هل حان وقت الانصراف؟

اغسطس 2019

عيٌدنا وانبسطنا وهضمنا لحم الأضحية ، وتخففنا من أعباء وهموم ، وأضيفت فوق أكتافنا غيرها ، وكل عام وأنتم بخير ؛ فالحياة تستمر بفعل الخير ، وكذلك بفعل الشر ، وقَدَر الإنسان أن يتقدم للأمام صانعا للخير مُقاوما للشر ، كى يجعل الحياة جديرة بأن تعاش ، وطريقه لذلك أن يسعى دائما لتغيير الواقع ليصل الى الهدف المنشود .

اردت بتلك المقدمة استئناف ما بداناه منذ شهرين فى حملة إنقاذ متاحفنا الفنية المغلقة، وتنويرها وتطهيرها من الفيران والخفافيش ، لا شك ان بعضنا نسىَ ، وبعضنا ملٌَ ، وبعضنا يئِسَ من الإصلاح ، لكننى لم أكن واحدا من الثلاثة ، بل ارى ان الأمانى لا تزال ممكنة ، ولا يزال الكفاح ضروريا لإدراك النجاح ، فقضيتنا عادلة ومشروعة وحضارية وملحٌَة كجزء من صميم رسالة كل فنان ومثقف ، إنها فقط تستدعى إرادة المؤمنين الشرفاء لاستمرار الطَرْق على الابواب المغلقة ، وجعل الحديد يظل ساخنا…وقد اقتربنا خطوة من الهدف.

أقول هذا رغم أن عنوان المقال يتساءل:”هل حان وقت الانصراف؟”..فكيف الانصراف والقضية مفتوحة البطن ومؤرٌِقة لنوم قيادات عليا لا تزال حاضنة للفساد فى المتاحف المظلمة؟..سوف أكون صريحا فأقول إن بلوغ الهدف لن يتحقق بإرادة شخص واحد مهما كان إخلاصه وقدراته ، وسوف أكون أكثر صراحة فأقول إنه قد اعترانى شعور بالألم عندما رأيت كم رحٌَب عدد من أصدقائنا ممن أيدوا حملتنا للدفاع عن المتاحف بالبيان الثانى الذى أطلقه قطاع الفنون التشكيلية، لا لشىء إلا لأنه جاء أقل حدة وعنفا من بيانه الأول ضد مئات الموقعين على بيان حملتنا المعنون:”دفاعا عن متاحفنا وكرامتنا الوطنية”،فلمجرد خلو بيان القطاع الثانى من تلك اللهجة البوليسية الفجة والاستفزازية المنفرة التى تجلت فى بيانه الأول ، تسابق الكثيرون للإشادة به وبالقائمين على القطاع وهم من تسببوا فى إغلاق المتاحف وإهدار قيمتها، مع تكرار البيان لنفس محتوى سابقه من التضليل ومن تجنب الإشارة الى أصل القضية وهى المتاحف الفنية المغلقة، مكتفيا بالافتخار الأجوف بالمتاحف الفرعية والإقليمية الصغيرة، وكأنها كل ما لدينا من متاحف ، ولم يرِد فيه أى اعتراف بوجود نقطة سوداء واحدة فوق الثوب الناصع البياض ، أو مجرد إشارة الى أى تغيير أو إصلاح …حقا هناك آخرون قالوا كلمة حق وفرقوا بين الحقيقة والزيف ، لكن كلماتهم بدت كنوع من إبراء الذمة ، بلا فعل يساند ، أو مبادرة للمشاركة ، فأقصى ما بوسعهم فعله هو قول كلمة “برافو” لمن يقاتل وحيدا دفاعا عن القضية!

والمسألة ليست فى وهَن طاقة هذا المقاتل

..لأن طاقتى لم تضعف والحمد لله ، لكن المسألة هى وهَن الحالة المعنوية للمثقفين لاستمرار قوة الدفع ، إن هذا الوَهَن هو ما يجعل المشهد يبدو كمعركة بين شخصين يتعاركان، كما قالها أحد المعلقين ، داعيا ان يحب الناس بعضهم بدون مشاكل والصلح خير!..لكن المفارقة هى ان استمرار هذا القتال من جانب شخص واحد ضد مؤسسة مدعمة بالسلطة والنفوذ ، سوف يحوٌِل القضية فى النهاية فعلا إلى معركة شخصية بينى وبين ساكنى مبنى قطاع الفنون التشكيلية بشارع كافور بجوار متحف محمد محمود خليل ..وعندئذ ما أسهل حسم القضية لصالحهم كما فعلا فى كل جرائم السرقة والنهب والتزييف والهدر للمال العام، وهم منفردون فى ساحة خالية بلا طرف مناوئ ،

والورق ورقهم والدفاتر دفاترهم والمناصب محصنة بإجراءات باطلة لكنها سارية المفعول!

إذن لو أردنا الاستمرار فلابد من نقلة كيفيةبأساليب عمل مختلفة ، مثل تشكيل مجموعات(جروبات) على الفيسبوك من الفنانين والمثقفين ، أو انضمام الجمعيات الثقافية والفنية الى الحملة واصدار بيانات دعم ومساندة ، او تشكيل وفد لمقابلة المسئولين فى الجهات الرقابية ، أو القيام بوقفة احتجاجيةرمزية امام أحد المتاحف المغلقة او احدى الجهات ذات الصلة بالقضية مصحوبة بمؤتمر صحفى ، أو إلزام نقابة التشكيليين باتخاذ موقف مناصر للحملة ، مع الانتباه جيدا كى لا تبيع نقابتنا القضية وتبيعنا جميعا للوزارة ، أو الدعوة الى عقد مؤتمر عام تشارك فيه الجمعيات والنقابات الفنية واتحاد الكتاب للخروج بموقف جماعى مشرف …باختصار: أن نُظهِر قوة حقيقية للرأى العام للمثقفين ، تستقطب مختلف فصائلهم الى جانب غيرهم من محبى الفنون والمتعاطفين مع القضية ؛ فالرأى العام هو قوتنا الحاسمة ، وأذكركم بما فعلَته هذه القوة عام١٩٩٠ عندما نجحَتْ فى إفشال محاولة بيع ثرواتنا الفنية فى مزاد عالمى قُدٌِرت عائداته آنذاك ب ٣٠ مليار دولار اعتُبِرت كافية لتسديد ديون مصر.

وكان لى شرف المشاركة فى تنظيم وإدارة تلك الحملة من خلال اتٌِباع نفس الأساليب السابق ذكرها…وهذا ما حاولتُ تحقيقه خلال الشهرين الماضيين، فكان كل ما حصدناه هو جمع ٤٠٠توقيع على بيان الحملة ، ورغم قلة هذا العدد فقد استطاع تحريك المياه الراكدة وخلق دوائر من الاهتمام من خارج قبيلة التشكيليين ، ما أدى إلى إلتفات بعض الأجهزة الرقابية بقدر محدود (يعنى يادوب على قد حجم الرأى العام المساند للقضية!).،وذلك هو الفرق بين حال المثقفين عام ١٩٩٠ وبين حالهم اليوم!

….وماذا بعد؟

ان النقلة الكيفية التى أدعو إليها لتطوير الحملة ليس بوسع أى جهد فردى القيام بها، وإلا استُهلِك كإنسان و انطفأ كفنان وانطفأت القضية معه ، من هنا أرى أنه لابد من نقل المسئولية الى المثقفين ؛ فإما ان يُفرزوا قادة جدد ليواصلوا الحملة بالمعنى الذى شرحته ، وإما ان يستسلموا ويتعايشوا مع محمية الفساد وأذنابها والمنتفعين من ورائها ، ولا يحق لأحد بعد ذلك أن يشكو أو يتذمر.

لكن لا تزال فى عنقى التزامات لابد أن أؤديها لكم – أنتم أنصار الحملة – قبل انصرافى ، وقد أوفيت بوعدى واوصلت صوتكم وحيثيات القضية مدعمة بالمستندات الرسمية الدامغة الى الجهات العليا المعنية ، إن ما سأوَفٌِيه لكم قبل الانصراف هو خلاصة الحصاد المر لحوادث السرقة والنهب وظواهر الفساد وغياب الوعى بالمسئولية ، وهو أيضا ما يفتقده البعض كعلامات الطريق الهادية نحو الغاية المنشودة ، قمت بصياغتها فى شكل أسئلة وأجوبة كفيلة بإيقاظ الغافلين وصدم الضمائر الحية ، حتى لا تبقى ذريعةٌ لمن يدٌَعون عدم المعرفة أو نقص الأدلة ، أو لمن يقفون فى المنتصف حيارى بين المعسكرين ، عاجزين عن الاختيار او اتخاذ القرار ، وكذلك لمن ينتظرون نهاية “الماتش” لينحازوا إلى الفريق الفائز ، أو لمن يخشون أن يفقدوا “اللقمة الطرية”التى ينتظرونها من ساكنى مبنى كافور دون أن يدركوا أن نهايتهم باتت قريبة!…وأخيرا: لبعض الدكاترة الأكاديميين المتعالين على القضية من شرفات كليات الفنون، دون اكتراث بالتأثير المدمر لإغلاق المتاحف الفنية على تلاميذهم ومنتجهم التعليمى!

وسوف أنشر تباعا أربع مقالات تحت عنوان”قبل الانصراف” تتضمن ما أشرت إليه آنفا ، مع أملى ألا أثقل عليكم او أعكر صفو أوقاتكم.

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »