الشعوب لاتتقدم بدون ذاكرة قومية , تحيي تاريخها و رموزها و إنجازاتها وانتصاراتها , ليس في الحروب فحسب , بل كذلك في مواجهة الطبيعة و الخطوب , وفي استيعاب رياح التطور والدفع بشراعها تجاه مصب النهر وما وراء البحر .
كذلك الفن ؛ فإن التقدم الذي تشهده اليوم ساحتنا الفنية لم يكن ليتحقق إلا بما سبقه من تاريخ فني عظيم , بدأ مع فجر الحضارة المصرية القديمة , وامتد عبر حضاراتنا المتعاقبة .. من هيللينية و قبطية و إسلامية سادت و عمَّرت و أبدعت في العمارة وفنون النسيج والخزف والأخشاب والمعادن ورسوم الكتب وفنون الزخرفة.. وغيرها , ثم تفاعل هذا كله مع الشخصية المبدعة للشعب المصري البسيط , فتجلت فنونه الحرفية والتشكيلية موصولة بالخيال و الفطرة النقية .
هل كان يمكن لفننا في العصر الحديث- منذ أوائل القرن الماضي- أن يبلغ من نهضة وتقدم لو لم يمتلك فنانوه تلك الذاكرة التي تسجل ملامح إبداع هذا الوطن بعصوره المختلفة التي ذكرتها ؟ .. إن محمود مختار ( فاتحة كتاب النحت والنهضة الفنية الحديثة) خير مثال على ذلك , بتمثُّله العميق لحضارة أجداده وفنهم العبقري , وتواكب معه أغلب فناني الرعيل الأول وعلى رأسهم محمـد ناجي وراغب عياد , وإن تكن بوصلة الآخرين لم تتوجه إلى الفن المصري القديم – كما توجه مختار و ناجي و عياد , لأن توجههم إنجذب أكثر نحو الطبيعة ومنظومة الحياة الشعبية بكل ما تختزنه من مؤثرات حضارية وقيم روحية وممارسات يومية , ومن رصيد أسطوري وفنتازي , ابتداءً من محمود سعيد و يوسف كامل حتى الأجيال التالية بين الثلاثينيات و الستينيات من القرن الفائت .
غير أنه ليس كل من توجه صوب مخزون تلك الذاكرة واستوحاها قد حقق إبداعا ذا قيمة مضافة إلى فننا القديم والحديث ؛ قتحقيق ذلك رهن بأمرين : الأول هو تمثُل الفنان لجوهر ذلك المخزون الحضاري والشعبي وليس الوقوف عند مظهره فحسب , بمعنى ضرورة هضمه واستيعاب جوهره في سياق العصر الذي ظهر فيه , والثاني هو تمثُله للقيم الفنية للعصر الحديث , وإيجاد الصيغة المناسبة لصهرها مع مخزونه الموصول – حتى اليوم – بالهوية و الذائقة المصرية , ليخرج في النهاية بجوهر إبداعي خاص ومتفرد يضرب بجذوره في التربة المصرية .
هذا المعرض الذي يقيمه أتيله العرب ( قاعة ضي ) تحت عنوان “راحلون و خالدون” هو خطوة أولى نحو تأسيس ذاكرة جديدة لفننا الحديث , باستعادة أعمال 16 فنانا من أجيال مختلفة, تحاول- برؤى متعددة – الإمساك بذلك الجوهر الإبداعي الذي أشرت إليه , على أن تتلوها خطوات , مرة كل عام على الأقل , تضم مجموعات أخرى من الفنانين , إذ لايمكن إختزال مئات الأسماء التي تركت بصماتها الإبداعية القوية الممتدة إلى عمق هويتنا في قائمة واحدة ..
وهو في الحقيقة مشروع دولة تملك الإمكانات والقاعات ووسائل الرصد والتوثيق و الطباعة , بما يفوق كثيرا إمكانات (ضي) الناشئة … فليكن معرضنا هذا حجرا يلقى في البحيرة الراكدة , ليثير الإهتمام بهذه القضية ويكون النموذج للإستمرار .
ونلاحظ في المعرض تنوعا في المجالات الإبداعية بين أعمال الراحلين , من تصوير ونحت و خزف ورسم , وكذا التنوع في الأجيال بين الخمسينيات و الثمانينيات , بما يجعلنا أمام لوحة بانورامية رامزة للحركة الفنية بمختاف أجيالها ومجالاتها و مدارسها و اتجاهاتها , بدون انحياز لنوعية أو لاتجاه , وبلا نظرة استعلائية على بعض الأساليب التي تحقق أغراضا عملية تحظى بانتشار و قبول لدى الجماهير العادية عبر أغلفة الكتب والصحافة .
. في طليعة هذه الأجيال تبرز الفنانة إنجي أفلاطون 1924-1989م , وقد ظهرت بواكير أعمالها في الأربعينيات , معلنة نزعتها المبكرة للتمرد و الثورة من خلال محاولاتها السريالية الأولى , ثم تتجه للإلتحام بالجماعة الشعبية ونبضها الجياش بنكهة واقعية تعبيرية في الخمسينيات , مرتبطة بتوجهها النضالي لتحقيق العدالة والحرية للشعب عبر تصوير المرأة الكادحة والعمال بناة الحياة , ثم اشتباكها الإبداعي بعناصر الطبيعة في الريف والصحراء والواحات , واستخدام عناصرها البصرية في اللوحة بمنهج حداثي يجمع بين الحس الشرقي (الفردوسي) وبين الحس التأثيري (المغربي) بلمسة حوشيَة و سطح متقطع اللمسات وضوء يتخلل ثغراتها كبصيص مرتعش .
. وهناك من نفس الجيل الفنان سيد عبد الرسول 1917-1995م, وأعماله المعروضة تقتصر على منحوتاته الخزفية , وهي تحمل بصمات إبداعية تنموا لتحرير الشكل من وظيفته العملية ( كقطع خزفية ) , ليكون عملا تعبيريا بحتا يتمتع بقيم النحت الحديث , دون أن يفقد جذوره التراثية الضاربة في الوجدان الجمعي برموزه وعاداته وتقاليده المتوارثة ؛ إن الدّيك والحمامة والقط والثور تتسم لديه بالحس الانساني الممتد في صميم الروح الشعبية والحضارية , ولم تكن حاملة الجرة أو عروسة المولد أو لابسة العباءة أو الفاؤس فوق الحصان الحلاوة مجرد تمثيل انثروبولوجي للمرأة و الرجل في الزمان و المكان , بل هي – فوق ذلك – امتداد إبداعي لفلاحة “مختار” و “فارس عياد”.. بحس شعبي و حداثي معا .
. وإلى نفس الجيل ينتمي الفنانان أمين ريان 1925-2014م و كمال الجويلي1921-2016م, وقد يبدو تقديم أعمالهما مفاجأة للمشاهدين في المعرض ؛ فالأول تم تصنيفه منذ الستينيات ككاتب روائي حفر لنفسه مسارا متميزا في الأدب بعيدا عن فنه الذي أعطاه النقاد و المؤرخون ظهورهم بإعتبار أن مجال الأدب يكفيه , فجعل من الرسم هواية في وقت الفراغ !.. والثاني ثم تصنيفه منذ نفس التاريخ كصحفي وناقد فني , اكتفى بتقديم أعمال الآخرين دون أن يواصل الإنتاج بعد مرحلته الدراسية , وقد جمعت بينهما التلمذة على يد الفنان الرائد أحمد صبري بالقسم الحر بكلية الفنون الجميلة في الأربعينيات , من السهل تقصِّي تأثيره على أسلوب كل منهما في التعامل مع الوجوه البشرية بلمسات انطباعية , مع رسوخ الكتلة الواقعية وتماسك التكوين , لكن “”ريان” تميّز برحابة أكبر في إختيار موضوعاته الشعبية المحتشدة بأبناء الطبقة الكادحة وخاصة المرأة , وبطلاقة تعبيرية جريئة عن طريق استخدام الضوء غير التقليدي والحركة الدائمة واختزال التفاصيل الواقعية غير الضرورية مع ازدحام تكويناته بالشخصيات المتعددة وموضوعات الحياة الشعبية التي عاشها واندمج فيها طوال حياته , مما كان يرشحه – حال استمراره في الإبداع – ليحتل مكانة مميزة في مسار الواقعية التعبيرية ؛ وليكون أكثر اسقلالا عن كل من أحمد صبري و المدرسة الانطباعية معا , فيما يظل الجويلي وفيّاً لتعاليم أستاذه الأكاديمي , مع تميزه برقة اللمسة و شفافية الألوان في وجوه أشخاصه .
. وفي نفس السياق الزمني نجد أعمال الفنان جمال قطب1930-2016منموذجا حيا لجسر التواصل بين الفن وذوق الجماهير العريضة التي لم تتعود على ارتياد المعارض و المتاحف , وذلك عبر لوحاته المطبوعة فوق أغلفة روايات عدد كبير من الأدباء منذ الستينيات , أمثال نجيب محفوظ وعبد الحميد جودة السحار وعلي أحمد باكثير ومحمـد عبد الحليم عبدالله وأمين يوسف غراب وثروت أباظة … إلخ .
وينبغي أن نضع في الاعتبار ثقافة الجمهور المستهدف ( حتى ولو كان من قراء الأدب) .. فهي بعيدة تماما عن تذوق الفن الحديث أو أي شئ يخالف الصورة النموذجية للجمال الطبيعي , التي يمثلها وجه وجسم امرأة حسناء خلال عقود الستينيات حتى الثمانينيات .. ولم يكن ذلك اختيارا من الناشر أو حتى الفنان بقدر ما كان استثمارا لمهاراته الخاصة في هذا اللون من الرسم الواقعي / الأكاديمي الأقرب إلى رسوم الصحافة الملونة , اقتداءاً بالنموذج الأمريكي في مثل هذا اللون من الصحافة آنذاك وهو يخاطب مستوىً معيناً من الجمهور , ولسنا الآن بصدد الحديث عن مدى استلهام جمال قطب لمخزون التراث الحضاري أو الشعبي , فالوسيط هنا – وكذا الجمهور المستهدف – قد يفرضان خيارهما الجمالي قبل أي شئ آخر.
. وإلى الستينيات أيضا ينتمي الفنان شاكر المعداوي1944-2011م.. أراه حالة متفردة ومتوحدة بين أبناء جيله وما تلاه ؛ فعلى المستوى الشخصي حرص طوال حياته على الإقامة شبه الدائمة في قريته بمحافظة كفر الشيخ , دون مبالاة بأضواء المدينة سواء في الأسكندرية أو القاهرة – مركزي النشاط والتحقق الفني والثقافي – بل حتى الإقامة بعاصمة المحافظة .
وربما كان في إقامته بالقرية كذلك أقرب إلى التوحد مع عالمه الفني الخاص ,ليس لطبيعة رومانسية فيه , أو للتفرغ لعرائس الأحلام وخيالات الأساطير , بل لطبيعة شخصية تنفر من الزحام والتعقيدات والمنازعات والمواءمات الاجتماعية , وما تقتضيه أحينا من تنازلات ومجاملات زائفة .
لكنه في أعماله الفنية احتشد بصخب الحياة وديناميتها الخلاقة وزحامها التلقائي بعد وضعه في منظومة مُتّسقة , مصطحبا معه صور الواقع الريفي الطازجة , إلى جانب أحلامه وطيوره ورموزه السحرية وتجليات الأسطورة والحدُّوته الشعبية , ليطل من خلال هذا كله على جماليات الفن القديم … ولعله من أكثر الفنانين المصريين قدرة على تطويع هذه العناصر و الجماليات الفرعونية لرسم لوحة عصرية بغير تصنع أو انتعال للأصالة , فقد اعتمد – شأنه شأن الفنان المصري القديم – على عنصر الخط المنساب وهو يسترسل باستقامة أو إنحناء وليونة ذات إيقاع نغمي رشيق , مشكِّلا البناء الكلي للوحة , دون إظهار للخط الخارجي بلون مباشر لتحديد العناصر , إنما تحددها المساحات اللونية الشفافة , وهو يفضل الرسم بالألوان المائية , ويعمل على انفصال المساحات اللونية عن بعضها البعض بفراغات بيضاء , تجعلها أقرب إلى لوحة الفسيفساء . ولعل هذا التكنيك من عوامل نجاح محاولات التجريد الشخصي في بعض لوحاته , حيث لا يترك فراغا على سطح اللوحة دون إشغاله بمساحة لونية تتحاور و تتشابك مع محيطها من المساحات وهي تتقاطع أو تتماهى معها .
وبالرغم من ميله للعزلة , فإن علاقته لم تنقطع مع الأطفال , فهم نبع البراءة و البساطة والإلهام , فليس غريبا أن يخصص جانبا كبيرا من إبداعه لرسم قصص الأطفال لحساب بعض دور النشر , وانعكس ذلك على أعماله الفنية الخاصة بمزيد من الإشراق و النور الداخلي المتولد من الفراغات البينية البيضاء حول المساحات و الأشكال , وبهذا حقق حلا إبداعيا للمعادلة الصعبة بين التراث والحداثة, فبدا أمامك – ببساطة- تراثيا و حداثيا , دون أن ينشغل فكرك بهذا أو بذاك .. هو- فقط- مصري صميم .
.وقد حاول الفنان خلف طايع1943-2014م -من جيل الستينيات – تحقيق إبداعه بصيغتين مختلفتين ؛ الأولى تحقق أغراض الصحافة التي عمل بها سنوات طويلة , برسم البورتريهات الخطية و الملونة , باحثا – عبر حس انطباعي – عن الملامح الواقعية للشخصية قبل أي اعتبار , والثانية تحقق طموحه الذاتي كفنان يريد أن يخلق أشكالا حداثية تلاحق أساليب العصر , فجاءت لوحاته الزيتية مزيجا من السريالية و الميتافيزيقية والتجريدية الهندسية , بجانب لوحات انتهج فيها الأسلوب الانطباعي في رسم المناظر من بيئات مختلفة .. ولعل رائده ومثله الأعلى في ذلك كان الفنان منير كنعان , لكن كنعان حسم خياره مبكرا في صالح اللوحة التجريدية البحتة , أما طايع فقد ظل يتأرجح على الحافة بين الأسلوبين دون أن يحسم خياراته , فاستمر حريصا على استخدام مهاراته المتباعدة لأغراض متباينة , ومع أنه كان يجيدهما سويا , فإن روحه ظلت عطشَى دون أن تبلغ نبعا مستقرا يروي ظمأها .
. فيما كان الفنان أحمد فؤاد سليم 1936-2009م أكثر اتساقا مع قناعاته الفكرية ,فجاءت لوحاته امتدادا لأفكاره الحداثية التي تقدِّس رواد الفن الغربي الحديث على امتداد القرن العشرين , فيما ينظر إلى ما يخالفها نظرة دونيَّة , هكذا مرَّ إنتاجه بالإتجاهات التعربيرية والتجريدية الهندسية والتجريدية الغنائية والبنائية والحوشية والتجميعية أيضا , وتخللتها تجربة هامة في السبعينيات , في سياق التجريدية النباتية حينا والتجريدية الحروفية حينا آخر , وكلاهما متصلتان على نحو ما بالفن الإسلامي , لكنه لم يستمر فيهما طويلا , وفي مراحله الأخيرة عرَّج نحو استلهام الفنون البدائية والأنثروبولوجية , باستخدام عناصر مجسمة تنتمي إلى هذه الثقافات ويقوم بإلصاقها على رؤوس لوحاته . وكان جديرا بموهبته أن تحقق الكثير من نماذج التراث المذابة في قوالب عصرية , لولا أن اقتناعه الفكري بقداسة القطب الثقافي الأوحد (وهو الغرب) كان أقوى سلطانا من سطوة ثقافة الجذور !
. أما عبد المنعم مطاوع1935-1982م الذي ينتمي بفنه إلى جيل الستينيات والسبعينيات, وعاش حياة مخضَّبة بعلامات القسوة والتدمير – فقد تفوقت موهبته الكاسحة على كل مظاهر الفقر والتشريد والفصام النفسي والإجحاف المجتمعي , فلم تستطع تلك العوامل حجب نوره الداخلي عن الإشعاع , أو محو انتمائه إلى جذوره الأصلية بين معالم الفن المصري القديم وملامح الواقع المعاش وطموح ذاته البريئة – كطفل- إلى الحب والسلام , فكانت رسومه الخطية وتكويناته الزيتية إعلانا بالتفوق على الظروف والضعف الإنساني , وكانت روحه الشاعرة تومض دائما بإشارات تنم عن انتصار الحلم وتحقيق المعجزات الروحية عبر أشكال واقعية / سحرية / غرائبية … إلا أن أغلب تراثه الفني قد تفرَّق بين القبائل , ولم يبق منه إلا القليل لدى بعض أصدقائه … والمدهش أن متحف الفن المصري الحديث ( الذي يضم قرابة عشرين ألف عمل فني ) لا يقتني أي عمل من أعماله , في الوقت الذي كانت معارضه تقام في الإسكندرية والقاهرة – أثناء حياته وبعد وفاته – في وجود مسؤولين كبار عن الفنون التشكيلية كانوا زملاءه في الدراسة !
. وها هو شهيد آخر للفن فقد حياته في حادث سير عبثي وهو يعمل في الكويت عام 1988م كي يكسب عيشه ويرعى أسرته إنه الفنان شوقي زغلول 1947-1988م , الذي اغتاله القدر في شرخ الشباب قبل أن يكمل جملته الإبداعية الملفتة للانتباه , ومع ذلك فإن ماتركه يكفي لرسم ملامح شخصية فنية متفردة تضج بالحس الإنساني و المشاعر النبيلة , فوق امتدادها إلى منابع عميقة في الروح المصرية وموروثها الفني , موصولة بوشائج قُربَى مع تعبيرية كل من راغب عياد والجزار وكمال خليفة , فضلا عن وشائج أخرى بعيدة تصله بالتعبيرية الأوروبية .. بلا ضفاف إقليمية .
. وشهيد ثالث يضم المعرض أعماله , وهو الفنان والناقد الكبير محمود بقشيش 1938-2001م ؛ لعله استثناء نادر اجتمعت لديه بنجاح تجليات الريشة والكلمة النقدية, فترك حصادا وفيرا من كليهما , ثم طويت صحائفه في زمن يعيش فيه الفن و الفنانون في بلدهم يوما بيوم ( من اليد إلى الفم كما يقال ! ) , بغير ذاكرة تُحيي تراث من رحلوا .. لم يشفع له ما أنار به الطريق أمام شباب الفنانين وكبارهم بتحليلاته النقدية الثاقبة عبر مقالاته وكتبه .. وبقدر إيمانه بضرورة وجود الجذور القومية في أعمال الفن المصري الحديث , كان شديد الإيمان بضرورة ارتباط الفنان بلغة العصر الحديث و بمفهوم التقدم , وهو نفس ما طبَّقه على أعماله الفنية , لكنه لم ينْسَقْ وراء مدارس الحداثة التشكيلية البحته في الغرب , بل سعى لتحقيق حداثته الخاصة عبر البحث عن جذور الهوية الروحية والرمزية الكامنة في الواقع , من جدران ونوافذ تشع بصيص النور المخاتل بين ظلمات كثيفة , وقد تكون ظلمات النفس أو ظلمات الواقع أو ظلمات الغيب المتربص بالإنسان ,ثم كان هو بشخصه ضحية لها حين سقط في الطريق وحيدا بسبب مجهول , فكانت النهاية العبثية لحياة خصبة بعطاء اللوحة و الكلمة .. ولا يزال مكانهما شاغرا في ساحتنا الفنية !
. أما الفنان حسن راشد 1937-2008م فهو التلميذ الوفي للفنان الرائد سيد عبد الرسول ولا أعتقد أنه درس على يديه , لأنه – ببساطة – لم يدرس الفن في أي مكان , إنه فنان فطري موهوب علَّم نفسه بنفسه , أستاذه الأول هو بيئته الشعبية الخالصة , بكل موروثات التراث الفلكلوري الذي عاشه طفلا وصبيا ً, وهو يعمل منذ طفولته لكسب رزقه و رزق أسرته بعصامية رائعة , ووجد نفسه في البداية مشدودا إلى الفنان حسن سليمان من خلال لقائه به وقت أن كان مشرفا على مرسم الهواة بقصر ثقافة جاردن سيتي في الستينيات , لكنه لم يستطع الاستمرار على دربه , بل وجد دربه الحقيقي مع مجموعة الفنانين الذين عزفوا في الستينيات على أوتار التراث الشعبي الذي عاش فيه بالفعل , وعلى رأسهم الفنان سيد عبد الرسول , ومنهم رفعت أحمد وجمال محمود وعلي دسوقي , لكنه استطاع الاستقلال بجملته اللحنية الخاصة , وإن اجتمعت بينه وبينهم الموضوعات والرموز التراثية .
.فهد الحجيلان 1957-2018م .. هذا فنان اختطفه الموت مؤخرا – بغير مقدمات – وهو في ذروة توهجه وعطائه , كان ينتمي إلى المملكة السعودية لكنه عاش مصري القلب والهوى , عروبي الفكر والنزعة .. والدته المصرية وذكريات طفولته معها في محافظة الشرقية ظلا حتى النهاية زاد روحه ومحرك ابداعه , عاش ومات مُوزعا بين وطنين , مخلصا لكليهما وفيا لهما معا .
لوحاته المتقشفة الزاهدة – بألوانها وخطوطها – تشبهه في حياته ومظهره , لكنها تضمرثراء باهظا ” شعوريا وجماليا ” كان يرسم بالحد الأدنى من الألوان , بعيداعنا لسخونة والإثارة والتضاد , يحتل اللون الرمادي دورالبطولة والمساحة الأكبربينها , لكن الخلفية العريضة باللون الأبيض تمثل النورالغامرالمشع من جميع كائناته , وميزان النغم بين ” تونات ” الألوان المساعدة كالأزرق والأخضروالأسود والبرتقالي أحيانا , كما كان يرسم بالحد الأدنى من الخطوط , لكنها صريحة وواثقة وانسيابية , ويجعل من الوجوه مرايا للقلوب والمشاعر , بتفاصيل بالغة الإيجاز , يشكلها النوروالظل أكثر مما تشكلها تفاصيل التشريح ودقة الملامح ..
من خلال وجوهه وأشخاصه قد يحيل الكبارأطفالا أويحيل الأطفال كبارا , فهوشخصيا يملك قلب طفل فيجسم رجل , ويملك وعي رجل في عقل طفل ..
تذكرنا لوحاته – على نحوها – بأعمال الفنان المصري الراحلقبلهبثلاثينعاما : شوقيزغلول , والذيكانبفنهامتدادالفنخالهالفنانالكبيرالراحلكمالخليفة ..
فيأرواحالثلاثةشئمشتركيجمعبينهم , لعلهعشقالحياةفيجوهرهالامظهرها , ثمالإدراكالمبكرالكامنفيأعماقكلمنهمبأنالموتقادم-لامحالة-
ليخطفمنهمهذهالحياةوهمفيريعانعطائهم , فحررواالطفلبداخلهممنهمومهاالغليظةالجاثمة , وأطلقوهمحلقابأجنحةالبراءةوالحلم , كنوعمنالدفاعالذاتيعنالحياة !
وقدنجدفيلوحاتفهدالحجيلانظلالامنأسلوبوألوانحسنسليمان , لكنه – كالنحلة – أفرزمنرحيقحديقةحسنسليمانعسلاأكثرمماامتصمنها , ممطرابمشاعرإنسانيةنافذةالتأثير , وفيمقدمتهاالحبوالسلام .
- الفنانعدليرزقالله(1939/2010 م)
عاشالفنانالكبيرعدليرزقالله (١٩39-٢٠10) عليمدىمشوارهالفنيالممتد،مخلصاإلىحدالعشقللألوانالمائية،بدءامنرسومهلقصصالأطفالفيباكورةإنتاجةفيالستينيات،حتيلوحاتهالتصويريةبأحجامعملاقةليستمنطبيعتهالرسمبهذهالخامة،حيثتتطلبفيالعادةالرسمعليمساحاتصغيرةمنالورق،لتتم – بسلاسة-،قيادةعاملالصدفةفياللمسةباندماجاللونوالماءعليالورق .
استطاعرزقاللهانيعيدتوظيفالخامةذاتالسيولةالمنسابةوالشفافيةالمراوغة،بعيداعنأغراضالمنظرالخلويوالطبيعةالصامتةورسمالبورتريه،تلكالأغراضالتياشتهرتبهاعليمرالتاريخعبْرريشاتأعلام الفنانين في مصر والعالم متجها نحو التجريد الهندسي في البداية ,ثمالتجديدالعضويفيالنهاية،وعلىعكسطبيعةالخامة،التيتكرهتحديدالأشكالبخطوطخارجية،أوربطعناصرالتكوينبإحكامعقلاني،فإنرزقاللهفيمراحلهالفنيةالأوليحتيأواخرالثمانينيات – التزمبتخطيطهندسيمنتظمومتواترفيخطوطمتوازيةأومتقاطعة،تكونشرائحلونيةمتلاصقةمننفسالعائلةاللونيةبكلدرجاتالسلمالموسيقيلكللون،بمايوحيبأنةينسجاللوحةبخيوطحريريةلنوليدوي،مثلمايتمصنعأوشحةالحريربالغةالرهافةفي “أخميم” ولعلقربثقافةهذةالمدينةالتاريخيةمنثقافةمنطقةأسيوط،مسقطرأسة،وتأثرةبتراثهاالحرفيالعريقكانمنأسبابميولةومهاراتة،غيرانهبمرورالوقتانتقلإلىالتشكيلالعضويلجسمالإنسانوالنباتفيتكويناتهالتجريديةوبنيتهالتصويرية،جاعلامناللوحةبناءهيولياغامضاوشديدالتوهجلونياوتعبيريافيالوقتذاته،سِيمّامعتركيزهعليمعانٍوجوديةفيخلقالحياةوتفتحهاعبرتفتحبتلاتالزهوروأوراقالنبات،وربطذلكبولادةالكائنالإنسانيمنرحمالامأوالطبيعةأوالحبوالجنس .
وبقدرالسيولةالهلاميةالمشعةبالنورالداخليفيألوانهالمائيةوالمعانيالروحيةوالوجوديةفيكثيرمنلوحاته،فقدحفلتبدرجةعاليةمنتماسكالتكوينوصلابةالبناءالذييتبدّى–أحيانا-فيكتلتتقابلوتتحاوروتتوازنوتتماهىفيايقاعاتنغميةهامسة,فوقفراغابيضشاهقالضوء,
- الفنانجميلشفيق
جميلشفيق (١٩٣٩-٢٠١٦) هوابنالحلموالرؤيةالوجوديةللطبيعةوالكون ..
الحلمبعالمإنسانييحيافيسلامومحبة،تتواصلفيهالكائنات؛منبشروحيوانوطيروسمكونبات،كنسيجصوفي،يقدسالحبإلىحدالعقيدة،وينبذالعنفوالتعصبوالتميزالعنصري،لكنهيبدأمنالواقعالماديالملموسبتشكيلاتهالمرئية،يجسدهابمهارةعالية،لينتهيإلىاللاماديبمعانيمجردةتنضحبالروحالإنسانية.وكماالصوفيينالزهاد،إذيعيشونفيأرديةالخين،فضلجميلانيكتفيبقلمالحبرالأسود (رابيدوجراف) فيرسملوحاتهعليالورق،وهيالحبوالسلاموالفرحوالخصوبةوالنماء،محتفيابالنبلالكامنفيالنفوس،بلحتيفيحيوانأعجمكالحصان, وبمخزونالخيرالدفينفيالشجرةبلفيالسمكة،وبعشقالحريةالكامنفيجوهرالانسانوالحيوانوالطير ..حتيفيالغراب،وبالموسيقىوالرقصحتيالذوبانعندذروهالوجد،وبالعُرْيالكاملللأجساد،اتساقامعلحظةالخلقفيالطبيعةبغيرتمييز.
لميكتفبخلقعالم ميتافيزيقيمفارقلمااعتدناهبحواسناومفاهيمناعنالواقعوالطبيعةالنمطية،بلاستدعىأصواتالطبيعةالبكرفيأعماقهوجسدصورهابخياله،وكأنهيقاومبهاتسلطالمدينةالهمجيةالمستبدة،التيأنتهتفينظرهعجوزاشمطاءتختالبقبحهاالذيلاتخفيهالمساحيق،إلىانقررانيهجرهاليعيشعليشاطئالبحربالساحلالشمالي،بينالرمالوالأمواجوالتلالوالكثبانوأسرابالطيوروقطعانالماعزوالأغنام،متأملاعندالأفقالبعيدحصانايرعىالعشبأويشرئببرأسهنحوالسحبيتسمَّعأصواتالمجهول،وفِياغلبالأوقاتكانيجلسأمامالبحرمنتظرامايطرحهمنأسرار،أومترقبامايلفظهمننفاياتالسفنوتذكاراتالمسافرينوالغارقينبعدمغامرةيائسةللهروبإلىالشاطئالأخر،أومنصتالهديرالموجوأغانيالرعاةإذيسرحونبالقطعان،وبينذلككلةيطلقالعنانلخيالهفيحلمبلاشطآن،ويجعلمنعناصرالحلمومنملامحهذاالعالمالبدائي / الفِطْري، ومايستدعيهمنكائناتبريئةفيطفولته،أبطالاورموزافيلوحاته ومجسماته .
. ونأتيإلىختامعقدالفنانينفيالمعرض , وهيالفنانةسلمىعبدالعزيز 1952-2017م … كانتسلمىنفساهادئايسريبرقةوعذوبةفيحياتناالفنية , لوحاتهايحملهانسيممنعالمملئبالغموض , لاتكادتصدقحينترىهذهاللوحاتأنهامنفذةبألوانزيتية , فقدبلغتمنالشفافيةوالتماهياللونيوالتماوجالنغميدرجةلاتحققهاغيرالألوانالمائية , وكانتبيوتهاالغامضةتبدوكهمهمةكلماتتتناثروتتسللفوقكثبانرمليةأوأديمأرضقاحلة , فتتخايلأمامككعيونفاغرةعدميةتطلنحوالمجهول , الذييبدولهاوحدهامعلوما , وكأنهامعالمالطريقنحوعالمأخرتستعدروحيالبلوغهوالوصولمنخلالهإلىروحمنتحب.. إنهاتشبهكذلكوشْماًعلىذراعأسطوري , أووشْياًأنثويابالخيوطالملونةبألوانالحجارةوالرمال , تمثللغةخاصةبعالمهاالمتوحد , قدتسمعخلالهصدىأصواتآتيهمنعالمآخر , ومنثمفإنالعمليةالفنيةلدىسلمىكانتتتم ( منهاوإليها ) وكأنهامفاجأةذاتيةقبلأنتودععالمنابكلغلظتةوقساوتة , لتلحقبرفيققلبها .. زوجهاالذيسبقهاإلىهناك !
وبعد …
فليسبالكلماتفقطيُروَىالفنوتزدهروروده , ولايتأتيذلكبالذاكرةالافتراضيةالتييشكلهاالباحثونبالرسائلالأكاديميةأويكتبهاالنقادفيمقالاتهموكتبهم .. فماكلذلكإلاتوثيقهوأضعفالإيمان , لكنهلايكفيلصنعتراكملخبرةحقيقية , أولريِّظمأالعيونوالقلوببلآلئالفن , وإنكانيمنحالفنانينثراءيُقوِّيإنتماءهمومناعتهمخلالنموهموتطورهم … إنماالرِّيُّالحقيقيلهذهالعيونوالأفئدةيتحققبإتاحةمشاهدةجواهرالفنللجمهوروالدارسينبإستمرار , فتحياوتتجدد , بعدتخليصهامنمخازنها ( مقابرها ) وتسليطالضوءعليها .. وقدكانتمتاحفناتقومبهذاالدور , لكنهاأغلقتأبوابهاوأطفأتأنوارهاعلىأعمالالفنانينمنذسنواتبعيدة …
لهذاتأمل ( ضيّ ) أنتقومبتصحيحهذاالوضعالغريبمنحينلآخر . بمثلهذاالمعرضالتذكاريلأعمالالراحلين , فتنفيبهعنهممعنىالرحيل , ليحلمحلهمعنىالخلود ..
عزالديننجيب
يونيو 2018