قد يكون هذا آخر مقال أكتبه عن الحرف التقليدية.. فما أكثر ما كتبته عنها طوال ربع قرن بما لا يحصى من مقالات وكتب، وما أقمته بشأنها من مشروعات وندوات ومؤتمرات.. لأجدنى فى كل مرة أعود للكتابة من نقطة الصفر، فلا الرسالة وصلت إلى من يهمه الأمر، الذى ربما أصمَّ أذنيه عن صرخة الاستغانة لإنقاذها حيث لا يعنيه أمرها، ولو هى وصلت إلى من لا يملك إنقاذ هذه الحرف التراثية فلن يملك غير إبداء الحسرة والمشاركة القلبية !
وما أقوله هنا عن قضية الحرف التراثية ينطبق كذلك على الكتابة عن الأوضاع الثقافية عامة، وقد نَشَرتُ فى عدة كتب مثل (الصامتون – النار والرماد – الثقافة والثورة – الأنامل الذهبية – موسوعة الحرف التقليدية) ما لا يحصى من التجارب والدراسات منذ الستينيات حتى عام 2016، ولا أكاد أجد فرقاً جوهرية بين مضامينها ونتائجها ومشكلاتها ومقترحات حلولها، رغم توالى الزمن، وتغير الظروف ولو طاوعت قلبى وعقلى لقلت: هذا يكفى، ولأضع قلمى فى غمده، فما عاد يجدى التكرار طالما صُمَّت الآذان وغابت الأفهام.
لكن ها هى دعوة جديدة توُجه إلىَّ لرئاسة مؤتمر بالهيئة العامة لقصور الثقافة عن الحرف التقليدية ودعم الاقتصادى القومى، فى أوائل شهر مايو.. وبالرغم من كل ما ذكرته آنفاً حول شعورى بالإحباط واللاجدوى من كل هذه المحاولات، لم أستطع مقاومة شعورى بضرورة لاستجابة للدعوة أداء للواجب، بما يشبه شعور جندى فى الميدان. وإذ أكتب الآن قبل انعقاد المؤتمر بأيام قلائل، ولم تكتمل بعد الأبحاث الأكاديمية المشاركة فيه، فسوف أكتفى هنا بتقديم الرؤية الشاملة التى أراها ضرورية لإقامته، والتى يمكن على أساسها وضع استراتيجية عامة تقود إلى نهضة حقيقية للحرف التراثية فى مصر ودورها فى النهوض باقتصادنا القومى.
بداية ينبغى أن نتفق على أن الحرف التقليدية تمثل أحد الأعمدة الأساسية على امتداد الحقب الحضارية فى مصر، فى ارتباطها بالطبيعة والبيئة الجغرافية والاحتياجات الضرورية للحياه، وبالمعتقدات والقيم والعادات والتقاليد وأنماط الحياة اليومية، وكثيراً ما كانت الحرف الفنية – حتى أواخر القرن 19 – هى المقابل الموضوعى والجمالى للفنون التشكيلية بلغة اليوم، حيث لم تعرف الحضارات المصرية – بعد عصور المعابد والمقابر والمساجد والكنائس التاريخية ما يسمى بلوحات الجدران وتماثيل الحدائق والميادين، فضلاً عن عدم وجود المتاحف وقاعات المعارض وأكاديميات الفن ولوحة الحامل وتمثال الصالون.. فكل ذلك لم تعرفه مصر إلا مع مطلع القرن العشرين على أيدى بعض الأجانب وأحفاد محمد على المستنيرين، مواكباً لحركة الانفتاح والاقتداء به.
كانت المنتجات الحرفية اليدوية – إذن – هى الإبداع الحقيقى للشعب، تلبى مطالب العقيدة – فى الدنيا والآخرة – والتعبد لله فى دور العبادة المختلفة، وتلبى مطالب الحياة فى المسكن والملبس والأثاث والأوانى وأغراض الزينة ورسوم الحج والزواج وتزيين واجهات البيوت وعمل الأيقونات السحرية وتمجيد البطولات القومية ورسوم الوشم وغيرها، جنباً إلى جنب مع فنون الشعر والزجل والسيرة والحدوته والأسطورة.. وفيها جميعاً من متعة الفن والجمال والخيال (كلمة ولحناً وملحمة ولوناً وتجسيداً وتجريداً) بقدر ما فيها من المنفعة والأغراض العملية.. فوق ما تلبيه من قيم رمزية فى الأديان والمعتقدات ومحاولات الإنسان عبر التاريخ لاكتشاف المجهول.
هى فى مجملها تجسيد لضرورة الفن فى حياة الإنسان منذ الأزل.. منذ بدأ برسم على جدران الكهوف رموزه السحرية، إتقاءً لقوى الكون الغامضة، وسيطرة على أسرارها المجهولة. ومحاولةً لفهم الوجود وخوارق الطبيعة، دون أن ينفصل ذلك كله عن تلبية مطالب الحياة، فالفن – قبل كل شئ – ظاهرة اجتماعية، تتغير بتغير الظروف والمجتمعات، وترتبط بالكشف عن معانى الحياة والموت والميلاد والخصوبة وإعمار الأرض والبحث عن الجمال والمتعة.
مصر كانت دائماً الأسبق لشعوب العالم – على المستويين الرسمى والشعبى – فى استيعاب وتطبيق هذا كله.. فما زالت جدران المعابد والمقابر الفرعونية تحمل نماذج لإنتاج جميع الحرف التقليدية – حتى بشرح خطوات تنفيذها – فى فنون الفخار والخزف والزجاج والنسيج الكتانى الذى يضاهى رقة الحرير، وفنون السباكة المعدنية والصياغة الرفيعة للحلى وتصميم الأزياء، وفنون النجارة والعمارة، بزخارفها النباتية والهندسية، وبعبقرية الحلول الإنشائية المعقدة لتشييد الصروح المعمارية والتى لم تجد من يَغُض أسرارها حتى اليوم، فضلاً عن تصميمات الأثاث بزخارفه الإعجازية، والبُسُط والأرضيات الرخامية الملونة وتنسيق الحدائق وتخطيط المدن.. وغير ذلك الكثير.
وقِسْ على ذلك فى الحضارات التالية التى تعاقبت، من يونانية ورمانية ومسيحية وإسلامية، تميزت كل منها بطابعها الجمالى الخاص، لكنها تشكل فى مجموعها لوحة بانورامية ممتدة للهوية المصرية، وكان من عوامل بقائها واستمرارها هو الشعب المصرى نفسه، حيث أن أبناءه البسطاء الموهوبين كانوا المبدعين الحقيقيين لكل ذلك، وأن هذه الفنون كانت تدخل دائماً فى نسيج حياتهم اليومية بعاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم، برغم اختلاف الأديان والعقائد والطبقات الاجتماعية ومتطلبات الحياة الإنسانية.
يجدر بنا هنا أن نذكر أن عماد الحياة الاقتصادية لمصر حتى منتصف القرن التاسع عشر كان يقوم على إنتاج هذه الحرف وتصديرها إلى الخارج.. أنظر إلى الأسواق المصرية في لوحات الفنانين المستشرقين فى مصر فى القرنين 18 ، 18، لتجدها تعج بمنتجات هذه الحرف.. بدءاً من أنواع السجاد والنسيج بزخارفه المطرزة، حتى الأسلحة المطعمة بأنواع الفصوص الكريمة والذهب والفضة، مروراً بأشكال المنتجات النحاسية فى الأباريق والصوانى والصحاف والفوانيس ووسائل الاضاءة، وبأنواع السحَّارات والصناديق الخشبية المطعمة بالعاج والأبنوس والأصداف، والمشربيات التى تشبه ستائر خشبية لتنقية الضوء وحجب المستور، وكذا نوافذ الزجاج الملون المعشق بالجص فى أعالى جدران المساجد والقصور، لإضفاء الروحانية والصفاء النورانى، ومفارش الخيامية المدهشة بغرزها السحرية التى تضاهى عمل الرفَّا وتزين الحشايا والوسائد والمفارش وفنون العمارة الاسلامية الشاهقة بعقودها وقبابها ومآذنها وزخارفها الحجرية،.. والمجال لا يسمح هنا باستعراض عشرات الفنون التراثية التى لم يجد الغازى العثمانى السلطان سليم الأول لمصر عام 1517 أغلى قيمة من صناعها، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر فى سفينتين كبيرتين إلى الأستانة ليشيدوا بتركيا مثل هذه الحضارة، وقد غرقت أحداهما فى البحر بالمئات من راكبيها قبل وصولها إلى شواطئ تركيا، ومن نجوا هم من صنعوا ذلك الذى تزهو به اسطنبول اليوم من فنون اسلامية، وقد ذكر المؤرخ إبن إياس أنه بطُلت فى مصر بعد هذه الواقعة خمسون حرفة، لكن قريحة مصر الخلاقة سرعان ما أنجبت لنا أبناء وأحفاداً حفظوا الكثير من هذه الفنون.
ولكن – وأسفاه ! – جاء أحفاد الأحفاد اليوم ليضيِّعوا ما صنعه آباؤهم وأجدادهم، سواء بأيدى الحكام الذين لم يستوعبوا ما أدركه المستعمر العثمانى المستبد ولص الحضارة (السلطان سليم)، فحرموهم من أى مقومات للحياة والاستمرار، أو بأيدى الأبناء الذين هجروا حرف آبائهم وبحثوا عن حرف أخرى ولو كحارس أمن أو سائق توك توك.. بعد أن ذاقوا مرارة الحرمان وشح الرزق، لانصراف أغلب الشعب المصرى عن اقتناء أعمالهم، بعد وقوعهم ضحية ثقافة الانفتاح الاقتصادى، التي جعلتهم يلهثون لتقليد أنماط الحياة الغربية بزعم التمدين، ثم اكتملت المأساة بانقطاع السياحة عن مصر، وكانت هى ما بقى من مجال لتسويق أعمالهم.. ومن مفارقات القدر أن يعظم السائح الأجنبى تراثنا فيما لا نقيم له نحن اعتباراً !
إن تجارب الكثير من الشعوب فى شتى القارات تؤكد حسن استثمارها لموروثاتها من الحرف التقليدية ثقافياً واجتماعياً واقتصاديا، فجعلوها على رأس منتجاتهم المصدَّرة إلى دول العالم، وحققوا من وراء ذلك دخولاً مالية طائلة توضع فى أوائل مصادر الدخل القومى بها، مثل الهند وباكستان والصين وماليزيا وإندونسيا فى آسيا، ومثل أسبانيا وفرنسا وإيطاليا فى أوروبا، ومثل غينيا والسنغال وجنوب أفريقيا، ومثل المغرب وتونس والجزائر فى شمال أفريقيا، حتى أن بعض الدول – ومنها تونس والمغرب – تخصص وزارات لهذه الحرف مناصفة مع وزارات الصناعة والسياحة. وأنظر إلى ما تحققه كل بلد من عائد اقتصادى من وراء ذلك، فضلاً عن حل مشكلات البطالة، وعن تعميق للهوية القومية لكل بلد.
ماذا حدث ويحدث فى مصر الآن؟
الحقيقة أن التجارب لم تتوقف منذ بداية القرن العشرين للنهوض بالحرف التراثية، بدءاً من إنشاء مدارس الحرف والصناعات الزخرفية أوائل القرن الماضى – وآخرها كانت بحى الحمزاوى بالقرب من شارع الأزهر – وليس أنتهاء بمشروع السيدة هدى شعراوى بإقامة مصنع للمنتجات الخزفية فى ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضى.. لكن النهضة التاريخية المشهودة تعود إلى مشروع مفجر النهضة الثقافية الحديثة فى مصر ثروت عكاشة مع إنشاء أول وزارة للثقافة عام 1958، حين خصص مبنى وكالة الغورى بالأزهر لإقامة مجموعة من ورش الحرف التقليدية معتمداً على نظام التلمذة (أو تدريب الصبية على أيدى شيوخ الصنعة المتواجدين آنذاك). وحقق مشروعه نتائج مبهرة حتى رحيله من الوزارة عام 1962، فتوقفت قوة الدفع فيه، إلى أن عاد إلى منصبه عام 1966 فبعث الحياة من جديد فى المشروع، وضم إليه مراسم للفنانين التشكيليين المعاصرين كى يحدث تلاقح حضارى بين القديم والجديد.. ومرة ثانية ترك عكاشة الوزارة عام 1970، فاعترى الشحوب مشروعه مرة أخرى، وظل يذبل حتى أوشك على الاندثار.. وشاءت الأقدار أن أتولى شخصياً رئاسة هذه المراكز عام 1992.. ولا أستطيع الاستفاضية فى وصف النهضة التى حدثت خلال السنوات العشر التى قضيتها فى منصبى بهذا الموقع لأن شهادتى مجروحة، لكن الحقيقة أن مصر لم تعرف طريقها إلى المهرجانات الدولية الكبرى بمنتجات الحرف التقليدية إلا خلال هذه الفترة، بل شهدت القاهرة أكبر المهرجانات التى شاركت فيها عشرات الدول بفنونها الحرفية خلالها، (ولا بد من الاشادة بفضل الأستاذ محمد غنيم فى ذلك عبر موقعه كرئيس لقطاع العلاقات الثقافية الخارجية آنذاك. وأصبح لدينا سبعة مراكز حرفية متخصصة فى أحياء مختلفة بمدينة القاهرة من حى الأزهر حتى حلوان ومدينة 15 مايو.. (وهنا أشيد أيضاً بمساندة الفنان د. أحمد نوار كرئيس لقطاع الفنون التشكيلية آنذاك…) وكالعادة المصرية المتوارثة عصر الفراعنة.. ما أن غادرتُ منصبى حتى أندثر كل ما تم بناؤه، وتفرق دم الحرف والحرفيين بين القبائل، من صندوق التنمية الثقافية إلى مصانع تجارية إلى مدرسة الأمير تشارلز التى جاءت لتبيع الماء فى حارة السقايين !
ومن يؤمن إيماناً حقيقياً بمشروع للوطن لا يسلم بالفشل بسهولة، لذلك حوَّل المخلصون لهذا المشروع جهودهم لتمكين جمعية أهلية كى تقوم بنفس الغرض، وهى “أصالة لرعاية الفنون التراثية”.. وبعد انطلاقات مرموقة حققت من خلالها الكثير من أهداف المشروع على امتداد عشرين عاماً.. اضطرت أخيراً للتوقف لانقطاع أى نوع من الدعم والتمويل.. لكنها لا تزال حريصة على شئ واحد.. هو إصدار موسوعة الحرف التقليدية فى مصر.. كذاكرة وحيدة تصونها من الاندثار.
وعملاً بالمثل الشعبى “يموت الزمار وصباعه بيلعب”.. تقدمتُ إلى صندوق التنمية الثقافية – وقت رئاسة المهندس محمد أبو سعدة له – بمشروع “إكسب حرفة جميلة” – عام 2015 – لتدريب من لديه استعداد من الشباب لتعلم إحدى الحرف التقليدية بالمجان، وتوفير الخبرة لهم كى يؤسسوا مشروعات صغيرة أو فرص عمل لا تكلف كثيراً.
وأنطلقت التجربة بالفعل فى نوفمبر 2015 بمساندة من الصندوق ودعم من بعض الأساتذة الاكاديميين فى التصميم والقيم الجمالية والخزف هم: د. أحمد عبد الكريم ود. محمد زينهم. ود. فتحى عبد الوهاب، وإدارة السيدة إيمان عبد المحسن، إلى جانب المدربين المهرة بمركز الحرف بالفسطاط، وقد أكمل المشروع الفترة التمهيدية من دفعته الأولى، ويتم التحضير لبدء الدفعة الثانية بدعم من مديرة الصندوق الجديدة د. نيفين الكيلانى.
لكن هل يكفى ذلك حلا للمشكلة؟
بالقطع لا.. فليس ذلك إلا مسكناً وقتياً أو إبراءاً للذمة، أما الحل فهو إقامة مشروع قومى متكامل يراعاه مجلس الوزراء مباشرة ويديره مجلس أمناء من الخبراء و الأخصائيين وكبار الحرفيين والفنانين.. ويتم تمويله من صندوق دعم تتوافر ميزانياته بالفعل وهي موزعة حالياً بين العديد من الوزارات والجهات المانحة ومخصصة إسماً لدعم الحرف التقليدية، لكنها تصب فى النهاية فى البحر بغير تخطيط أو عائد إلا أقل القليل.
المشروع تم التقدم به من جمعية أصالة لرعاية الفنون التراثية والمعاصرة إلى رئيس الوزراء عام 2011 عقب ثورة يناير، وأعدتُ تقديمه إلى رئيس الوزراء م. إبراهيم محلب 2014.. ولا يزال فى مربع الصفر.. السبب؟.. عجز المسئولين عن إدراك الأهمية الاقتصادية للعائد الهائل من تشغيل آلاف ورش العمل فى جميع أنحاء الجمهورية بقراها ومدنها، والعائد الاجتماعى بخلق الآلاف من فرص العمل للشباب، والعائد البيئى، باستغلال الخامات التى تتميز بها كل منطقة جغرافية لتتحول إلى منتجات فنية وآيات للجمال، والعائد الثقافى بالحفاظ على أحد أهم ركائز الهوية الثقافية المتوارثة وجعلها علاقة مميزة مزهو بها بين الأمم.
مشروع لن يكلف الدولة شيئاً، بشرط أن تبتعد عنه أيدى البيروقراطية يستغرق والمطامع الشخصية، ولن يتفرق إعداده وتنفيذه إلا شهوراً معدودات، حيث يمكن أن تقام ورش العمل فى البيوت كما كان يحدث حتى زمن قريب مضى.
فضلاً عما يمكن أن يمتخض عنه من استحداث آليات للتدريب والعرض والتسويق والتأمينات الاجتماعية والصحية للحرفيين الذين سقطوا سهواً من حسابات كل الأنظمة.
إنه النداء الأخير من السفينة الغارقة.. فهل يسمع أحد ؟