بقاعة آرت كورنر بالزمالك أقيم معرض الفنانة الشابة لينا أسامة ، مصورة درست أكاديميا بين القاهرة وأوروبا ، ذات أسلوب خاص لا يحاكى اتجاها شائعا هنا او هناك ، يتجاوز مأزق التبعية للفن الغربى وفنون ما بعد الحداثة ، تلك التى تبحث عن الاثارة حتى التحطيم والعبث بادعاء المفاهيمية ، إن ما حماها من الوقوع فى هذا المأزق هو أنها مسكونة بالروح المصرية بطبقاتها الحضارية المتراكمة ، وصولا الى الفنون الشعبية ، دون انقطاع عن تطورات الابداع العالمى وتوجهات الحداثة ، انما تعتبرها جزءا من بحثها التجريبى فى كيفية المزج بين الحداثة وبين المخزون الثقافى المحلى من البيئة والتراث ، ليس من الحضارات الرئيسية الأربع فحسب ، بل كذلك من الفلكلور والحرف التقليدية فى أقاليم مصر ، عبورا برسوم الحج والوشم ومشاهد العرس وأزياء بنات سيوة وسيناء وعروسة المولد والحلى الفضية ووحدات الزخارف الهندسية على النسيج والكليم …وبالمناسبة فإن العودة الى مثل هذا الرصيد من الثقافات الشعبية والفطرية يعد احد اهتمامات التيار الإيجابى من فنون ما بعد الحداثة ،وهو تيار ينأى عن الاتجاهات العبثية والتهكمية فى مسار تلك الفنون.
لكن الأهم من ذلك كله-ومن قبله- فإن “لينا” تملك حس الطفولة والفطرة البدائية بغير تكلف ، ولديها خاصية الاسترسال السردى فى اللوحة ، تقول ما تعرفه لا ما تراه ، فتقدم ما يشبه حكاية زفة العروس بفستانها وحذائها السيوى المزركش بقصاصات ملونة ، وتطرز الحكاية بالرموز من زهور وسعف نخيل وفواكه وطيور ، الى أبراج حمام وحيوانات وأراجوز …إنه عالمها الذى تتوحد من خلاله مع عالم الفنان الشعبى والروح المصرية وعالم الطفولة ، لكنها لا تقع فى غواية الطابع السياحى او الفكرة الإيضاحية ،بل تتخذ منهج التتابع البصرى غير المنطقى للعناصر.
وعندما تقدم لنا المرأة المصرية ، فهى تجعلها كملكة يعلو جبينها الصقر( الإله حورس) يحتضن رأسها بجناحيه وهى فى وضعها الجانبى الأمثل عبر التاريخ ، محروسة بابن آوى حارس الحقول وعالم الموتى ، لكن “لينا”لا تستحضر الموت بل تبعث الحياة من حول الملكة بكل وصيفاتها النبيلات،السمراوات ، وعيونهن تشع ببريق النجوم او عيون القطط فى الظلام .
إن حداثة أسلوبها تتبدى فى تقسيم مسطح اللوحة بحيث تتوسطها دائرة هائلة الحجم ، تضم البطلة (وغالبا هى عروس أو ملكة او حاضنة لحمامة ) بألوان زاهية مفارقة لما حول الدائرة من ألوان ، يبدو اللون الأزرق سيد الألوان لديها ، نراه فى الزى السيناوى والطرحة السيوية فوق شعر ذى جدائل نوبية مزينة بالزهور ، لكن الأركان الأربعة للوحة حول الدائرة تتجلى بألوان تتراوح بين البرتقالى الفسفورى والأخضر الزيتونى والاحمر النارى ، وعلى تلك الخلفيات اللونية وحدات من الزخارف الميثولوجية لنقوش هندسية ونباتية . أما الخطوط التى تحدد بها تلك الأشكال فليست مجرد تأطير لها ، بل تبدو أساسية بحضور مميز فى بناء لونى ذى ألوان قوية تتناغم مع المساحات اللونية المحيطة بالأجسام و الفراغات المسطحة ذات الصبغة الأفريقية المبهجة بتضاد لونى ساطع…ومثل هذه الأجواء والعناصر الشعبية قد تغوى الفنان الى عالم اللوحة السياحية ، لكن “لينا” تنجو من هذا المطب بفضل غلبة روح الفطرة والطفولة التى أشرنا إليها ،بحس تعبيرى لا تزيينى ، وطابع احتفالى غير مفتعل.
ومع هذا الحس الارتجالى تأخذك بعض اللوحات الى جو ينبض بحميمية الأسرة المصرية عبر التاريخ ، ويعطيك شعورا بان هذه الفنانة الشابة لديها ما تقدمه أكثر من ذلك فى المستقبل ، وتعدنا بكنوز أقوى بريقا….فلننتظر!