… وأين الثقافة فى مثلث بناء الإنسان ؟! عز الدين نجيب

24 يوليو 2018 بجريدة القاهرة

 

عز الدين نجيب
سعدنا بما تضمنه بيان الرئيس السيسى بعد بدء فترة رئاسته الثانية، ومن ثم بما تضمنه بيان الحكومة الجديدة، حول اعتبار الثقافة أحد أضلاع مثلث تنمية بناء الانسان إلى جانب التعليم والصحة خلال السنوات الأربع من الحكم بدءاً من شهر يوليو الحالى.
مصدر السعادة أن الدولة تأخذ – أخيراً – بما ظل المثقفون ينادون به منذ أجيال، بأن تكون الثقافة عنصراً رئيساً فى مخططات التنمية وبناء الانسان، فالإنسان هو ركيزة أى بنيان اجتماعى أو اقتصادى أو سياسى، وبدون الثقافة لن تقوم لهذا الانسان قائمة، كونها التى تشكل هويته وانتماءه ومنظومته القيمية والحضارية القادرة على مواجهة فكر الإرهاب وتيارات التعصب التى تشد الأفراد والمجتمع إلى الوراء مئات السنين، وكونها التى تبنى كذلك وعيه بماضيه وحاضره ومستقبله، وبما يتطلبه هذا المستقبل من تغيير فى نظرة المجتمعات نحو التقدم، وما يقتضيه من تنمية العقلية النقدية، وللقدرة على المشاركة المجتمعية والممارسة الديمقراطية.. وقبل ذلك كله.. فإن التنمية الثقافية تستهدف إطلاق القدرات الإبداعية للأفراد فى كافة المجالات، بعد تحرير العقول من كوابح الفكر الحر الضاربة فى تربة جعلت من هذه الكوابح بديهيات متأصلة فى العادات والأفكار والأنماط السلبية للسلوك، تتوارثها الأجيال منذ عصور الحكم الاستبدادى باسم الدين، أو عصور الاستعمار وظلام القرون الوسطى، أو عبر فترات قهر السلطات للشعب، مما جعله يخلق من مثل هذه الأفكار السلبية وسيلة المقهور للدفاع عن ذاته والصبر على قاهريه.
وغنى عن القول أنه فى القلب من قنوات الثقافة وأدواتها الضرورية تقع الفنون والآداب بكل أنواعها، من سينما ومسرح وفنون تشكيلية وشعبية ومعاهد بحث ومؤسسات ثقافية، تمضى بالتوازى والتكامل مع مؤسسات التعليم بمختلف مراحلها حتى الجامعة، فتلك قاعدة الانطلاق الأولى لأى تنمية ثقافية، ويتوازى معها فى الأهمية وجود مشروع قومى لمحو الأمية، فهناك 20% من المصريين فى عداد الأمية القرائية، فضلاً عن 90% أو أكثر فى عداد الأمية الثقافية الكاملة بين المتعلمين حتى مرحلة التعليم الجامعى وما بعده.
هكذا نجد – نظرياً حتى الآن – اعتدال ميزان الدولة فى نظرتها للثقافة، فليس خافياً على أحد تراجع اهتمامها بالتنمية الثقافية على كافة مستوياتها خلال العقود الأربعة الماضية، إلى حد أن نصيب الفرد فى ميزانية الدولة للأنشطة الثقافية بلغ ثلاثين قرشاً فى السنة، ولا أتحدث عن بنود الأجور والمرتبات والإنشاءات، فليس بكل ذلك تتحقق التنمية الثقافية.. ولم تتوافر لنا معرفة أرقام بنود الثقافة فى ميزانية العام الحالى، وأغلب الظن أنها لم تزد كثيراً عن ميزانيات الأعوام السابقة.
كما لم تتوفر لنا معرفة مخطط الدولة للتنمية الثقافية، أو على الأقل لم ينشر شئ يمكن أن نعتبره استراتيجية جديدة لهذا الفرض، فلو سار الحال على ما كانت تسير عليه الحياة الثقافية بمؤسساتها الرسمية وغير الرسمية لما حصدنا نتيجة تختلف عما نراه الآن من انحدار ثقافى، ومن ثم عن الهدف أو الشعار المعلن بشأن بناء الإنسان والتنمية الثقافية.. فهل تمت صياغة مثل هذه الاستراتيجية كما هو الحال بالنسبة للتعليم والصحة؟.. وإذا كانت قد تمت فلماذا لا تعلن ويدار حولها حوار مجتمعى يشارك فيه المثقفون بكافة تخصصاتهم ورؤاهم؟.. وإذا لم تكن قد وجدت فكيف لنا أن ننتظر أى تحقيق للهدف المنشود؟.. والحق أن الأمر – فى هذه الحالة – لن يبقى على ما هو عليه، بل سيتفاقم بصورة سلبية قاتلة لأية دافعية إيجابية لدى المثقفين للاستجابة مستقبلاً لأى دعوة للمشاركة. حيث سيترسخ مفهوم عدم جدية الدولة فى توجهها نحو التنمية الثقافية وبناء الإنسان، بل سيتنامى لديهم شعور بعدم احترام الدولة لهم بل بعدم اكتراثها أصلاً بوجودهم وبأى دور لهم فى المشاركة.. فهل يُلامون عندئذ إذا أعطوا ظهورهم لأى شأن عام، بل لأى تأييد للحكومة فى مشروعاتها الإصلاحية؟.. وهل يُلامون إذا فضل كل مثقف أو فنان أو كاتب العكوف على مشروعه الخاص بعيداً عن أى نشاط رسمى؟..
تخطئ الدولة خطأ فادحا إذا تجاهلت مثقفيها، ليس فقط لأنها تخسر بذلك عقل الأمة وصناع وعيها ووجدانها، بل كذلك تخسر المستقبل لهذه الأمة، فالمثقفون هم طاقات الإبداع والتنوير والانطلاق نحو ميادين الحداثة والتقدم، بل هم المسئولون عن تنشئة أجيال جديدة ستكون لبنات البناء الوطنى والحضارى فى المستقبل.. فهم أساتذة الجامعات والفنانون والكتاب والمفكرون والمحركون الثقافيون والعاكفون على اشاعة الوعى السليم وتصحيح المفاهيم السلبية عبر وسائل التواصل الاجتماعى، إنهم – إجمالاً – مؤسسوا قيم الحق والخير والجمال، وحراس التاريخ والحضارة، وبدونهم تصبح الحياة قفراً مجدباً، وساحة مستباحة لذوى الفكر الرجعى والمتطرف والإرهابى.
فى هذا السياق يهمنى أن أضع بعض المقترحات لبناء التوجه الثقافى المنشود، على أمل أن يلتفت إليها أصحاب القرار..
• وضع برنامج لمدة عامين لمحو أمية جميع الأميين حتى 35 سنة، يعتمد على برنامج تعليمى يربط بين الكلمة والصورة والمقطع الصوتى وبين القيم ومدركات الوعى، مستعيناً بخريجى الجامعات ممن لم يجدوا فرصاً للعمل، بعد إقامة حلقات تدريب لهم على مناهج العملية التعليمية، على أن ترتبط هذه العملية ببرامج مهنية للعمل فى مجالات يحتاجها سوق العمل، أو بحياة الفلاحين ومشكلات واقعهم، وتتخللها فقرات ثقافية مختلفة من مقاطع فيديو فنية غناء وتمثيلاً وغير ذلك، مستهدف النهوض بوعى الأميين وثقافتهم.
• وجوب اعتماد الأنشطة الثقافية كمواد أساسية فى مختلف مراحل التعليم، مع توفير الأماكن والأدوات والموجهين الضروريين لها، وأخص بالذكر حجرات الفنون، والآداب وكافة الهوايات الفنية، وتوفير القاعات لعروض المسرح والسينما والفنون التشكيلية والمكتبات العامة فى كل تجمع للمدارس فى القرية أو الحى أو المدينة أو المنطقة التعليمية، على أن يُعتمد لذلك نظام الأنشطة التنافسية والتصاعدية بينها فى كل سنة دراسية فى مختلف الفنون المذكورة، وتخصص لها الجوائز الرمزية والحوافز المختلفة شأنها شأن الأنشطة الرياضية.
• دعوة رموز المثقفين فى مختلف التخصصات لمناقشة مناهج التعليم والإسهام بآرائهم فيها بما يؤسس لبناء إنسان جديد ينتمى إلى وطنه وإلى العصر.
• دعم الجامعات لإقامة المسارح والقاعات والمنابر والقنوات المختلفة لتقديم عروض المسرح والسينما والفنون التشكيلية والمكتبات، والالتزام ببرامج فنية وثقافية منظمة طوال العام، بدعوة ومشاركة المثقفين المعنيين بالفن والأدب والفكر، مع إقامة المسابقات التنافسية بينها، وصولاً إلى المستوى القومى فى مختلف المجالات، مع تقديم الدعم اللازم لتنمية المواهب فى كل مجال.
• دعم قصور وبيوت الثقافة بالأقاليم لتاسيس فرق مسرحية وفنون موسيقية وشعبية ومراسم للفنانين وجماعات للبحوث الاجتماعية وخدمة المجتمع، مع اعتماد منهج الأنشطة التفاعلية مع المجتمع المحيط بديلا عن منهج المنصة لإلقاء المحاضرات وعقد الندوات التى لا يحضرها إلا قلة نادرة، مع التركيز على دور السينما وحلقات المناقشة بعد عروض الأفلام مع نقاد متخصصين أو كتاب ومفكرين.
• إقامة مسابقات دورية للقراءة بين مرتادى مكتبات كل إقليم ثقافى يضم مجموعة من القصور، تتخللها برامج للمناقشة الحرة بشكل منتظم للكتب ذات الأهمية فى بناء وعى الشباب.
• العمل على نقل مختلف الأنشطة الثقافية إلى كافة مراكز الشباب والساحات الرياضية بالجمهورية، بما يستلزمه ذلك من تطوير المبانى القائمة وتزويدها بما يستوعب هذه الأنشطة، من قاعات للمكتبة والهوايات الفنية والعروض المسرحية والسينمائية والتشكيلية، ولو عبر أجهزة العروض التكنولوجية الحديثة.
• دعم إقامة الأنشطة الثقافية والفنية فى مختلف الساحات والأحياء الشعبية والحدائق العامة، وتشجيع الفنانين الهواة فى تلك الأحياء على ممارسة أنشطتهم الإبداعية وتحفيزهم بما يلبى طموحهم الذى يستحقونه.
• تخصيص أحد قصور الثقافة فى كل إقليم ثقافى كمركز تدريب واكتساب الدارس مهارات الاتصال مع الجماهير والعمل كمحرك ثقافى، بحيث يكون كل مركز وعاء لصنع القيادات الثقافية حاضراً ومستقبلاً، بالاستعانة بالخبرات صاحبة الدور والتاريخ فى كل مجال ثقافى، على أن تعتمد الدراسة بالمركز على الممارسات الميدانية وسط الجماهير، ويمكن أن يكون قصر الثقافة المقام به هذا المركز نموذجياً بما يتوفر له من إمكانات تلبى كافة الأنشطة الثقافية، وبذلك يكون النجاح فى هذا المركز شرطاً لتولى وظيفة بأى قصر للثقافة.
• يقام فى كل قصر ثقافى مؤتمر شهرى مفتوح حول قضية مجتمعية ملحة تختلف حولها الآراء، وتدعى إليه قامات من أصحاب الرأى والفكر، وتترك الحرية فيه لإطلاق مختلف الآراء، بحيث تكون هذه المؤتمرات أوعية لاكتشاف طاقات إيجابية تحرك المياه الراكدة فى الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية فى كل إقليم، وتمهد لظهور مواهب قيادية فى العمل العام، يتم متابعتها ورصدها من خلال مرصد ثقافى يعمل – بعيداً عن الأضواء – على تنميتها وصقلها للقيام بأدوار مستقبلية.
• لعل من الواضح فيما طرحته اهتمامى بالدور التفاعلى للمثقف فى المجتمع، فى وقت نعترف فيه بأن الثقافة لم تعد مطلباً جماهيرياً للمواطنين بعد عشرات السنوات من التجريف الثقافى ومن العزلة بين المثقف والمجتمع، الأمر الذى يحتم وجود ما يمكن أن أسميه “خلق الاحتياج للثقافة”، أو “تحويل الثقافة إلى ضرورة للمجتمع”.. وهو أمر أصعب بكثير من ممارسة العمل الثقافى فى مناخ مستعد لاستقبال الثقافة.
ويبقى تحقيق كل ذلك رهناً باستعداد الدولة لتحقيق هذا التحول، ومن قبله أن تؤمن بأن تحقيق شعار “التنمية الثقافية وبناء الانسان لن يتم إلا بوضع استراتيجية ثقافية جديدة تؤمن بأهمية اكتمال اضلاع المثلث الذى اشار إليه الرئيس والحكومة..
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »