مهرى خليل..تأمل فى تمصير التكعيبية!

18 مارس 2019

 

عندما ابتكر بيكاسو وبراك الأسلوب التكعيبى عند مطلع القرن العشرين ، لم يكن العلم قد اتجه بعد نحو استكشاف عالم الكائنات التى تسكن كواكب أخرى بعيدة عن الأرض ، فاعتمدت أعمالهما -ومن تبعهما فى الاتجاه التكعيبى – على الخيال ، لخلق أجسام ذات أبعاد وسطوح هندسية متقاطعة ومتداخلة تعكس مفهوما مختلفا للانسان فى عصر جديد يتجه للعلم وتتحرر قيم الجمال فيه من ثوابت فلسفة أرسطو ونظريات علم الجمال السائدة آنذاك ،بالتوازى مع الاكتشافات العلمية الحديثة ، ويبتعد فيه الفنان المتمرد على التقاليد ، عن محاكاة الطبيعة ومثالياتها ، باحثا عن جماليات جديدة للشكل خارجة عن المألوف ، وباحثا كذلك عن جمال مجرد من الافكار والمعانى.
لكن هل يمكن اليوم استساغة نفس ذلك الأسلوب التكعيبى فى عصر الخوارق العلمية ، حيث باتت الأشكال التكعيبية،واقعا نراه فى اختراعات الانسان الآلى والتطور التكنولوجى فى عصر(الديجيتال) ، متجهة الى وسائط جديدة للفن البصرى عبر الصورة الرقمية،وأدواتها التكنولوجية ، بعيدا عن لوحة الحامل والجدار وعن تمثال الصالون والحديقة والميدان ؟
اليوم لم يعد التكعيب تمردا على القديم ، بل صار هو نفسه قديما بعد أن جد ، جديد يتمرد عليه ؛ فما معنى محاكاة بيكاسو وأتباعه اليوم فى مصر ونحن لا نزال حتى خارج عصر الحداثة والتكنولوجيا الرقمية ، ثم نجد أيضا من يقفز مباشرة الى محاكاة فنون ما بعد الحداثة ؟!
الفنانة الشابة مهرى خليل تحاول أن تجيب -من ، خلال معرضها المقام بمركز الجزيرة للفنون – بأن حركات الفن لا تتحول بتحولات العلم والتكنولوجيا ، ولا تموت كما تموت موضات الأزياء ، بل تعيش وتتناسل وتتحور وتكتسب أساليب جديدة فى كل بيئة أو مكان به فنانون يملكون مواهب إبداعية ، وهى تسعى لأن تفعل ذلك عبر اتخاذها ، من المدرسة التكعيبية منهجا تبحث من خلاله عن ذاتها الخاصة ، فالتكعيبية ليست إلا إطارا يحتوى مكنونها الخاص وهى تتطلع الى ان يكتسب ملامح الروح المصرية.
وأقر بأنها تملك مهارات تقنية درست أسسها طوال سنوات بأكاديميات أوروبية ،وأنها تقوم فى بعض لوحاتها بتحليل أشخاص وعناصر مصرية بأسلوب أقرب-خاصة-الى اسلوب فرنان ليجيه التكعيبى الفرنسى المعروف باسطوانياته وأشكاله الهندسية والميكانيكية المتداخلة ، وهى تستوحى فى بعض أعمالها أشكالا لطيور ونباتات مصرية ذات دلالات حضارية ، الى جانب أهلٌة وادوات موسيقية تقوم بتسطيحها وتشريحها وإعادة بنائها بمنهج تكعيبى ، وبالوان مختزلة حتى تكاد تقتصر على لونين أو ثلاثة ، تأكيدا لجو البيئة المصرية المتقشف ، ولرسوخ الكتل وصلابتها تحت تأثير الشمس القوية ، وكما تبدو فى العمارة والتماثيل الفرعونية.
ولا شك فى صدق توجهها وفى امتلاكها الموهبة التى تؤهلها لمثل هذا البحث ، ولكن تظل المسافة بعيدة جدا بين التكعيبية التى تحولت فى الغرب الى شكل بنائى أجوف يقتصر مضمونه على شكله المجرد فقط ، وبين الذائقة المصرية التى لا تستسيغ الشكل المجرد ، ذلك لأنها ذائقة عينية تتفاعل مع الحسى والمجرد كحامل لقيم معنوية مطلقة ، خاصة وأن الأسلوب التكعيبى لم ينتقل حتى الآن فى لوحات مهرى خليل من مجرد شكل اوروبى المنشأ والمسار ، الى روح وبناء مصرى خالص ، لكن دعونا نراهن على موهبتها فى المستقبل لتحقيق نموذجها المصرى المأمول من وراء بحثها الرصين.
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »