مصطفى الرزاز..وأسطورة أم الشعور

19 مارس 2019

على امتداد مشواره الفنى منذ الستينيات ظل الفنان الكبير مصطفى الرزاز ينسج لوحاته من روح الأساطير والملاحم الشعبية، التى تمتد جذورها بلا انقطاع الى العصور الفرعونية وما تلاها ، ولا تزال تحيا فى ذاكرة الأجيال عبر حكايات الفلكلور فى القرى المصرية.. كان الفنان – مع غيره من الفنانين المصريين – يستمد منهارموزا وأيقونات ودوالٌ تنوب عن السرد الحكائى وتتماهى معه ، ويستخدمها فى تشكيلات فنية برؤية حداثية محوٌرة عن أصولها التراثية فى الفن المصرى القديم او فى رسوم الوشم وحواديت الشاطر حسن وملاحم البطولة لأبو زيد الهلالى وعنترة بن شداد ، ورسوم الجمال والخيول والطير والفرسان والحوريات ذوات الشعور المسترسلة.
وقد أصبحت هذه العناصر فى النهاية -من كثرة استخدامها وتكرارها بدون تغيير يذكر عبر العشرات من معارضه – لزمات اسلوبية وحليات زخرفية مستهلكة يعاد تدويرها وإضفاء البريق اللونى ومهارات التقنية عليها بعد أن ذهب وهجها الأصيل بالتكرار وغاض معه زخمها الأسطورى.
فى معرضه الأخير يفاجئنا الرزاز باستعادة هذا الوهج ، بدون محسنات بديعية مصطنعة ، معطيا البطولة للخط السميك ، ليس ليحدد به الأشكال والعناصر كما كان يوظفه سابقا ، بل ليتصدر فضاء اللوحة بجُرم قوى الحضور والتعبير ، متمردا على السياق الزخرفى وعلى كساء الألوان الزاهية ، رغم أن الفنان يجسد به نفس العناصر القديمة ؛ كالحصان والطائر والعروس وزجزاج الماء وعين حورس ، ويبدو أنه استعار ذلك الخط الأسود السميك من منحوتاته االشبكية بنفس الأسلوب تقريبا.
ان الفنان هنا ينتقل من الإطار التصميمى/التزيينى الى البناء التصويرى/التعبيرى ، بتأكيد ملامس المساحات بالملمس واللون ، وبموجات الخطوط الجماعية المرهفة والباهتة وهى تسرى وتتماوج فى زرافات متوازية نحيلة كصوت فريق الكمنجات التى تعزف بنعومة وتشكل خلفية لصوت آلة التشيللو الغليظ فى حوار مع الخط الأسود حين يرسم رأس الحصان بعين حورس او عين إيزيس وشعرها الزجزاجى الفاحم ، وانتقلت هذه الخطوط النحيلة الخافتة الى الخلفية ، لتشكل وحدات الزخارف الشعبية المتماثلة بدرجات لونية باهتة، فيما انتقلت العصفورة الشهيرة فى عالم الفنان بلونها الفيروزى الى المقدمة بقوة حضور واثقة ، ومن خلفها ينتصب فى شموخ وجه الفتاة السمراء “أم الشعور” بعينيها اللوزيتين القادمتين توا من جدران مقابر وادى الملكات عند سفح جبل القرنة بالأقصر فى البر الغربى للنيل ، وتتهادى خلفها موجات من الخيوط النحيلة المغزولة من شعور الخيول المنسدلة بنعومة على أعناقها كذبذبات أوتار الكمان المتراقصة ، ونرى رأس “الولد” بطل الحدوتة بلون وجهه البرونزى الساخن ، تتوسطه عين حورس المستطيلة الحوراء(بتضاد بياضها الناصع مع سواد حبة العين وخطوط الحاجب والأهداب) ، وأحاط الفنان رأس الفتى وكلله بأعواد القمح وأوراق الزيتون ، ومن خلفه يمتطى الفارس جواده الابيض،، فيما تحلق فوقه حورية قادمة ربما من الجنة ، كل ذلك يتتابع مثل كورالية اوبرالية ذات رنين اسطورى.
وقد نرى فى لوحة أخرى عروس النيل بذيلها الطويل ، وقد صعدت الى شاطئ النهر منسابة الشعور محاطة بالزهور والأغصان الملونة ، وهى تمثل غواية للعابرين (بمعنى النداهة) لاستدراجهم الى النهر بلا عودة ، أو نرى الشاطر خسن فوق حصانه الأبيض يسبقه عصفوره الأخضر ، وفى استقبالهم وجه الحبيبة الأسمر ، فيتلاقى الحبيبان وتتواصل العيون فى أغنية حب دافئة.
ان هذا الحس الرومانسى للوحات فى قالب سردى هو ما يستدرج الناقد الى هذا الأسلوب الوصفى لعناصر الحدوتة ، وليس بمقدورنا الإشارة الى هذه العناصر بدون وضعها فى سياقها الحكائى الذى بنى عليه الفنان عالمه ، ان من شأن ذلك ان يأتى خصما من القوة البنائية للوحة ، وقد حاول الفنان فى هذه التجربة أن يقلل قدر الإمكان من سيطرة السرد ، بألا يرص عناصره المشار إليها متجاورة بشكل تراكمى ، بل وظفها توظيفا موسيقيا ودراميا ، بتصاعد هارمونى عبر طبقات صوتية تتداخل وتتقاطع ، انطلاقا من “ميلودى” أو لحن أساسى يقود بقية الألحان الفرعية ، التى تتماوج وتتقابل وتتصارع أحيانا ، عن طريق لحنين رئيسيين بما يعرف ب”الكونتربوينت” .
ومع ذلك فإن الكثير من الأعمال لا يزال يعانى من بعض الزحام فوق احتمال البناء ، وهو أمر يفرضه أسلوب الحدوتة ، ولأن اللوحة فى الأساس ليست حدوتة ، بل بناء بصرى وعضوى ، فإن الأمر يتطلب من الفنان جرأة لاختزال كثير من العناصر والتفاصيل ، ليعطى اللوحة هواءا للتنفس ، وليجعل للأشكال البنائية أدوار البطولة لا للرموز الحكائية.
وقد ضم المعرض مجموعة كبيرة من اعمال النحت المباشر فى الحديد ، تمثل تشكيلاتها العناصر الملهمة للفنان فى تجديد لوحاته الأخيرة ، حيث انتقلت إليها هذه العناصر النحتية كأيقونات محورية تحتل الصدارة وموقع البطولة ، فأصبحت بمثابة أعمدة ارتكاز ، أو”ميلودى” يقود بقية عناصر اللوحة .

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »