فاطمة على
جريدة القاهرة يوليو 2022
دائما كانت مشاهدة معارض الفنان الكبير”عز الدين نجيب”يسبقها ويصحبها سرد لمواقفه كمعارض والتحديات المحيطه به ولم اكن أستمتع برؤية لوحاته تحت هذه الظلال الدوجماتيه على حساب العمل الفنى.. وإرتبطت طوال الوقت لدى المشاهد لعروضه البصريه معلومات ذهنيه عن توجهاته وأفكاره فكانت المسافه متداخله بين آرائه وإبداعاته كمصور وكانت حماسيات الكلمه المنطوقه تطغى وتشوش على جماليات لوحاته بصرياً..
واليوم وأنا ادخل الى صالات عرضه”الإستيعادى” وندوة تكريمه بجاليرى”ضى” تركت على الباب قبل دخولى كل ما كان يلحق بأعماله من مواقف وتوجهات.. وما كدت ادخل إلا ولحقنى كتالوج معرضه بنفس الخطاب السابق ليصدر تحت عنوان” 60 عام من المقاومه والبعث”.. تلك المسميات التى أراها خنقت تجربته الفنيه ولم يقدمها الفنان أو النقاد كتجربه بصريه قائمه بذاتها بل تابعه ومفسره لمواقفه..
ورغم مطاردة عنوان كتالوج “المقاومه والبعث” والكلمات داخله حتى كلمه بقلم الفنان نفسه عن صموده وكفاحاته..رغم هذا فصلت رؤيتى تماما عن “عز” الناقد والأديب والمقاوم الذى عذبته مواقفه لأننى دخلت قاعة عرض لأرى لوحات فن يهمنى فيها لغة اللوحة منطوقه بمفرداتها وليس بمواقف صاحبها..
وفعلا مع جولتى داخل العرض “الإستيعادى” الرائع مجرده من الاقاويل الخطابيه وجدت كثير من لوحاته تبلور بإبداع مشروعه الفنى البصرى بوضوح وقوه..رغم مرحلته الاخيره التى بدت تميل للتفسيريه اكثر والحكائيه وأيضاً للرمزيه المباشره كأنها اُخذت مؤخراً أسيره لمواقفه الفكريه.. واللوحة كما فى مرحلته الأخيره حين تُفسر طوال الوقت على أنها صدى أوإنعكاس لمعاناة ومواقف حياه فإنها دون ذنب منها تظل تُرى على انها مجرد انعكاس تعبيرى ولا تُقام بذاتها..بل تصبح تفسيرأو وسيلة دفاع عن عالم لا يخصها لتقترب من مفهوم الرسوم الصحفية التوضيحية المصاحبة لقصه دراميه دون ذاتها كعمل تصويرى لسطح مُحمل بمقومات أدائه الجماليه والتقنيه..
خرائط النور
جغرافية للفضاء الصحراوى
على مدار حياته كمصور صنع الفنان الكبير لوحات تصويريه هائله.. مادتها نور المشهد وصراعه الذى يخلف ظلال تُراوغه من أجل الظهور..ومع رؤيتها جميعا مجتمعه فى عرض “إستيعادى” ضخم بدى مجملها يتمثل لخريطة نور ..وفى بعضها إستشعرته نور ميتافيزيقى.. أكسب عناصره ميتافيزقيته عزلتها عن الواقع لتكتسي بحس فوق الواقع شكلته من أطلال لجدران متآكله وكثبان رمليه أو حتى فضائيه جعلها تكتسب ميتافيزيقية وصمت أبدى تشكل على يد النور ..وقد تعامل الفنان بجديه ومثابره مع عناصر الكون بحرفيه إستحضار المكان والماده والفضاء والضوء والظلال ..فكان بحثه حيث النور يتشكل كماده ويتحول عبر الزمن اليومى لظلال شبحيه لأطلال وكثبان ممتده متأملاً الاسرار وما تخفيه باطن الأطلال بصمتها المطبق..لتبدو لوحاته محمله برؤيه تتوالد لحظياً فى المكان لذاتها تعمل بطاقة النور وبميكانيزم صامت لحركة سابقه فى زمن المكان.. ليبدو العمل جامعاً بين الأثر اللحظى للنور وإلتفافاته فوق أثار سابقه على زمن وجوده .. كالجمع بين زمنين فوق اسطح وجوانب وأغوار أطلال أهلكتها الرياح ومرورالزمن..
ورغم الصمت المطبق داخل عالمه الميتافيزيقى المنخلع الزمن المغمور بالنور ..إلا أن هناك حركه تقود لوحاته بذلك المرور البطئ الضمنى للزمن .. ووتحولات الكثبان الرمليه بتشكيلاتها الثعبانيه الملتويه والتى أراها هى لغة الرياح بعد مرورها والتى تحدث عنها “باولو كويلهو” فى روايته “ساحر الصحراء”.. لتتلاقى والموجات اللونيه لدفع الرياح أعلى فضاء اللوحه .. كأن الجميع مكانا وفضاءا هنا يتكلم لغه مشتركه كتلاقى عضوي حيوى وبمفردادته الصامته تتشكل أمام أعيننا بإحساس الفنان المتفرد فى إتقانه لمفردات هذه اللغه إلتفافاتها وبلاغتها المتشكله بين الفراغين الأرضى والفضائى وهذا أعطى طاقة مشتركه حيه للمكان والفضاء معاً ..
وأعتقد أن تميز المشروع الفنى لدى الفنان الكبير هو لقدر إهتمامه بالنور الميتافيزيقى..الذى يتطلب نور ذهنى وخيال يساعده على إستدعاء نور روحانى من مادية مكان قاس ومن صعوبته أنه يأخذ من ضوء النهار ليقدم ضوء روحانى ..هذا النور فوق الأطلال موجود قبل أن يراه الفنان ويأسره ..فهو نور خاص بالمكان المتآكل وممتد فى الزمان منذ القدم ونحن فى لوحات عز نرى آثار عمل النور ونقرأ لغة النور فى مراوغاته الظليه وقد إستسلمت آثاراً ظليه لما بعد مروره .. وهنا أرى مبحثه البصرى المهم هو المكان وأثر مرور الزمن وقضيته الفنيه هى وجودية المكان وقوة النور والروحى الذى يمد بالقوه لوحة التصوير ومادتها كسطح تصويرى ..
ولوحاته إن لم نرها كأشكال مكانيه لواقع اطلال قديمة نراها بالكامل كشبكه متداخله من المنحنيات بأجزاء من الدائريه..وخطوط منحنيه متموجه..وإلتواءات متقاطعه ..ومساحات سميكه ومنبسطه مُضاءه وقنوات كهفيه..هذا كله يخلق فخاً للعين وايضا يولد متعه بتلك الإرتباطات الذهنية بطاقة اللوحة الجامعه بمهاره بين المكانيه والروحانية الحيويه التى تولد عاطفيه ونوستالجيا داخل لوحاته بتلاقى المكانيه بالفضائية والماديه بالروحانيه..
المتاهة ومراوغة الجدران
الفنان الكبير”عزالدين”يمثل تمثيل بارع للعزله ولفكرة المراوغه من بين وداخل وخلف الجدران فيما بين النور والظلال وفكرة التكشف والإختباء.. وأطلال جدارياته تحمل هاجس بأن مظهر العالم الخارجى السطحى يخفى حقيقه مغايره عمقا..فجدرانه فى حال انقلاب دائم للخارج وللداخل..والمرئى لديه يخفى كثير من اللامرئي ..ولأن هناك قرابه خفيه بين الحاوى والمحتوى وكلا منهما محكوم بقوه بالآخر هكذا تتباهى أطلاله بلعبة الإخفاء والتظاهر للمرئى واللامرئى.. كالإنسان يتباهى برأسه بينما يمسك بهويته بين أصابعه..
وحوائط أطلاله الطينية ندركها رغم مرور الزمن وتآكلها كعجائن رطبه لا زالت تتذبذب بفعل النور ونبض أساكنيها القدامى الذين رحلوا عن المكان ولم ترحل هى عن أرضها تماما كالفنان ليكشف عن قدر التواصل بين المكان والحضور الروحى لمن سكنوه ومفردات الكون بهذا التلاحم والتأثير.. ولينقل الصوره الى ما وراء المادى المحسوس بذات المادى إلى عالم أقرب للميتافيزيقى حل فيه الفضاء الصوري ليمحو ما هو مميز بين الوهم والحقيقة .. وزمنياً نراه مستعيداً زمن اماكن منقضية مع زمن اللوحة بأثر رجعى وتحت تأثيرات نور مهدد بالإنحلال لولا تماسك المكان وثباتية جدرانه النابته من الأرض كعشب بحرى عملاق فى أجواء ميتافيزيقية تراوغ إلتفافات الأطلال البلا أسقف المنفتحه على الفضائى فى تواصل لتحطيم المسافة والحاجز بين الشعور واللاشعور والنور والظلال والمكان والفضائى .. ومن داخل بعض متاهات لوحاته نراها تلتف حول نفسها لتوحى بلانهائية الإمتداد فى المكان .. نائيه كالسراب وسحيقه كالنسيان ..ولتبدو كبؤره ملتفه أقرب للعدم تبتلع كل شئ .. يكتنفها غموض وجودى أعمق كتجربه فنيه قيمه مستقله وليست تجربه تابعه لمواقف وآراء خارج المشهد البصرى حتى ولو كانت ترمز اليه..
وأعتقد بوجود المتلق الواع للوحاته ستظل باقيه بحسها الميتافيزيقى كما رأيتها فى “ضى” .. وإن انتهت معاركه التى امتدت فى الزمان ستبقى لوحاته المقامه فى المكان بماديتها وعالمها المتكامل البدون بشر.. بينما إنتقلت لوحات مرحلته الأخيره إلى حاله إحتياج لظهور البشر والتحليق للترميز او للتدليل على الرموز ولم تكن فى أهمية لوحاته الميتافيزيقيه التى ميزت جوهر مشروعه الفنى ككتله فكريه فلسفيه روحانيه متماسكه بصحراواتها والتلال والاطلال دون وصف او تبرير لاي ما كان المرجعيه ..
وحدة الأنا .. وتفرد المبدع
داخل معرضه الإستيعادى وبين لوحاته.. تصورت أنه لولا إبداعاته كمصور لأصابته الفكره الفلسفيه “وحدة الأنا” كما تُعرف باسم “الذاتوية” والتى تقول بأنه لا وجود لشيء غير الذات أو غير الأنا وأن كل الحقائق الأخرى بما فيها العالم الخارجي والأشخاص الآخرين ليسوا إلا تمثلات لتلك الذات.. وأيضاً وجدت هناك تمثل بجداره وإبداع لفكرة “الانغماس” والذى قد يعتمد على حقيقة قاسية وأن كل منا محبوس أو مغموس في زنزانة لسجن يختبر عقله في كل ثانية من اليقظة .. وهذا يتوافق وما قاله “كافكا” بأن “المغامره الحقيقيه تحدث داخل رأسك حيث تجلس فى حجرتك” فالحياه الحقيقية تحدث فى عقل الانسان.. و”مارسيل بروست” حبس نفسه ثلاث سنوات لكتابة رائعته المتجادله مع الزمن”البحث عن الزمن المفقود” كأنها كانت مهمته فى الحياه.. ولوحات أطلال “عزالدين نجيب” حبس فيها الفنان نفسه لصحراواته وأطلالها لسنوات ليعدها كما رأيتها كمعادل بصري للبحث عن الروح الحره داخل وجودية المكان المتآكل ..