كتب محمود يوسف
لو شئنا الصراحة مع أنفسنا سنجد أننا نعيش أزمة ثقافية، تتمثل فى انفصال تام بين أبراج المثقفين العالية والمحتشدة بإبداعات الأدب والفن والفكر والنقد وحتى السياسة ، وبين الجماهير المنشغلة بهمومها المعيشية ومطالبها المادية وصراعاتها اليومية من أجل البقاء ، حتى أصبحت الثقافة تعنى لها ترفا يكلف المواطن ما يقدر عليه،وهو بذلك يعيش لا لشىء إلا مواصلة الحياة فى حدها الأدنى، لمعنى تلبية مطالب النصف الأسفل من الإنسان ، أما النصف الأعلى الذى يضم العقل والقلب والوجدان والذائقة الفنية والفكر الإبداعى فهو شبه معطل ، او يعمل بالكاد لدى نسبة قليلة من المواطنين ، وليس ذلك لنقص فى جينات الذكاء أو فى الإحساس الجمالى والإبداعى للمصريين ، بل على العكس ، فإن تاريخنا الممتد منذ فجر التاريخ شاهد على الثراء الحضارى للمصريين ، وأساسه مكونات الثقافة وجينات الفكر والفن والقيم الروحية والجمالية وما وراء المطالب المادية التى يعد التأمل بالعقل والقلب والخيال أحد محركاتها . المشكلة هى : هل تضع الدولة الثقافة بكل روافدها كاستراتيجية ضمن أولوياتها فى خريطة البناء والتنمية ، مثلها مثل الغذاء والتعليم والصحة والسكن ودور العبادة ، باعتباره (أى الثقافة) العمود الأساس لبناء الإنسان، أم على أنها كماليات ثانوية وترفيهية ؟..الحقيقة للأسف هى الخيار الثانى..لكن لو أرادت الدولة بناء الجمهورية الجديدة التى نحلم جميعا بها ، فعليها أن تبدأ بالخيار الأول وهو الثقافة ، بالتوازى مع الضرورات المادية والتعليمية وغيرها ، ويتم ذلك بالتنسيق بين وزارة الثقافة وبين وزارات التعليم بشقيه الأساسى والعالى ، مع الإعلام والشباب ، لوضع استراتيجية تسفر عن منظومة عمل مشتركة ، بدءا من المدرسة الابتدائية وبقية مراحل التعليم ، لتعود – كما كانت – حصص التربية الفنية والموسيقية والمسرحية ، وتعود جماعات الأدب والشعر والخطابة والمكتبة والرحلات ومسابقات التميز فى كل ذلك. إننا ونحن نبنى الطرق والكبارى والمدن الجديدة يجب أن نبنى بنفس القدر جسورا بين الثقافة والجماهير فى كل مكان على أرض الوطن ، وأن نعمٌِر ونضىء قصور الثقافة المظلمة والمهجورة ، وان نملأها بنشاطات ثقافية حية ، وبورش إبداع لجميع الفنون ، من مسرح وسينما وفنون تشكيلية وغيرها ، على أن تقدم كخدمة لا كسلعة ، بعيدا عن أحياء النخبة والطبقات العليا ، لتكون فى مسار الحياة اليومية للمواطنين كما كانت قديما ، وعلينا دعم قنوات التليفزيون والإذاعة والصحافة لتخصيص برامج وصفحات يومية للثقافة على مستوى تلقٌِى الجماهير ، تجمع بين المستوى الرفيع والترفيه ، ومن الضرورى أن تتبنى هذه المنظومة إشعال الحياة الجامعية ومراكز الشباب فى كل مصر بالأنشطة والمهرجانات الثقافية والمسابقات الفنية والأدبية والعروض المسرحية والسينمائية ، مثلما يتم حاليا فى المواقع السياحية..ولا ينبغى أن ننسى رعاية وتنمية الحرف التقليدية على أرض مصر جميعا ، كعمود من أعمدة الثقافة والاقتصاد معا. إن تبنٌِى هذا المفهوم والعمل على تطبيقه سيكون العامل الفارق فى نجاح وزيرة الثقافة الجديدة فى مهمتها ، سيكون الفيصل فى تحقيق توجهنا لبناء الجمهورية الجديدة ، ومن هنا أدعو إلى أن تدخل الثقافة كمحور ضمن الحوار الوطنى المرتقب الذى دعا إليه السيد الرئيس.
عزالدين نجيب
17 سبتمبر 2022