مقال جريدة المصرى اليوم عن كتاب “المثقفون والعسل المر”

محاولة للبحث عن دور الثقافة المفقود

فى كتابه الصادر أخيرا عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر ، رد الفنان التشكيلى والأديب البارز عزالدين نجيب (٨١عاما)على السؤال الأهم : “أين دور الثقافة فى مشروع النهوض والتقدم الذى تسلكه أو تنشده مصر؟” ، معنونا إياه “المثقفون والعسل المر..أوراق من سجلات المثقف والسلطة”.

كتاب عزالدين نجيب ضم عددا كبيرا ومختارا من مقالاته التى كتبها على مدىنحو خمسة عقود ، وينشر بعضها لأول مرة ، ورغم نزعته السياسية الأشبه بالمذكرات ، لكنه – باسلوب أدبى – يسرد أثر العلاقة الجدلية القديمة/الجديدة بين السلطة والمثقف ، وكذلك بين الثقافة والجماهير ، وأثر التحولات الناجمة عن تلك المتغيرات منذ نصف قرن مضى ، على قيم هؤلاء الجماهير وأخلاقهم ، بل أذواقهم ، ما جعل غياب التثقيف الجماهيرى أو تهميشه – بحسب الكتاب – سببا فى اتساع مساحة التطرف الدينى والسلوك العشوائى، بل تعميق بؤر الإرهاب ، وغلبة “التسطيح القومى” للعقول والأفهام بدلا من تأسيس “مشروع قومى للنهوض والتقدم”.

فى الفصل الأول المعنون ب “قبل انكسار المشروع القومى للثقافة” وثٌَق عزالدين نجيب علاقة المثقفين بالسلطة منذ قرن ، واصفا إياها بالعلاقة المتوترة بالغة التعقيد. ذلك أن مصر عاشت طوال عدة عقود فى ظل قانون الطوارئ ، الذى يمنع التجمع لأكثر من خمسة أشخاص ، خشية تهديد أمن الدولة ، ما جعل السلطة -بحسب قوله – تستهدف المثقفين أكثر من غيرهم، لأنهم الأكثر وعيا والأكثر قدرة على التغلغل ، بوعيهم المحرض على التغيير والثورة بين الجماهير.

صاحب “المثقف والسلطة” عرٌَج على هذه العلاقة خلال فترة عبد الناصر ، مؤكدا أن الثقافة فى الفترة ما بين ثورة يوليو ١٩٥٢ وحتى وفاته ١٩٧٠ ، كانت كإحدى الصناعات الثقيلة للبناء والتنمية والتقدم ، تتواكب وتتكامل مع التصنيع والإصلاح الزراعى والصحة والإعلام والتعليم والإسكان والتعمير ، جنبا إلى جنب مع القضية الفلسطينية والوحدة العربية ،وقضايا التحرر الوطنى.

ووصل عزالدين من خلال تقليبه فى أوراق وسجلات المثقف والسلطة ، اإلى ثورة ٢٠١٣ التى كان المثقفون من أدباء وفنانين وأصحاب رأى من مختلف الأطياف ، عنصرا مباشرا فى التمهيد لها ، وخلع محمد مرسى رئيس الجمهورية وقتئذ ، وإسقاط نظام الإخوان المسلمين بعد عام من استيلائهم على الحكم وإجهاضهم لثورة ٢٥ يناير ، لكنه انتقد وزراء الثقافة المتعاقبين منذ وضع دستور ٢٠١٤، الذى رغم كونه تبنى حق المواطن فى الثقافة ، واعتبرها من المقومات الاساسية للمجتمع ، وألزم الدولة بتقديمها الى المواطنين ، لكن أيا من هؤلاء الوزراء لم يُقِم عمله حتى الآن بناء على مشروع متكامل يحقق ما جاء فى الدستور، وانه مازال العمل الثقافى الرسمى حتى الآن يسير عبر نفس القنوات، وربما نفس الأشخاص فى بعض المواقع!

وفى مقارنة خاطفة قارن نجيب بين الوزيرين ثروت عكاشة وفاروق حسنى ، متسائلا ما الذى جعل ضابطا بسلاح الفرسان، لم يسبق له العمل فى أى مجال ثقافى، قادرا على تأسيس أول وزارة للثقافة فى مصر ، بنجاح يفوق ما قدمه كل وزراء الثقافة من بعده طوال ٦٠ عاما، رغم ان مجموع الفترة التى قضاها فى منصبه لا تزيد عن ٦ ستوات ، وما الذى أضافه فنان تشكيلى عمل طوال حياته الوظيفية بوظائف قيادية فى مجال الثقافة بمصر وأوروبا ، حين عين وزيرا للثقافةعام ٨٨ لمدة ٢٣ عاما متصلة ، مميزا بفارق الخبرة وتدليل النظام السياسى له !

فى بقية فصول الكتاب يرصد عزالدين الجوانب المختلفة لمشروع النهضة الثقافية المنشود ، وما الذى يعرقل.انطلاقه ونضال عدد كبير من المثقفين من أجله. والثمن الذى دفعوه فى سبيل ذلك ، سواء فى السجن او جهاز أمن الدولة السابق ، كما عرٌَج على بعض قضايا الفساد التى وصلت إلى المتاحف الفنية ، طارحاأسئلة فى مواجهة ما وصفه ب “الرقص مع الفساد” ، وما وصفه أيضا ب “ضباب الرؤية فى اتحاد الكتاب” ، وأزمات “الفنان المسيٌَس” ، و “التبعية لفنون الغرب” على حد تعبيره.

الفصل الأخير الذى عنونه ب “حوار بين السياسة والثقافة” خصصه عزالدين نجيب بالكامل لنشر حوار أجرته الزميلة سوزى شكرى تحدث فيه عن اعتقاله ثلاث مرات خلال السبعينيات والتسعينيات من القرن الفائت ، وفيه يذكر تفاصيل جديدة عن ملابسات القبض عليه من قبل جهاز أمن الدولة السابق ، لنتبين بعد قراءة الكتاب “أنه واحد من الذين استمروا قابضين على الجمر للارتقاء بوعى الشعب وثقافته”، بحسب نص الإهداء الذى كتبه فى صدر كتابه وأهداه إلى الشهداء وضحايا الرأى ، وإلى روح ثروت عكاشة مؤسس أول مشروع قومى للنهضة الثقافية فى مصر.

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »