وفيق المنذر..أحد شهداء الفن !

17 نوفمبر 2022

يذكرنا الفيسبوك بذكرى الفنان الكبير الراحل وفيق المنذر (١٩٣٦ – ٢٠١٤) رحمه الله خلال معرض له وندوة شاركت بالحديث فيها عن أعماله ، كان صاحب رؤية حداثية نابعة من تراث وأصالة ، وأسلوب متميز يزاوج بين التشخيص والتجريد نابع من جذور مصرية صميمة ، تلك الجذور التى قضى طوال عمره الفنى يبحث عنها فى تربة مصر عبر طبقاتها العميقة ، ثم يعود فيشتلها فى تربته الإبداعية الخاصة ، مجربا دؤوبا لشتى التقنيات والخامات ، بين الموزاييك والجرانيوليت ، وهى المادة التى هجٌَنها من مواد الطلاء المعمارى او الديكورى المسطح ، فجعل منها بالتة ألوان تصويرية راقية بالغة الثراء والتنوع ، معمرة بطول عمر الصروح المعمارية العتيقة ، لكنه استخلص منها حالة من الإشراق والنصاعة والنورانية ، أقوى مما تمنحه أى خامة أخرى ، وأصبح المُرَوٌِض الماهر لها ، فمنحته نفسها طيعة حتى ارتبطت بإسمه وحده واختصته بأسرارها.
أعماله الخالدة أغنيات فى عشق مصر ، يتغنى خلالها برموزها التى تتجلى فى تراث مصر الفنى منذ الحضارة المصرية القديمة ، إنسانا ونباتا وطيرا ونيلا وجمادا وحروفا ناطقة بزخم التاريخ ، كما تتجلى فى فيوض الحضارة الإسلامية ورموز القريحة الشعبية ، ليتكون امامنا فى النهاية مزيج دال على صيرورة الهوية المصرية بكساء حداثى يخاطب الإنسانية جميعا.
ومع ذلك عانى كثيرا من الظلم والتهميش والنسيان ، الى درجة أنه لم يكتب عنه أى مقال نقدى أو تحليلى إلا ماكتبته أنا عنه بعد تجاوزه سن الستين فى دراسة وافية بمجلة إبداع ، كما تجاهلت لجان المقتنيات معارضه المتواترة فلم يُقتنَ منه اى عمل تقريبا ليصبح بين مقتنيات متحف الفن الحديث ، وهو الذى حاز الجوائز الأولى منذ شبابه المبكر لدى اشتراكه فى دورات صالون القاهرة السنوى فى الستينيات، عندما كان مجرد قبول عمل الفنان للعرض يعد تدشيناً له كفنان ذى شأن ، فإذا حاولتَ البحث عن سبب لهذا التجاهل الأليم فلن تجد سببا غير أَنَفَته وكبريائه وعزوفه عن مداهنة اى سلطة أو الانضواء تحت شلة من شلل المصالح او حرق البخور لأحد المسؤولين ، وقد تحمل الألم فى صمت واستمر ينتج بغزارة مواريا جرحه العميق لعشرات السنين ، لكنه فى النهاية لم يحتمل جرحه فكواه بالنار بنفسه حتى يندمل فلا يكون نقطة ضعفه ، وذلك بأن قرر اعتزال الرسم ، ثم لفٌَ كل لوحة من لوحاته التى تقارب المئتين فى كفن خاص بكل منها كالمومياء ، ودفنها فى مثواها الأخير فى مخزن يملكه ابنه بضاحية بعيدة ولم يرها بعد ذلك حتى فارق الحياة ، وفى يوم توجه إلى سريره لينام وهو فى كامل صحته وعافيته ، وأغمض عينيه فلم يفتحهما مرة أخرى إلى الأبد!.. وهو ما دعانى لان أكتب عنه فى كتابى “فنانون وشهداء” كأحد شهداء الفن .
وفيق المنذر ليس حالة استثنائية فى تاريخ حركتنا الفنية ممن تعرضوا لمثل هذا الإجحاف الذى يساوى الاغتيال المعنوى ، فقد جاوز عدد الفنانين الذين كتبت عنهم فى كتابى المذكور فنانون وشهداء الأربعين فنانا..
وآه عليك يا مصر ..يا من كنت واهبة الفن والحضارة قبل أن يعرفها الكون!
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »