عز الدين نجيب
فيس بوك 21 يونيو 2021
تتسع دوائر اهتمام الرأى العام يوما بعد يوم بقضية سرقة اللوحات الفنية من متحف الفن المصرى الحديث ، عقب عودة لوحة “فنارات البحر الأحمر” للفنان عبد الهادى الجزار إلى وزارة الثقافة ، بعد اختفائها منذ أكثر من نصف قرن ثم إعلان عودتها وسط مهرجان إعلامى كبير ،تم فيه التقاط الصور التذكارية لوزيرة الثقافة وكبار المسؤولين بقطاع الفنون التشكيلية ، بجانب الرجل الذىكانت بحوزته طوال٢٠ عاما. ، واستُخدِمت كلمة “استعادة” اللوحة ، وهو ما يدعو للسخرية ، لأنها لم تعد نتيجة سعى لاستعادتها او بذل أى مجهود من أجل ذلك ، او محاولة لكشف غموض اختفائها ، بل تقدم بها الرجل الذى كانت بحوزته الى الوزارة من تلقاء نفسه ، بعد أن رفض عرضا لشرائها منه بمبلغ قد يصل الى مليونى جنيه ، وقد نتغاضى عن أن المسؤولين ينسبون ذلك لأنفسهم ويعتبرونه” نصرا” ، لكن مالا يمكن التغاضى عنه هو تجاهلهم الإشارة إلى لوحتين أخريين سبق أن صرح نفس الرجل للوسطاء الذين توسطوا بينه وبين القطاع أنهما لديه كذلك ، وأنه مستعد لتسليمهما طواعية : إحداهما للفنان صلاح طاهر ، والأخرى للفنان صالح رضا ، وقام أحد الصحفيين الشباب بإبلاغ ذلك إلى رئيس القطاع قبل تسليم لوحة الجزار ، لكن الأخير اكتفى بالإعلان عن استعادة لوحة “فنارات البحر الأحمر”، وتم الاحتفال بعودتها ، مما اضطر الصحفى بعد ذلك للإعلان عن هاتين اللوحتين ، وما أن أذيع الخبر حتى سارع القطاع بدعوة الرجل الذى احتفظ بهما ، وأقيم احتفال آخر لتسليمهما وسط ضجة إعلامية جديدة.
* ألا يعنى هذا للقارئ شيئا ؟.. وهل أدت إذاعة الصحفى لخبر اللوحتين بعد صمت المسؤولين إلى إجهاض (اتفاق ما) كان قد تم فى الخفاء حول مصيرهما؟!
*أوجه هذا السؤال الى السيدة وزيرة الثقافة التى تعاملت مع الحدث وكأنه نصر مؤزر ، رغم انها لا فضل لها أو لأحد من مرؤوسيها فى عودة اللوحات ، لأن الرجل هو من بادر بالإبلاغ ، ففجر بلاغه كل الملف المسكوت عنه من التفريط وعدم المسؤولية عبر نصف قرن حتى الآن ، بشأن تقصى أسباب اختفاء هذه الأعمال من المتحف تباعا على امتداد هذه العقود، والتقاعس عن البحث عنها حتى ولو كانت قد اختفت قبل تولى سيادتها والمسؤوليين الحاليين بالقطاع للعمل بالوزارة ، وهى تعلم كما يعلم الجميع أننى سلمت إليها شخصيا منذ ثلاث سنوات ملفا منتفخا بالمستندات والأدلة إثر سلسلة مقالات نشرتها على مدى عدة أشهر عن الكثير من السرقات والانتهاكات داخل جميع المتاحف التابعة لها وما وراءها من فساد منظم.. فلم تفعل سيادتها شيئا .
* كما أوجه نفس السؤال الى من اعترضوا ، أو على الأقل تحفظوا ، على اقتراحى الذى نشرته فى المقالين السابقين، بإنشاء هيئة قومية للمتاحف الفنية، تتولى الحفاظ على تراثنا المتحفى من الفنون الجميلة، على ان تكون تابعة لجهة سيادية مثل رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية ، مبررا ذلك بانعدام الثقة تماما فى القطاع القائم عليها بوزارة الثقافة ، وانهيار البنية الأساسية للمتاحف بلا أدنى ضمانات أو إمكانيات للحفاظ على محتوياتها النفيسة ، وكذلك لضآلة الميزانية المخصصة لوزارة الثقافة بما يجعلها عاجزة عن تحقيق الحد الأدنى من ضمانات صيانتها وتأمينها ، والأهم من ذلك – حتى لو توفرت الميزانيات المطلوبة – هو الفكر العقيم الذى تدار به المتاحف جميعا ، بلوائحها وقوانينها وأهدافها التى تقتصر على التخزين والعرض ، وقد أثبتت كوادرها وقياداتها على مر السنين فشلها التام ،باستثناءات قليلة لم تنجح فى تحقيق هذه الأهداف وعلاج تلك المشكلات ، إلى حد العجز عن استكمال أى محاولة للإصلاح أو تغيير الواقع المزرى الذى تفاقم بانهيار بنيتها الأساسية ، وكان اهتمام وزراء الثقافة بهذا الملف ضئيلا وسط سلم أولوياتهم الكثيرة ، كل ذلك جعل من المتاحف بيئة مشجعة على الفساد ، بل حاضنة له ، والشواهدعلى ذلك لا تزال ماثلة وصادمة :
* يكفى أن ملف الأعمال الفنية المعارة إلى جهات مختلفة بالداخل والخارج منذ أول السبعينيات يضم أكثر من ٥٠٠٠عمل، نسبة كبيرة منها فى عداد المفقودة ، بلا قاعدة بيانات دقيقة عن أغلبها ، هذا رغم كثرة اللجان والخبراء والمكافآت والحوافز والإغلاقات للمخازن بالسنين الممتدة على ما بداخلها من أعمال ، ذلك لأن همٌَ كل موظف أو مسؤول هو أن يثبت انه غير مسؤول لو حدثت أى كارثة.
* ويكفى أن نسبة الشك فى أصالة الكثير من المقتنيات قد تزايدت فى الفترة الأخيرة وطالت العديد من أعمال الرواد ، نتيجة ترك الزمام (للفتى المدلل) فى القطاع ، والمدعوم من جهة ما تتردد الأقاويل وتختلف حولها ، ليخرج ما يشاء من المخازن للعرض خارج المتاحف أو حتى لنقل عهدتها إلى جهة أخرى يعلمها الجميع ، بلا أى ضمانات تحول دون إعادتها الى المتاحف سليمة أو غير مزورة ، لو عادت أصلا.
* والمدهش ان القطاع يملك أجهزة متقدمة للكشف على الأعمال الفنية والتأكد من أصليتها ، لكنها معطلة دون اهتمام بصيانتها ، أو لا يلجأ إلى استخدامها أحد أصلا ، لأسباب ليس من الصعب استنتاجها ، فى الوقت الذى يمكن للقطاع – بجانب تحقيق مهمتها الأصلية فى التأكد من أصالة مقتنيات المتاحف – استثمار هذه الأجهزة بإتاحة استخدامها بمقابل مادى مناسب لمن يشاء من أصحاب الأعمال الفنية المراد اقتناؤها ، وإعطاء صاحب العمل شهادة رسمية معتمدة ، بدلا من اللجوء إلى “ضاربى” الشهادات مدفوعة الأجر بغير دليل غير العين المجردة .
إن كل فنان فى مصر ممن لهم مقتنيات بداخل متحف الفن الحديث على امتداد مسيرته الإبداعية ، يشعر بقلق شديد على مصير اعماله بالمتحف الذى لا تزيد سعة مساحات العرض فيه عن تعليق أكثر من ١٠%من كميات الأعمال المكدسة بالمخزن الضيق الذى يفتقر إلى الحد الأدنى من ضمانات الحفاظ عليها ، وقد ذكرت فى مقالى السابق أننى لم اتوصل إلى مصير أغلب لوحاتى المقتناة بالمتحف ، وقيل لى إنها معارة الى جهات مختلفة ، دون تعريفى بهذه الجهات كى أذهب بنفسى للاطمئنان على وجودها.
* ألا يحرك كل ذلك ضمائرنا وقرائحنا للبحث عن حل خارج الصندوق البيروقراطى المتهالك لحماية هذه الثروة القومية من التبديد والضياع؟!
وبدلا من ذلك جاء عدد من التعليقات على ما كتبته حاملا روح اليأس والهزيمة والشعور بلاجدوى أى إصلاح ، بل انتقد البعض مشروعى بإنشاء الهيئة القومية للمتاحف ، وكان أ غلب هذه الانتقادات بقلم الأستاذ أيمن أبو زيد ، ولثقتى فى حسن نواياه وإخلاصه ، سأرد فيما يلى على اهم هذه الانتقادات:
١- يقول إن تحقيق مشروع الهيئة المستقلة سيشجع مختلف قطاعات وزارة الثقافة على طلب الاستقلال أسوة بقطاع الفنون التشكيلية ،وهذه حجة من السهل الرد عليها، بان هذا القطاع هو الوحيد بين قطاعات الوزارة الذى يملك متاحف تضم عشرات الآلاف من القطع الفنية المصرية والعالمية ، وتقدر قيمة كل منها بعشرات الآلاف من الجنيهات و بالملايين بالنسبة للرواد ، أما العالمية فتقدر الواحدة بمئات الملايين من الدولارات للبعض منها… أفلا تفرض دواعى الأمن القومى اتخاذ الضمانات اللازمة للحفاظ على هذه الثروة؟!
٢ – يقول سيادته ويقول غيره..من أين يتم توفير التكلفة الباهظة لإدارة هذه الهيئة فى ظل الظروف الاقتصادية الراهنة للدولة؟..وقد شرحت فى المقالين السابقين أن الهيئة كفيلة بالصرف على نفسها من عائد استثمار هذه الثروة المتحفية ، وذلك بعقد اتفاقيات تعاون مع المتاحف العالمية لإعارتها بعض مقتنيات متاحفنا لفترات محددة بمقابل مُجزٍ ، وكذلك بزيادة معدل السياحة الفنية لزيارتها بالتعاون أيضا مع المتاحف الكبرى العالمية ، ومع شركات الترويج المختصة بهذا المجال ، إضافة إلى عائد الصناعات الثقافية التى تعرض فى مداخل المتاحف ، من مستنسخات للاعمال الشهيرة ، ومن أدوات استعمالية منفذة برؤية تشكيلية ، ومن الكتب الفنية بمختلف اللغات…الخ.
٣ – يقول سيادته ويقول غيره : ماذا يضمن ألا تتكرر فى إدارة الهيئة نفس التجاوزات ونفس الفساد الذى يدب فى الإدارة الحالية؟…وقد سبق أن أوضحت أن الإدارة المقترحة تقوم على اساس مجلس أمناء من الشخصيات العامة من خارج قيادات الوزارة ، يمثل الفنانين والنقاد والمفكرين وخبراء التنمية ورجال الأعمال الداعمين للفن لا المتربحين من ورائه، أسوة بما نراه فى جميع المتاحف العالمية ، ومن ثم ستكون جميع قراراته تحت الأضواء وعلى مشهد من الراى العام الذىسيكون شريكا فى الرقابةالى جانب الاجهزة الرقابية المختصة بالدولة.
٤ – وأغرب ما قيل هو أننا بذلك المشروع نفتح الباب على مصراعيه أمام وظيفة (الكفيل الخليجى) من أثرياء دول الخليج على حد قول قائله ، ليكونوا رعاة للمتاحف أو مستثمرين لمقتنياتها، أسوة بمحاولات شراء بعض الأندية الرياضية ، مما يشكل انتهاكا لاستقلالنا وكرامتنا ويهدد بنهب ثرواتنا …وأقول : إن هذا الاستنتاج يفترض وكأننا (لا دولة) اوأننا دولة من الشحاذين بلا كرامة ولا عقل ، وأنه يمكن لاى طامع أن يشترى أغلى مالدينا بجزرة ، فهل وصلنا الى هذا الحد من الشعور بالضآلة والدونية وانهيار الثقة فى أنفسنا ، بل حتى فى مجلس الأمناء من نوعية الشخصيات العامة التى أشرت إليها ..هل فعلا وصلنا الى هذا الحد؟..
والله لو كنا قد وصلنا الى ذلك فعلا فلنلزم بيوتنا ، ولننكفئ على ذواتنا ، ولنقل على الوطن السلام!