافة.. إن شئنا إصلاحا: فلم يكن قصر الثقافة بكفر الشيخ ينتمى إلى السلطة بقدر انتمائه إلى الجماهير.. فمنذ الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر 1966 – وقت كلفتُ بمهمة إنشاء القصر – كان توجهى – ومعى مجموعة من شباب المثقفين والفنانين والشعراء والممثلين المسرحيين من أبناء المحافظة – هو الانتقال إلى أماكن تجمعات الناس فى قراهم وساحاتهم، وكان أفراد هذه المجموعة الشابة هم أنفسهم من يصنعون المسرحيات والديكور وينقلون بقافلة الثقافة إلى عشرات القرى، ويقيمون العروض المسرحية والمعارض والأمسيات الشعرية والغنائية والحلقات النقاشية حول القضايا اليومية للمواطنين التى تمس همومهم وآمالهم.. لقد بلغت أصداء هذا كله صفحات الأخبار ومجالس الثقافة ومقاهى المثقفين بالقاهرة، حتى جعلتهم يتسابقون لتلبية الدعوة إليهم للمشاركة فى أنشطة القصر رغم قسوة السفر والإقامة، ولنا أن نتخيل كيف يتحمس للحضور كُتَّاب مثل يحيى حقى وأنيس منصور ومحمد زكى عبد القادر، وسياسيون مثل خالد محى الدين وأحمد حمروش، ورفعت السعيد وشاهندة مقلد، وشعراء مثل صلاح جاهين وعبد الرحمن الابنودى وسيد حجاب ومحمد عفيفى مطر، وممثلات مثل محسنة توفيق، ومخرجون سينمائيون مثل أحمد كامل مرسى وعلى عبد الخالق، وغيرهم من كتاب السيناريو والأدباء والفنانين التشكيليين، يخترقون ظلام القرى ويضيئون القاعات والساحات بمشاعل الفكر والحرية والوعى والمتعة الجمالية، ويكتشفون فى كل مكان نبعا مما يكتنزه من مواهب رائعة فى مختلف مجالات الإبداع والعمل السياسى وخدمة المجتمع.. ولو أحصينا اليوم ثمار هذه المواهب من شباب تلك الحقبة لوجدناها بلا حصر، منهم مشاهير فى الدراما والشعر والفن التشكيلى والقصة، والنقد.. حتى من وصلت إليهم أصداء التجربة دون ان يشاركوا فيها وقد أصبح بعضهم اليوم فى مقدمة المبدعين والنقاد، بل كان منهم وزير الثقافة.

إن جانبا مهما من نجاح تلك التجربة يعود إلى أنها جعلت الجماهير شريكة لا متفرجة، مرسلة لا مجرد مستقبلة، وذلك من خلال جهاز صغير كان بالنسبة إليهم اكتشافاً هائلاً.. وهو الميكروفون.. حيث وجدوا الفرصة من خلاله متاحة للحديث عن واقعهم وهمومهم.. وهم يدركون ان كلماتهم معدودة عليهم وقد توردهم مورد التهلكة.. كانت مؤتمرات كل ليلة فى مختلف القرى التى تزورها قافلة الثقافة، بمثابة مؤتمرات مصيرية يرفع الصامتون عبر ميكروفونها وأمام الآلاف المحتشدة صوتهم المكبوح.. وعجزت سلطات الأمن أن تسكتهم، طالما شعروا أنهم فى حِمى قصر الثقافة الذى آمنوا به واعتبروه بيتهم الحقيقى، حيث تأتى وفود القرى إليه فى الصباح طالبة مجئ القافلة إليهم لتسمع صوتهم.

هل رأيت يا عزيزى مدحت بشاى لماذا اختارت الجماهير قصر الثقافة لتعتصم به غداة الهزيمة وليلة التنحى ؟!

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »