مجلة صباح الخير بتاريخ ١٤ يناير ٢٠٢٠
بقلم:عزالدين نجيب
مع مطلع العام الجديد يهل علينا خبر سعيد من عصر قديم..لكن كيف يكون جديدا وقوامه لوحات فنية قديمة تعود الى حقبة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضى؟!..إن اكتشاف مقبرة من العصر الفرعونى يظل خبرا جديدا ومثيرا لأقصى حد ، إذ يمنح حضارة الأسلاف ميلادا جديدا وقيمة مضافة ، والحال فى الكشف الفنى الأخير لا يقل إثارة ، كونه يزيح التراب عن حقبة إبداعية فى تاريخنا الفنى الحديث ، سبقت عصرها برؤى ثورية ، ومازالت حتى الآن تعد طليعية لم يتجاوزها الزمن فى مسيرتنا الفنية رغم تتابع الأجيال ، فلا تزال قادرة على إحداث الصدمة وكسر “التابوهات” وإثارة الدهشة والأسئلة حول معنى الحياة والوجود وعذاب النفوس وقهر الإنسان الذى لم يتوقف – بل يتزايد – حتى اليوم ، ولا تزال السريالية التى انتهجها أغلب فنانى الطليعة فى الأربعينيات قابلة للازدهار والتجدد فى عصرنا بصيغ مختلفة، طالما بقيت أسئلة الوجود وأسرار النفس البشرية وألغازها بغير أجوبة!
بعد عشرات السنين من دفنها فى غرف مظلمة يكسوها التراب ، تم الكشف مؤخرا عن مجموعة نادرة من اللوحات الزيتية والمائية والاسكتشات التحضيرية والوثائق الخاصة بحياة أحد رواد جيل الجماعات الفنية وغيرهم أواخر عقد الأربعينيات ، أكثرها يخص الرسام وأستاذ الحفر بكلية الفنون الجميلة بالاسكندرية منذ إنشائها أحمد ماهر رائف (المولود عام ١٩٢٦ والمتوفى فى التسعينيات ) وهو أحد فرسان جماعة “الفن المعاصر” ، الخبيئة تضم أيضا لوحات لرائد الجماعة الفنان حسين يوسف أمين ، واعمالا لعضو آخر فيها هو إبراهيم مسعودة ، وكذا أعمالا لفرسان جماعة “الفن والحرية” :الفنانين رمسيس يونان وكامل التلمسانى وفؤاد كامل ، رواد التيار السريالى إبٌَان إرهاصاته الأولى التى اجتاحت الحركة الفنية بتمردها على التقاليد الراسخة – بين الأكاديمية والواقعية – التى أرساها الجيلان السابقان (جيل الرواد الأوائل وجيل الثلاثينيات) ، فضلا عن أعمال تمثل تيارات أخرى لفنانين غيرهم مثل مرجريت نخلة ويوسف سيده وصلاح طاهر ، وهم من طلائع حركة الحداثة الفنية.
هذه الخبيئةآلت الى من اشتروها من بعض المتصلين بورثة الفنان ماهر رائف ، ولم يطلع عليها أحد الخبراء المختصين بالترميم او النقد وتاريخ الفن ، وكانت فى الأصل من مقتنيات الفنان قبل هجرته إلى أمريكا أواخر الثمانينيات حتى توفى هناك ، وكانت تضم الكثير من أوراقه فترة التحضير للسفر فى بعثته الدراسية الى ألمانيا عام ١٩٥٦ وما صادفه من عقبات ، كما تضم أوراقا بها بعض آرائه فى الفن والحياة قبل أن يتحول فكريا وفنيا الى الفكر السلفى والاقتناع بفتوى تحريم رسم المشخصات الحية ، حيث انتمى الى جماعة أنصار السنة المحمدية، مما دعاه الى الاستعاضة عن رسم الأشخاص بالتجريد مستخدما الحروف العربية خاصة فى مجال الحفر(الجرافيك) ، الى جانب بعض المراسلات الاسرية والمذكرات التى تعكس أفكاره.
ومن المعروف أن جماعة الفن المعاصر التى كان ينتمى إليها ماهر رائف وإبراهيم مسعودة كانت تضم الفنانين الكبار عبد الهادى الجزار وحامد ندا وسمير رافع ومحمود خليل وإبراهيم شهدة وسالم الحبشى، تحت قيادة أستاذهم حسين يوسف أمين فترة تدريسه الرسم لهم بالمدرسة الثانوية وما بعدها حين التحقوا بكلية الفنون الجميلة عام ١٩٤٦، وربما كان إهمال ماهر رائف الحفاظ على هذه الأعمال انعكاسا لرغبته فى القطيعة التامة مع تلك المرحلة من حياته بفكرها وأساليبها الثورية المتحررة، بعد ان تغيرت مفاهيمه وقناعاته الفكرية والفنية،مضحيا بمستقبل مبهر فى الاتجاه الفنى للجماعة الذى يكشف سوءات الواقع برؤية مدهشة تميل الى السريالية ، فخسرنا بتحوله هذا قامة إبداعية عالية فى ذلك الاتجاه لا تقل عن قامات رفاقه ، وقيل إنه ترك هذه الأعمال لأحد أقاربه واسمه ممتاز زكى ماهر ، قبل سفر “رائف”الأخير والنهائى الى أمريكا ، وهذا القريب تركها بدوره لدى جار له لاقتناعه بحرمتها بعد ان انضم أيضا- فيما يبدو – الى جماعة أنصار السنة خوفا من تحمل وزرها !
ولقد أتيحت لى فرصة الاطلاع على هذه الخبيئة ، وبقدر فرحى باكتشافها ، باعتبارها إضافة معتبرة إلى تراثنا الفنى تتصل بالثورة الطليعية على المدارس الفنية التقليدية السابقة عليها ، فقد أيقنتُ أنه من الضرورى عكوف مختصين بالترميم والتوثيق على فحصها ومعالجتها مما أصابها خلال عشرات السنين من الهجر والإهمال وسوء التخزين ، فضلا عن توثيق تواريخها وإثبات نسبتها الى مبدعيها وتصنيف مخطوطاتها ، ثم ربطها بسياقها التاريخى والاجتماعى ، خاصة وأن أغلبها لم ينشر فى إصدارات موثقة، باستثناء البعض القليل منها الذى ذكره ونشر صوره الناقد الفنى إيميه آزار فى كتابه الشهير “التصوير الحديث فى مصر” الذى نشر بالفرنسية عام ١٩٦٦ وترجم الى العربية ٢٠٠٥ بالمركز القومى للترجمة… انها مسئوليةقومية تحتاج فريقا علميا وجهدا مدققا قبل الشروع فى عرضها للبيع فى سوق الفن ، وقد استجاب أصحابها لدعوتى لهم للتريث قبل بيعها حتى يتحقق هذا الغرض ، رغم شدة الإقبال على اقتنائها بأسعار خيالية.
وكنت أتمنى ان تقوم الدولة بهذه المهمة من خلال الجهاز المختص بذلك فى قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة، لكنه للأسف لم ينجح فى أن يفعل مثل ذلك بالنسبة لما تحت مسئوليته من مقتنيات المتاحف الفنية رغم كثرة الشكوك المثارةحول بعضها ، لذلك ارى ان البديل هو الاستعانة بوزارة الآثار او بكلية الآثار بما تملكانه من أجهزة متقدمة للكشف على مثل هذه الأعمال، ومن خبرات فى الترميم بحياد تام بعيدا عن الأغراض الشخصية.
وبغض النظر عن امتلاك أشخاص لهذه الأعمال او عن بيعها لآخرين، فى غياب الدولة التى يفترض أن تكون أول من يسعى لاقتنائها وضمها إلى متحف الفن المصرى الحديث ، كجزء بالغ الأهمية من ذاكرتنا الفنية ، فإن أضعف الإيمان هو توثيقها قبل بي ح٩عها ، ثم إتاحتها كمادة علمية للباحثين ، ونشر صورها لتكون علامات طريق فى المراجع والرسائل الجامعية على مسار حركة الإبداع المصرى الحديث.