د سامى البلشى
مجلة الإذاعة والتليفزيون
26 مارس 2018
أخيرا طالعتنا شخوص المكان الذى صوره لنا .. الوجوه التى كانت تحاورنا من خلف الأبواب والنوافذ والجدران.. التى شعرنا بها من رائحة المكان ومن الألوان والضوء..المبانى التى شكلها الطوب اللبن والطين وكان طلاؤها بالجير والأكاسيد.. خرجت الناس البسيطة تمارس حياتها فى لوحاته التى يعرضها الآن عز الدين نجيب بقاعة الباب بساحة الأوبرا.
حدثنى الأديب الراحل محمد جاد عاشق إخناتون وانا شاب صغير عن معرفته بالفنان عزالدين نجيب والذى وصفه بأنه فنان تقدمى يحب الوطن ويعشقه، وأنه بجانب فنه، فهو ناقد فنى ويكتب القصة. كنت شغوف جدا التعرف على شخص هذا الفنان، وإلتقينا فى أكثر من مناسبة فنية بعد ذلك بمجرد دخولى الجامعة. عرفته إنسانا خلوقا محب للجميع، عاشق للتراث ومهتم بحماية وإحياء الحرف التراثية.
فى معرض الفنان المقام بقاعة الباب، والذى أسماه ” العيش والحلم” تناول حياة البسطاء بكل مافيها. لجأ الى أصل الحياة يحدد ملامح المرأة المصرية وهى تواجه الحياة الصعبة مشاركة للرجل بعملها الخاص فى البيت والحقل. الناس فى عيون عزالدين يمثلون الواقع الذى كان يتناوله كبديل يعبر عنهم، حين كان يتناول البيوت فى الريف وحدود القرى المطلة على الصحراء، وحتى البيوت البسيطة فى الصحراء، وادوات العيش التى كانوا يستخدمونها. فى هذا المعرض جمع الأثنين معا ليعلى من الحركة، ويفتح آفاق جديدة لرؤية بصرية ترى الحياة بكل مافيها بعين فنان قام بالتبسيط والبعد عن المبالغة التشكيلية واللونية من خلال خطوطه البسيطة فى تحديد مفرداته، والتلوين الذى يلفه الذهد والتقشف المرتبط بروح هذه المفردات. إنه فنان يبحث فى إبراز الكامن من الحركات الإيقاعيةليقيم عالمه المرتبط بروح التكوين والرمزية، والبحث فى المعانى التركيبية لشكل الصورة النهائى، فتراه مهتما ببناء الفكرة التركيبية من خلال رؤية عقله وروحه تحليلية واعية بالتفاصيل والعلاقات. فهذه بائعة الفخار تجلس بين الأوانى والقلل بتفاصيلها البسيطة لا يميزها عنهم الا لون ثوبها الأزرق والذى شكل تفاصيله الظل والنور الذى أكده الفنان. لتبدو وكأنها تشكيل غير منفصل عما حولها الا من الروح التى تنبض بها، ومن وضع جلوسها الذى يعبر عن حالتها. وكذلك فى اللوحة الحوارية بين السيدتين اللتان تحمل كل منهما “مقطف” على رأسها -سلة مجدولٌة من خُوص النخل- وفى هذه اللوحة تشعر بحوار جماعى بين كل المفردات وحتى الخطوط والألوان فالأقواس اللونية التى تشكل غطاء الرأس تشبه عقود المبانى القديمة تقابلها الأقواس العكسية لغطاء الصدر، وتصعد بنظرك أعلى اللوحة للأقواس التى تشكل “المقطفان” كل هذا بخلاف الثابت فى حوار الوجوه والنظرات المعبرة فى حوار يعلى من الترابط بين الشخصيتين والتقابل القائم فى غطاء رأسيهما والعلاقة التى تشعر بأن فيها روح بين “المقطفين”. لننتقل الى لوحة السيدة التى تحمل وعاء اللبن وتقف أمام منزلها البدوى، وفيها تحققت الرؤيتان الذهنية والرحية، وذلك لما يحتويه المشهد من عناصر رمزية وإيحائية مثل شكل المبنى من اعلى بزخارفه المثلثية والتمساح الصغير المثبت على باب المنزل، ووضع السيدة الجانبى المستلهم من الرسوم الحائطية الفرعونية. الأمر الذى يؤكد أن الفنان لا يستند الى الصورة الذهنية التى تعتمد على تمثيل حالة معينة وفقا لما يعرفها عنها، وكما تمليه الرؤية البصرية المباشرة . إن الفنان فى هذه اللوحة وغيرها من لوحات المعرض يعتمد على الصور والرموز والثقافات المترسخة فى خزينه الذهنى مع مايراه ببصره، لتكون النتيجة النهائية صياغة تشكيلية ذهنية روحية تداخل فيها الإتجاهات الفنية ليقوم بتشكيل عالم خاص به لايرتبط بأنظمة الصور التقليدية.
قدم الفنان والناقد الكبير عز الدين نجيب 31 معرضا خاصا منذ عام 1964 حتى الآن وعشرات المعارض الجماعية والمعرض الخارجية في مختلف دول العالم، وله إصدارات أدبية لمجوعة قصصية، كما أصدر كتاب بعنوان فجر التصوير المصرى الحديث عام 2000 ، و كتاب أنشودة الحجر إصدار الهيئة العامة لقصور الثقافة 1999، و أصدر موسوعة الفنون التشكيلية من ثلاث أجزاء عام 2008، و حصل على الجائزة الأولى فى النقد الفنى من المجلس الأعلى للثقافة عام 1982، و حصل على جائزة الدولة التقديرية فى الفنون من المجلس الأعلى للثقافة عام 2014، وتم تدشين كتاب مهم عن اعماله وحياته بجاليرى ضى منذ أسابيع قليلة.
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »