لو أن الدولة جادة فى مشروع التنوير

21 نوفمبر 2022
بصيص من الأمل بزغ منذ يومين ، يوحى بنيٌَة الدولة أن تعطى اهتماما بالثقافة ضمن المشروعات القومية التى تقيمها كالمدن الجديدة والطرق والكبارى أو ما تحتها ، وهو ما لا نكف عن المناداة به فى كل مناسبة ، وبلا مناسبة أيضا ، حيث ان ما يتاح من هذه الأماكن يؤجر لفتح محلات تجارية وأنشطة ترفيهية مثل الكافيهات والمطاعم ، أو تقام على هوامش الطرق العريضة ، ناهيك عما يقام فى المدن والأحياء الجديدة من شبه هذة المحلات، وقد قرأنا عن هذا التوجيه الرئاسى من خلال لقاء الرئيس بكبار المسؤولين عن المشروعات القومية ، وأشار فيه سيادته إلى أهمية الثقافة ، ولفت النظر إلى المكتبات العامة بوجه خاص ، وهو ما يعنى فتح الطريق للتنوير.
ومثل حلم المشتاق ، ذهب بى الخيال إلى ترجمة هذا التوجيه الرئاسى إلى سلاسل من المكتبات العامة ودور السينما والمسرح وقاعات الندوات والفنون التشكيلية ونوادى الطفل التثقيفية ومعارض وورش الحرف التقليدية ، وكل ما ينير وعى المواطن ويبنى ذوقه ويكشف عن مواهبه ويجلو هويته ، باختصار ..كل ما يبنى الإنسان الذى ننادى به ، وليس غير الثقافة ما يؤدى الى تحقيق ذلك ، نظرا لأن هذه المواقع المقصود استغلالها لتلك الانشطة تتخلل فى مسارها مجتمعات عمرانية بمختلف المناطق والأحياء السكنية من كافة المستويات الاجتماعية ، وهى محرومة تماما من أى خدمة ثقافية . إن ذلك جدير حقا بأن يُحدِث تحولا جذريا فى وعى الناس وفى بناء مواطن قادر على المشاركة فى بناء الوطن بدلا من سلاسل الكافيهات التى زحفت لتحتل كافة المساحات الخالية أسفل الكبارى ، وتُدخِل الشباب فى خدر اللامبالاة مع أنفاس الشيشة وهستيريا مباريات كرة القدم!
وعلى عكس ما تفعله كعادتها مختلف الصحف وقنوات التليفزيون والإعلام من المسارعة بالتهليل والتفسير لكل ما تصرح به القيادة فى الشؤون الاقتصادية والاجتماعبة والسياسية ، وفى مجالات التموين والصحة والتعليم والاستثمار والسياحة وغيرها ، وجدناها صامتة تتجاهل التعليق على هذا التوجيه الرئاسى الهام ، بل بلا مجرد إشارة إلى فحواه ، أو دعوة لبعض المسؤولين أو المعنيين بالرأى العام ممن تستعين بهم هذه القنوات ليل نهار لتحليل وتنظير كافة التوجيهات الرئاسية.
ولا أريد القفز إلى استنتاج أن مرجع اللامبالاة الإعلامية بهذا التحول فى سياسة الدولة لا يهم هذه الأجهزة الإعلامية والصحفية ، استمرارا لسياستها المعتادة بإهمال الثقافة وتهميشها بين برامجها وصحفها ، باستثناءات نادرة ، مكتفية بالمواد المسلية او المثيرة فى أحاديث المساء والسهرة ، لشغل الناس وإلهائهم وتحقيق أعلى قدر من الإعلانات التجارية ، إنما قد أفسر هذا التجاهل بأحد سببين :
الاول ان هذا التوجيه لم يوجه إلى الجهة المختصة بتنفيذه ، وهى وزارة الثقافة ، حيث لم تُدعَ وزيرتها إلى الاجتماع الذى وجه الرئيس فيه بهذا التوجيه ، بل دعيت إليه القيادات المسؤولة عن الطرق والكبارى ومنشآت الإسكان ورئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة…والثانى أنه لم يصاحب هذا التوجيه أى توضيح لطبيعة الأنشطة الثقافية، فيما عدا المكتبات ،دون التوجيه بوضع خطة أو اتخاذ إجراءات عملية لتفعيلها ، ما يضع الصحافة والإعلام والمحللين الاستراتيجيين فيها أمام علامة استفهام قد يخطئون فى الإجابة عنها او الخوض فيها ، فيضعون بذلك أنفسهم أو القيادة السياسية فى موقف حرج ، لهذا فضلوا الصمت انتظارا لصدور القرار.
وسواء كان السبب هذا او ذاك ، فليس ثمة ما يشير إلى أننا إزاء تحول جاد نحو وضع الثقافة كضرورة ، ولو كان تحولا جادا لكان قد بدأ بالاستماع إلى آراء ذوى الشأن وهم المثقفون والمفكرون والمبدعون فنا وأدبا ، لأنهم – وليس غيرهم – المنوط بهم ملء الأوعيةالمقترح تخصيصها للأنشطة الثقافية ، فالمسألة ليست مجرد تخصيص أماكن للثقافة وترك مهمة ملئها للسادة الذين تلقوا توجبه الرئيس وقاموا ببناء حوائطها ، ذلك لأن أهل مكة أدرى بشعابها ، ولأن الأماكن المقترحة لهذه الانشطة ، حتى ما كان قائما منها منذ سنوات طويلة مثل قصور الثقافة ، هى مجرد أوعية ، قد تُملأ باللآلئ وقد تُملأ بالقواقع الفارغة ، أى أننا قد نغذيها بثمار الثقافة الرفيعة والمنيرة ، أو بمنتجات التفاهة والسطحية والتطرف الدينى ، بما فى ذلك اختيار الكتب والأفلام والمسرحيات والمعارض وغيرها .
فلتقدم الدولة الدليل على جديتها فى وضع مشروع قومى للثقافة كما ينص الدستور ، ولتكن هذه المبادرة الرئاسية هى مجرد البداية ، ولتصدر إعلانا صريحا عن مشروعها الثقافى ، وليكن جوهره هو التنوير ، على أن تسترشد فيه بآراء المثقفين من ذوى الخبرات المشهودة فى كل مجال ثقافى ، وكذلك بالمؤسسات الثقافية ، ليشعروا – ولو لمرة واحدة منذ ٢٠١٤ – بأنهم شركاء فى بناء الوطن بأهم أدوات بناء الإنسان..وهى الثقافة والتنوير ، لأنه سيكون من دواعى فشل المشروع ألا يكون لهم راى او دور فيه ، وهو يعد مبرر وجودهم.
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »