من يحفظ حق الفنان فى “ساحة الشعب”؟

فيس بوك 30 يوليو 2022

فى أوساط الفنانين “النحاتين” يدور حاليا حديث غاضب ومحبَط ، حول مشروع قومى كُلف به عدد منهم بالعاصمة الإدارية الجديدة ، وهو “ساحة الشعب” المخصصة لإقامة الفعاليات الوطنيةوالاحتفلات القومية فى مختلف المناسبات ، ودورهم فى ذلك هو إقامة حوالى ٤٦ تمثالا تعبر عن طوائف الشعب ورموزه وفئاته المختلفة ، بدءا من حراس الوطن حتى ذوى الهمم ، على امتداد مساحة ١٠٠٠متر بعرض ٢٠٠متر ، يحدها النصب التذكارى من ناحية والمجمع الإسلامى من الناحية المقابلة…هكذا يبدو انه مشروع طموح وجليل، يعطى فرصة ذهبية للفنانين لتعميق الانتماء والتفاعل والتواصل الدائم مع شتى فئات المجتمع عبر حياتهم اليومية واحتفالاتهم الوطنية واعتزازهم برموز الوطن وفئاته ، وهو يقام تحت إشراف الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بنظام التكليف المباشر لمجموعة من النحاتين بخطابات رسمية أرسلت إليهم منذ ٧ أشهر ، وقد أنجزوا بالفعل المرحلة الأولى من أعمالهم وتقدموا بنماذج نحتية مصغرة عما كلفوا به ، وحصلوا على الموافقةعليها تمهيدا للتنفيذ النهائى.
* فما سر الغضب والشكوى إذن؟
لقد قيل لهم فجأة انه سيعاد النظر فى أسماء الفنانين المكلفين ، بناء على تولى كلية الفنون التطبيقية الإشراف الفنى على المشروع ، فانتهى الأمر باستبعاد كل النحاتين من غير التطبيقيين ، حتى ولو كان بين المستبعدين رئيس قسم النحت بكلية الفنون الجميلة وبعض أساتذته لمجرد كونهم من غير التطبيقيين ، و بعض المستبعدين من النحاتين المعروفين من خارج الكليتين ، والمثير للدهشة أكثر ، أن بعض من كلفوا بأن يحلوا محل غير التطبيقيين هم من خريجى أقسام بعيدة عن تخصص النحت بكلية الفنون التطبيقية ، مثل قسم الزخرفة والإعلان،وأن إحدى المكلفين الجدد عضوة بمجلس النواب ، يعنى أنها انقطعت علاقتها بفن النحت منذ تخرجها للتفرغ للعمل السياسى.!!
هكذا وجد الفنانون انفسهم فجأة أمام ظاهرة تمييز عنصرى بامتياز ، تفرق بين ابناء المهنة الواحدة ، وتبث الفرقة وتبذر الفتنة بينهم ، وتمكن جهة بعينها من قيادة زمام مشروع قومى لا يخص الحاضر وحده بل يمتد الى المستقبل لعشرات السنين القادمة ، ليلبى مطالب أجيالها الجديدة ، فهذه المساحة الشاسعة ستصبح ساحة للحرية والأنوار ، تنطلق منها المهرجانات الوطنية والفعاليات الفنية والسياسية وغيرها ، لان ساحة من هذا النوع تُبنَى مرة واحدة لتبقى لعقود ممتدة حتى تصبح تاريخية ، وكذلك التماثيل البرونزية التى تتكلف الملايين ،لن يتم تغييرها بسهولة ، وفى حال ثبات ضعف مستواها ، سيبقى تغييرها رهنا بالظروف وبإرادة القائمين على “ساحة الشعب”فى المستقبل .
ومع احترامى لكل الزملاء من فنانى كلية الفنون التطبيقية – من عميدها حتى أصغر خريجيها – فإن هذا التغيير الجذرى فى مسار المشروع يفجر حزمة من الأسئلة :
* من هى الجهة المنوط بها رسم سياسة للمشروعات الفنية الكبرى فى البلاد ، من التجميل المعمارى والنحت الميدانى الى إعداد المتاحف واقتراح الساحات الفنية بالعاصمة الإدارية والمدن الجديدة ، بدءا من عرض المقترحات حتى وضع المعايير والنظم والمواصفات ، وصولا إلى متابعة التنفيذ؟
* من الذى فرض نظام التكليف المباشر للفنانين للقيام بهذه الأعمال وهو ليس النظام المثالى لهذا المجال؟
* ومع كل التقدير والاحترام “للهيئة الهندسية”، فهل هى جهة اختصاص فنية تؤهلها للتقدير والاختيار والحكم على شؤون وأعمال تشكيلية متخصصة ؟
* هل يجوز لأى جهة أبرمت اتفاقا مع الفنانين ان تنكص عن تكليفها لهم بمهام محددة بعد ٧ شهور من هذا التكليف قاموا خلالها بإنفاق الوقت والجهد والمال بغير حساب، وبعد إقرار ما أنجزوه خلال ذلك وحصلوا على الضوء الأخضر للاستمرار فى تنفيذ تكليفاتهم؟..فإذا لم يكن ذلك أسلوبا عشوائيا فبماذا نسميه؟
* وهل يجوز إسناد المهمة الى جهة تبدو مثل مقاول الباطن ، ويسمح لها بان تأتى بأبنائها وحدهم ، حتى ولو كانوا ذوى خبرات ، فما بالنا لو كانوا بعيدين عن التخصص المطلوب؟..اليس ذلك طعنا فى الصميم لمبادئ الديمقراطية وتكافؤ الفرص؟..وألا يؤدى ذلك الى زرع الفتن والأحقاد ، ويصادر حق الشعب فى تذوق مختلف الرؤى ، وفى الاستمتاع بمختلف الاتجاهات الجمالية؟
* لماذا لا تأخذ الدولة فى تنفيذ المشروعات القومية عامة والفنية خاصة بنظام المسابقات المفتوحة؟..ألا يضمن ذلك تحقيق المنافسة الإبداعية والعدالة والشفافية وتكافؤ الفرص وتنوع خيارات الابداع وتوسيع خيارات الانتقاء للأجمل والأكفأ والأكثر تناسبا مع الهدف من كل مشروع؟
* ألم نتعظ بما حدث نتيجة التكليف المباشر وما أدى إليه من آثار كارثية فى ملف جداريات مترو الأنفاق وبعض محطات السكك الحديدية؟..إن سمعة مصر بكل تاريخها الحضارى باتت عالميا على المحك، إثر اكتشاف سرقة تصميم أجنبى فى إحدى المحطات ، كما ابتليت الدولة بضياع مئات الملايين من الجنيهات التى استولت عليها نصابة وحرامية ودون المستوى الفنى اللائق؟..فمتى نتعلم من دروس الفشل ولا نكررها بحذافيرها ، وكأننا بلد بلا ذاكرة!!!
* وبعد…..
لماذا يحرمون الشعب من جرعة جمال نقية من الفساد ؟..ولماذا يحرمون الفنانين الحقيقيين من فرص عادلة لأداء رسالتهم نحو وطنهم ، رغم توفيرالميزانيات الهائلة لذلك؟
اقول هذا وانا أعلم أن ذلك النظام “السرى” القائم على التكليف كان هو المعمول به فى إقامة أغلب المشروعات الفنية بالعاصمة الإدارية الجديدة ، فلنجعل حدث الساعة الذى سلطتُ الضوء عليه اليوم فرصةلتدارك الامر قبل استفحاله ، ولنَقُم بدعوة النقاد وأهل الخبرة والاختصاص لوضع الأسس والمعايير قبل البدء فى أى مشروع ، ولنعمل على أن يشارك أكبر عدد من الفنانين فى منافسة شريفة لإقامة أعمال فى كل المدن الجديدة والقديمة أيضا ، بكل شفافية وفى وضح النهار ، لإشاعة روح المشاركة وجو الاحتفاء من المواطنين بالفنانين أثناء تنفيذهم المشروعات القائمين على تنفيذها ، حتى إذا جاء يوم افتتاحها تجمعوا حولها فرحين بها، لانهم عاصروا ولادتها فانتمت إليهم وانتموا إليها ، فهذا هو الطريق لجعل الناس شركاء لا متلقين سلبيين لما يقدم إليهم ، مما يزيد من اعتزازهم بها وحرصهم عليها.
وهنا أعلن أننى أربأ بالهيئة الهندسية – المشهود لها بالنزاهة والجدية والانضباط عند إقامة المشروعات الوطنية الكبرى – أن تجعل العشوائية منهج عملها فيما يتعلق بالأعمال الفنية على وجه الخصوص ، كما أؤكد ثقتى فى أن رئاسة الجمهورية ، فى حال علمها بما يحدث ، لن تدعه يمر ، كونه ضد العدالة وتكافؤ الفرص.
وأخيرا ؛ هل نحن ذاهبون الى المستقبل المنشود بمثل تلك الأساليب العتيقة ، بعد ان أصبح يحدونا الأمل فى أن تتجاوزها الجمهورية الجديدة؟..أرجوكم لا تجعلونا نخسر الرهان علي هذه الجمهورية قبل أن تبدأ.. !
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »