مجدى عبد العزيز .. التصوير والجرافيك بعبق الزمن

فيس بوك 8 يونيو 2323

 

الرحلة الطويلة للفنان مجدى عبد العزيز مع الفن منذ منتصف السبعينيات تنتمى إلى المدرسة المصرية التى كان الأب الروحى لها الفنان الرائد الراحل عمر النجدى، تلك المدرسة التى تستلهم ملامح البيئة والتراث والحياة الشعبية وحروف الخط العربى ووحدات الزخارف على الجدران الأثرية، ورموز السحر ووجوه وعيون العرائس المفتوحة الشاخصة للمجهول، مما يذكرنا بالرسوم والكتابات فوق توابيت المومياوات فى التاريخ المصرى القديم، وتستخلص خبراته من ذلك كله علامات ودوالٌ رمزية فوق أسطح تشكيلية عبر ألواح الطباعة اليدوية الغائرة والبارزة ،تجعلنا نستشعر عبق الزمن وعمق التاريخ وبصماته الدالة على الهوية المصرية.
وقد تتلمذ مجدى مباشرة على عمر النجدى كطالب على يد أستاذه بكلية الفنون التطبيقية عدة سنوات تركت على شخصيته الفنية الكثير من بصمات اسلوبه، سواء بعد تخرجه او بعد أن أصبح زميلا له فى التدريس بالكلية او خارج النطاق الأكاديمى، لكنه منذ بداياته حرص على الاستقلال بأسلوبه الخاص ولو فى الخطوط العريضة لمدرسة النجدى، مع الاستغناء عن الكثير منها والإضافة إليها أيضا.
وفى معرضه الجديد المقام بقاعة الباب بساحة الأوبرا يعرض آخر تجاربه الفنية التى لخص من خلالها رؤيته الجمالية القديمة بحكمة الشيوخ وقد تجاوز السبعين من عمره، فبدت أكثر إيجازا وإضاءة وصفاءا، وأقرب إلى التجريد البحت، وإن شفٌَت بعض اللوحات عن ملامح إنسانية غامضة لوجوه لم يكن لها مكان فى أعماله السابقة، كما اتجه عدد من اللوحات فى المعرض إلى مزج الطبعة الفنية (الجرافيكية) بالتصوير بالالوان الزيتية وألوان الأكريليك، وهى تجربة يمارسها لأول مرة، وربما لا أكاد اجد لها سوابق لدى أى فنان جرافيكى فى مصر على الأقل، وهى مغامرة محسوبة تَجنَبَ خلالها تأثير العناصر الزخرفية التى كانت إحدى علامات أعماله بالطبعة اليدوية بقوالب الزنك أو بغيرها من الوسائط، خاصة فى الموتيفات الحلزونية او الهندسية المتكررة أو المتبادلة، فيما استبقى فى لوحاته الجديدة البنية الأساسية السابقة للوحة الطبعة اليدوية، من حيث التسطيح باختزال المنظور الهندسى إلى بعدين اثنين، واستبعاد البعد الثالث والتجسيم الاسطوانى، مما جعله يفضل الأشكال الهندسية كالمربع والمستطيل والدائرة والشكل الهرمى والشكل الهلالى، واستخدام بعض العلامات المرتبطة بالعمارة الشعبية او التاريخية، كأقواس البوابات ونوافذ البيوت ومربعأت الأحجار الناتئة كبقع لونية متناثرة فوق السطح، كما استبقى فى خلفيات أعماله الجديدة بعض الشبكيات الطباعية ، وهى تتشكل من تقاطعات الخطوط والدوائر وحركة الزجزاج، لكنه يتلاعب بدرجات وضوحها وضبابيتها وشفافيتها من خلف العناصر الهندسية البارزة، بما يجعل للوحة أبعاداً تتجاوز التسطيح الغالب عليها.
ومن أهم العلامات ( السيميائية)التى حرص على استمرارها فى تجربته الجديدة، وجود النقاط الكبيرة المربعة الشكل والمأخوذة من علامات تنقيط الحروف بالخط العربى بعد تضخيمها، وهى قائمة على زاوية المربع لا على أحد أضلاعه، حيث يستخدمها متكررة فى صف أفقى أو رأسى كنقاط ارتكاز أساسية للتكوين، أو يستخدمها كنقطة وحيدة منفردة هنا أو هناك، وتبدو جميعا كوقفات إيقاعية تماثل الوقفات بين دقات الطبل المتكررة فى اللحن الشعبى، يضعها بحساب دقيق فى أماكن معينة على سطح اللوحة، خاصة وأن البناء الكلى للوحات يشف عن حركة إيقاع موسيقية خافتة بنكهة شعبية.
ماذا أضاف التصوير الزيتى او الأكريليكى إلى التجربة الجرافيكية لمجدى عبد العزيز؟..ربما أضاف إليها قدرا من الرصانة والهيبة، خاصة بعد دخول اللون الأسود والدرجات اللونية القاتمة وما تشف عنه فى العمق من تموجات لونية غامضة، مما استدعى منه التخلى عن كثير من الموتيفات الزخرفية ومن روح التصميم الهندسى، خاصة عندما يضيف بعض الملامح الإنسانية بخطوط شاحبة لوجوه توحى بأرواح هائمة بين مساحات اللوحات المسطحة، فى الوقت الذى بقيت من عالمه القديم نكهة الزمن متمثلة فى الدرجات اللونية المغبَرٌَة ، وكذلك فى إضافة حس التوتر اللونى نتيجة الهزة التى يتعمدها الفنان عند وضع القالب المعدنى فوق سطح اللوحة أثناء الطبعة الفنية، خاصة بعد أن استعان فى آخر تجاربه الفنية بتقنية (الأمنوكروم) القائمة على التلوين بالحرارة من خلال شرائح ملونة وأداة كالبكرة الإسفنجية التى يمررها على سطح اللوحة محملة بالألوان التى تتمازج مع بعضها البعض، مما يجعل السطح أكثر ثراء وإشراقا لونيا فى الوقت ذاته.
لقد جمع المعرض الجديد لمجدى عبد العزيز بين الحكمة الهادئة التى أخذته إلى مناطق الشفافية الضبابية للأبيض والرمادى والترابى فى إيحاء بالزمن، وبين المخاطرة التقنية بالألوان القاتمة بحثا عن أبعاد درامية جديدة عليه قد تفقده الكثير من سماته الغنائية القديمة، فى الوقت الذى عليه بذل الكثير من الجهد والتجارب لامتلاك أدوات المصور بنفس درجة تمكنه من أدوات الجرافيكى ، كما جمع فى معرضه بين الحَوْم حول عناصر التراث والبيئة الشعبية فى همهمات خافتة متضمنة إيقاعات تطريبية كدندنة آلة العود مع إيقاع الطبلة، وبين التجريد المُصَفٌَى من أية إيحاءات تراثية أو بيئية، والاتجاه نحو التأمل الفلسفى المطل من أعلى – من منظور عين الطائر – على الحياة والوجود..لكننى على ثقة بأنه لا يزال أمامه الوقت ليقدم الكثير فى اتجاه تعميق هذه الإيماءات الشكلية والتعبيرية الجديدة.
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »