فيس بوك 11 مارس 2023
للفيسبوك ضحايا عديدة، لكن من أهم ضحاياه اللغة العربية ، حيث تتم كل دقيقة بعثرة كرامتها حتى رأيناها تنزل الى مستوى لغة الحوارى فى الأحياء العشوائية، ويصل ذلك إلى التعبير عن المسائل الخطيرة والجادة، وأصبحت العامية هى اللغة الرسمية المعتمدة على صفحات التواصل الاجتماعى، ويستعملها كبار المثقفين والأدباء كما يستعملها من يفكون الخط بالكاد!
ولا أظن أن المثقفين والأدباء يستخدمون العامية من باب الاستسهال، بقدر ما يتوسلون بها لمغازلة جمهور عريض قليل التعليم بطريقة شعبوية، ظنا منهم بأن ذلك يزيد شعبيتهم ، وهو تقدير يجانبه الصواب ، لأن هؤلاء الذين يتقرب إليهم الكاتب وهم غالبا من قليلى التعليم لن يقرأوا له شيئا سواء كان مكتوبا بالعامية أم بالفصحى، فلهم اهتماماتهم الأخرى البعيدة عن عالمه كل البعد ،وسينتهى الأمر بأن يقتصر قراؤه على نفس نوعية من يقرأون قصصه أو مقالاته فى الكتب والصحافة، فماذا يجنيه من الهبوط بمستواه اللغوى، حتى ولو كان يكتب خواطره الذاتية، إلا التقليل من مكانته فى نظر محبيه؟!..هذا بخلاف فئة قليلة جدا من المثقفين ينظرون إلى اللغة العربية باعتبارها لغة أجنبية على المصريين كلغة للغزو العربى، بينما لغتهم الحقيقية هى العامية، وهذا غير صحيح، لأن اللغة المصرية عند دخول العرب كانت هى اللغة القبطية النابعة من الديموطيقية ، أما العامية فهى لهجة مشتقة من اللغة العربية مع تضمنها مفردات باقية من اللغة المصرية القديمة ، كذلك نجد جميع لهجات الشعوب العربية الأخرى تنويعات مشتقة من اللغة الأم بتحريفات إقليمية وثقافية، وسوف نجد أن أغلب مفردات عاميتنا عربية الأصل، والفرق بينها وبين الفصحى يكمن أساسا فى تركيب وبناء الجملة وفى أدوات النفى والتسويف.
إن هذا الانتهاك للغة العربية ظاهرة مفجعة تهدد مستقبلها فى الصميم، باعتبارها عنوانا لأمة وثقافة وحضارة، كشأن اللغة فى أى دولة متحضرة ومتقدمة، ولا أعتقد أن هناك دولة تهين لغتها ويقوم شعبها بذبحها يوميا كما يفعل شعبنا بلغته، ذلك أن اللغة عنوان هوية أى أمة، وإهانتها إهانة لهذه الأمة، وتصل بعض الدول الأوروبية إلى حد التشدد وإصدار القوانين التى تعاقب على الإساءة بأى صورة من الصور الى لغاتها.
ونحن نبتسر وظيفة اللغة فى حصرها فى مجرد كونها وسيلة للتعبير والتفاهم ، فإلى جانب ذلك لكل لغة جماليات خاصة ترقى بهذا التعبير وتجعلة أكثر رقة وحسنا وتذوقا من مجرد نقل المعلومة أو المعنى، والعربية فيها من ذلك الكثير والكثير من فنون لجماليات نغمية ودلالات معرفية وأطياف شاعرية ومترادفات معنوية وموسيقية، بما يطرب الأذن والقلب ويحبب الاستماع إلى إيقاعاتها المتعددة، ولا يقلل ذلك مما تملكه العامية من جماليات، حتى رفعها الشعر قديما وحديثا إلى مستوى جماليات شعر الفصحى بدءا من بيرم التونسى وأغانى أحمد رامى حتى شعرائنا المحدثين..لكن ذلك شىء، وتحطيم قواعد اللغة والاستخفاف بأسسها – أيا كانت – شىء آخر.
وأدرك أن جذر الأزمة ينبع من أزمة أخرى وهى النظام التعليمى، وليس خافيا على أحد المستوى اللغوى المنحدر لأغلب طلبة المدارس حتى الثانوية العامة وصولا إلى الجامعة، حتى أننا نجد طلبة فى الثانوية لا يعرفون المبادئ الأولية للنحو مما يدرس فى المرحلة الإعدادية ، كما أن فى الجامعات طلبة لا يعرفون أن يكتبوا جملة مفيدة أو صحيحة، ناهيك عن الركاكة الفاضحة فى التعبير عن فكرة أومعلومة، أو حتى الإفصاح عما يدور بأذهانهم من خواطر أو بدواخلهم من مشاعر ، وهؤلاء يمثلون فى النهاية التيار الكاسح الذى يغذى وسائل التواصل الاجتماعى بمستواهم اللغوى البائس.
لكن كل ذلك قد نجد له أسبابه و مبرراته التى نبتلعها على مضض، أما الذى يصعب ابتلاعه أو حتى تبريره فهو أن نرى بعض من يعتبرون أنفسهم نقادا وهم لا يعرفون مبادئ النحو والإملاء ، ولو دخلوا امتحان اللغة العربية فى الشهادة الإعدادية لرسبوا بالثلث إن لم يحصلوا عل صفر بكل ارتياح ضمير من المصحح! ، فالواحد منهم لا يعرف من قواعد اللغة ما هما الفعل و الفاعل او المبتدأ والخبر أوالمرفوع والمنصوب أو الجارٌ والمجرور، ومع ذلك يملأون الدنيا ضجيجا على الفيسبوك بنقد كل شىء وإصدار أحكام مطلقة على كل عمل ، بدءا من المعارض التشكيلية حتى القضايا الثقافية والسينمائية والغنائية، ويضيفون التوابل والمواد الحريفة جذبا لمزيد من المعجبين والمتابعين، بل يذهبون إلى إلقاء الدروس فى أساليب النقد الفنى، وهم لا يدركون من مذاهبه ومدارسه ما يعرفه طالب مبتدئ فى إحدى الكليات الفنية، وأغلب ما يكتبونه انطباعات عامية تغلب عليها التفضيلات الشخصية، أى هل يتوافق العمل المنقود مع ذوقه الشخصى أم لا؟. وهو لا يبتعد عن المدرَك السطحى للعمل الفنى الذى يمكن أن يلاحظه أى شخص غير متخصص، وطالما كان المستوى الثقافى – فضلا عن اللغوى – للنسبة الغالبة من مستخدمى أدوات التواصل الاجتماعى هو كما ذكرنا آنفا، فإن أصحاب هذه النسبة لن يدركوا ما تتضمنه كتابات مثل هذا “الناقد” من كوارث لغوية وأخطاء منهجية فى النقد، ولن يستوعبوا ضحالة المستوى الثقافى والمعرفى عنده، بل ستجد الكثير من علامات الإعجاب والإشادة تعليقا على “الدرر” التى يكتبها صاحبنا الناقد، حتى يوصف بالكبير والعبقرى ، أما المثقفون حقا ممن يعرفون ضحالة مدعيٌِى النقد هؤلاء فإن الحرج والحياء وقلة الشجاعة تمنعهم من التعليق بحقيقة رأيهم، انتظارا لأن يقوم بذلك أحد غيرهم!..وهنا ينطبق عليهم المثل : من يعلق الجرس فى رقبة القط؟!
وهكذا يتم التعود على هذه الظاهرة، بل يتم تكريس مكانة أصحابها من “الكتبة” واعتبارهم نجوما يشار إليهم باحترام وتبجيل، وإنك قد تحاول العبور على الكتابات من هذا النوع دون أن تقرأها وكأنك لم ترها حفاظا على أعصابك وعقلك، لكن الإلحاح اليومى على نشرها بإصرار يحسد عليه أصحابها وكأنهم حصلوا عل منح للتفرغ لكتابتها من وزارة الثقافة، لا يجعل أمامك إلا أن تمتنع عن فتح الفيسبوك كى تتجنب التعثر فيهم، وخطورتهم تكمن فى أنهم يرسخون مفاهيم زائفة لدى محدودى الثقافة والوعى حول موضوعات وقضايا وأعمال فنية، أشبه بأغانى المهرجانات التى تطاردك أينما وليت وجهك إلى أية قناة تليفزيونية!
وعن نفسى ، فقد أتحمل على مضض المستوى الغث لمضمون مثل هذه الكتابات، لكن ما لا أقدر إطلاقا على تحمله ولا مهرب لى منه ، فهو المذبحة اللغوية التى تقام يوميا، واكتملت المأساة بتطوع بعض أصحابها بإلقاء دروس علينا من واقع “خبراتهم وعلمهم الغزير”..!
وها قد علقتُ الجرس فى رقبتى لأكون أول من يكتب عن هذا المسكوت عنه..لكن يبقى أن يقال لأصحابنا المذكورين: إذا بُلِيتم فاستتروا!
كل التفاعلات:
٢٣محمد طوسون، ومجدي عثمان و٢١ شخصًا آخر