مصطفى مهدى..هل برحيله غربت السريالية؟

فيس بوك 29 ديسمبر 2021

فنان آخر تصدمنا الانباء الأليمة برحيله اليوم بعد ساعات من رحيل الفنان عفت حسنى ، لكنه من تيار فنى مختلف تماما بل على النقيض من عفت ؛ هو تيار السريالية.
إلا أن التجربة السريالية المتأججة له قد انطفا وهجها فجأة وهو فى ذروة شبابه وعطائه فى الثمانينيات ،بل ليس وهج السريالية وحدها ، بل وهج الإبداع الفنى نفسه ، هكذا فجاة وبدون مقدمات تتعلق بالفن ، خرج – باختياره – من دائرة الفنانين المصريين والعرب ، حيث كانت دائرة المتابعين لتجربته قد تجاوزت مصر الى أقطار عربية أخرى بحكم عمله الوظيفى كأستاذ للفن بها ، أذكر منها الكويت ، وغابت عن الأوساط الفنية أية معلومات واضحة عن أسباب وظروف هذا التحول ، وعزاها البعض إلى تفاجُئِه بقرار فصله من منصبه كأستاذ بكلية التربية الفنية لطول سنوات اغترابه خارج مصر بالعمل بدول عربية دون اتخاذ التدابير القانونية لحفظ الوظيفة وعلى رأسها التجديد للأجازة للعمل بالخارج ، وعزاها البعض الآخر لانخراطه فى أعمال تجارية جعلت منه رجل أعمال وربما مليونيرا يعمل فى مجالات تجارة السيارات والجرارات والأجهزة الميكانيكية ، وحتى هاتين المعلومتين لا أملك تأكيدهما او نفيهما ، بسبب غيابه المطلق عن الساحة ، وانسحابه من علاقات التواصل مع زملاء الدراسة والتدريس بكلية التربية الفنية او أصدقائه من الوسط الفنى والأكاديمى ، وكأنما أراد هو أن يحيط نفسه بهالة من الغموض السريالى كلوحاته.
الغريب فى الامر ان الحركة التشكيلية ، بشقيها الرسمى والأهلى، لم تقف لتسال عنه او لتتابع مسيرته ، واعتبرت الأمر يخصه وحده ، واستمر الرفاق فى مسيرتهم اللاهثة على مضمار السباق ، و كل منهم يخلق لنفسه منصة انطلاقه ونجاحه ويوسع بها مساحة انتشاره ، استجابة وتفعيلا لقانون لعبة الكراسى الموسيقية.!!
والسمة الأساسية لما يرسب فى الذاكرة من لوحاته السريالية هى طابع الصراع الملحمى الضارى بين قوى متصارعة وكانها الصراع للصراع بغير هدف او قضية إلا العبث الوجودى ، وكان متأثرا فى بداياته بالمرحلة المبكرة لأستاذه بالكلية الفنان المبدع لاتجاه خاص به وحده عبد الرحمن النشار قبل أن يهجر هذا الاتجاه الى أسلوبه التجريدى التعبيرى فى اوائل الثمانينيات ليمزج فيه بين العضوى والهندسى ، وبين المسطح والمجسم على سطح اللوحة بعقلية رياضية تأملية، اما مصطفى فكان ذا مزاج نارى وعاصف ، بطبقة صوت بصرى مدوية تشتبك بحدة مع كل المسلمات..وتبقى فى ذاكرتى لوحة واحدة كبيرة معلقة الآن بإحدى قاعات المجلس الأعلى للثقافة وهى معارة اليه من متحف الفن المصرى الحديث، تحمل خصائص هذا الصراع العبثى والوجودى.
وعندما أتلفٌَت حولى لتأمل مسارات الحركة التشكيلية المعاصرة فى مصر ألاحظ بوجه عام شحوب الاتجاه السريالى فيها ، بعد أن كان فى الأربعينيات يمثل قوة الدفع الجبارة نحو الحداثة والتقدم ، على أيدى فرسان جماعة الفن والحرية :رمسيس يونان وكامل التلمسانى وفؤاد كامل ، قبل ان تلحق بهم موجة حداثية أخرى فى النصف الثانى من الأربعينيات عبر جماعة الفن المعاصر بفرسانها عبد الهادى الجزار وسمير رافع وحامد ندا وماهر رائف وآخرين ، استلهموا من السريالية ابعادا ميتافيزيقية، لكنهم غزلوها بخيوط مصرية صميمة ، فكانت غوصا فى الموروث الشعبى والخرافة وبؤس الواقع من أجل النهوض به وتثويره ..واليوم ؛ هل نقول أن السريالية قد غربت من حياتنا الفنية بأبعادها الثورية أو العبثية ، مع رحيل اغلب رموزها وآخرهم مصطفى مهدى؟!
ولا أزعم صحة كل المعلومات الواردة فى هذا المقال عن الحياة الشخصية لمصطفى مهدى ، لانقطاع اى صلة لى بصاحبها ، او لعدم معرفتى لمصادر عن أخباره منذ أربعين عاما ، واكتب الآن من مخزون ذاكرتى العليلة قبل هذه السنين ، لذلك أرجو أن يصحح لى من يعرف حقيقة مشواره فى الفن والحياة من زملائه وأصدقائه ما قد يمثل أخطاء ارتكبتُها أنا فى تاريخ الرجل ، ولنَتٌَجه بنية صادقة معا تجاه إحياء ذكرى زميل موهوب خرج عن مضمار السباق مبكرا جدا لأسباب أغلبها مجهول ، فلنجعل المجهول معلوما ، بالعمل على توثيق حياته وأعماله وجمع تراثه بما يستحق من أضواء وتحليل نقدى.
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »