إذا جاز لنا وضع الفنان الكبير محسن عطية فى مكانه الخاص به ، فأرى ان اسم هذا المكان هو التجريدية الرومانسية ، بمعنى ان الخيال عنده هو مبتدأه ومنتهاه ، وأن اللغة التجريدية البصرية مهما علت صياغتها وأُحكِمت هندسة تشكيلها ، ليست بديلا عن إطلاق شحنة المشاعر الإنسانية القادرة على الوصول إلى المتلقى عبر ما يستوحيه منها كرسائل عاطفية أو أحاسيس ، يستشف من خلالها معانى حُلمية أو أطيافاً راقصة..بهذا ينتقل الفنان بالتجريد الى منطقة مراوغة بين اتجاه التجريدية التعبيرية واتجاه التجريدية الغنائية، وهو الامر الذى يعمل على إزاحة الشعور بالغربة البصرية لدى المشاهد العادى للوحاته المجردة من مظاهر الطبيعة المباشرة ، فيستطيع عبر بعض الإشارات التشخيصية التى تبزغ بين تموجاتها اللونية أن يطلق خياله مع خيال الفنان وأن يستشف منها بعض الرؤى التعبيرية التى ترضيه ، ما يعنى ان يصبح المتلقى شريكا فى صنع الرؤية الذاتية مع الفنان وليس مجرد متلقٍٍٍ سلبى
ويلعب اللون دورا بارزا فى لوحات محسن عطية ، فهو لون وظيفى لإعطاء الدفقة الشعورية للوحة ، لا مجرد تشكيل هارمونى بصرى خالص لذاته بين عناصر المعزوفة اللونية ، ومن ثم فإننا لو افترضنا رؤية اللوحة محوٌَلة الى الأبيض والأسود ستفقد ثلاثة أرباع طاقتها التعبيرية ، بعكس كثير من اللوحات التشخيصية التى قد يُغْنى وضوح الأشخاص والموضوعات فيها – بدرجات متفاوتة بين فنان وآخر – عن غياب الألوان ، لأن لها ترجمة موضوعية فى ذهن المتلقى لا تملك لغة تخييلية بالأشكال والألوان.
وأقرب فن إلى تجربة الإبداع لدى “عطية” هو فن الشعر ، لأن الشعر يستعيض عن الصور الواقعية والأوصاف الاعتياية بأطياف مراوغة بين الحلم والحقيقة ، ويستلهم رؤاه من دفق المشاعر والخيال والتأملات الروحية وليس من المتفق عليه والدارج بين الناس من تاويلات معنوية او موضوعية ، لذا فإن كلا الأسلوبين فى اللوحة والقصيدة يتطلبان ذائقة خاصة مرهفة بعيدا عن المصطلحات اللغوية الجاهزة ، سواء كانت تشكيلية او أدبية.
والسؤال الآن هو : هل قال الفنان كل شىء فى هذا السياق عبر معارضه السابقة ، أم أن فى جعبته نقلة كيفية جديدة تطمح الى توسيع قاعدة التذوق لإبداعه؟
نشر فى فيسبوك 1 يناير 2022

