فيس بوك 23 مارس 2022
فى ساحة دار الأوبرا كان لى فى الأيام الماضية لقاء مع معرض الفنانة منى فتحى بقاعة صلاح طاهر ، وهى المرة الأولى التى ألتقى بأعمال لها ، فلمست عندها بكارة الفطرة ونضارة التجربة لموهبة فطرية وعصامية ، حتى وإن كانت وراءهاخبرات ومعارض سابقة كما أخبرتنى بذلك.
كان المعرض فى مجمله موحيا بتفتح الربيع عبر حقول لا تحدها حدود، مشرقة بورود من شتى الأنواع والألوان ، تجذبك بقوتها ونضارتها لتصبح مأخوذا داخل عالم فسيح من البهجة والفرح بالطبيعة والحياة ، بأسلوب يخلو من المنظور الأكاديمى فى تدرج الأضواء والظلال فى رسم المنظر الطبيعى landscape أو رسم الطبيعة الصامتة still-life بحسابات التكوين البنائى بالمنظور الهندسى ثلاثى الأبعاد ، فأغلب لوحاتها ذات بعدين اثنين ، تتوالى فيها مساحات أفقية أو رأسية وشرائط لونية متتالية ، ويخلق هذا التتالى منظورا من نوع آخر يوحى بالطابع المعروف فى الفنون الشرقية القائمة على التسطيح الزخرفى ، وعلى تماهى الجزء فى محيط الكل ، ولو كان وحدة هندسية أو نباتية أو حروفية متكررة ، إلا أن عالمها يبتعد عن مثل هذه الوحدات الزخرفية وينتمى الى فن التصوير painting من خلال صنع بالتة لونية متماوجة تحتوى جميع الألوان ودرجاتها ، وتقوم على بؤرة مركزية للتكوين أحيانا ، أو على تحليل المساحات اللونية تحليلا ميكروسكوبيا إلى جزيئات دقيقة ، أو تحليلا فسيفسائيا إلى ومضات براقة كالخزف ذى البريق المعدنى أحيانا أخرى ، أو يقوم على الإيحاء بانبثاق شظايا وبروق ضوئية أو لونية من داخل المساحة التى يهيمن عليها لون أساسى كالأحمر أو الأصفر أو الأسود فى أحيان ثالثة ، وفى كل الأحيان تبدو اللوحات أقرب إلى الحس الفطرى من ناحية ، وإلى الحس التجريدى الذى ينآى عن التفاصيل الواقعية فى الطبيعة من ناحية أخرى ، حيث تُختَزَل أشكال الزهور إلى مجرد بقع وشذرات لونية مجردة لا تحاكى الطبيعة .
وقد نرى التكوين فى بعض اللوحات منقسما إلى قسمين متماثلين – بين أعلى وأسفل اللوحة – تماثل الأصل وانعكاسه على الماء ، أو منقسما إلى شطرين رأسيين متقابلين أحدهما على اليمين والآخر على الشمال ، ويبدو ذلك بوضوح فى لوحاتها ذات المساحات العملاقة.
وتجربتها بوجه عام أقرب إلى المدرسة الانطباعية (التأثيرية) كما أشرنا ، ويعد رائدها وعَلَمها الأشهر هو الفنان الفرنسى كلود مونيه ، فى العقد الأول من القرن العشرين ، القائمة على تحليل الضوء إلى عناصره الأساسية ، ليبدو وكأنه يرسل ذبذبات لونية وانطباعات لحظية تتغير بتغير الضوء على المرئيات فى أوقات النهار المختلفة ، تلك النظرية التى طورها الفنان روسى الأصل كاندينسكى ، وتحول بها من حالةالانعكاس البصرى للطبيعة على اللوحة بعد تحليل الضوءواللون فيها ، إلى حالة انعكاس روحى ، تعبيرا عن مشاعر ورؤى باطنية لما بعد الضوء واللون ، أو إلى حالة موسيقية هارمونية ، عبر علاقات الألوان والأشكال ، ولعل ذلك أصبح هو المعطف الذى خرجت منه اتجاهات التجريد المختلفة فى الفنون الغربية خلال القرن العشرين.
وقد نرى أن لِأعمال منى فتحى أبوين روحيين وليس أبا واحدا ، الأول هو المدرسة التجريدية التعبيرية التى مهد الطريق إليها مونيه وكاندينسكى كما أشرنا ، والثانى هو التجريدية الزخرفية اللصيقة بأغلب الفنون الشرقية ، ويبدو ذلك فى التصفيف المتكرر للمساحات الأفقية فى تكوين اللوحة كما سبق القول ، وقد لا تكون الفنانة على دراية بالأسس النظرية لكلا الاتجاهين ، كونها فنانة غير أكاديمية لم تدرس الفن فى كلية متخصصة ، حيث دخلت ميدان الفن من باب الهوايةوالعشق والتجربة ، بعيدا كل البعد عن دراستها العلمية وعن مجال تخصصها وعملها ، لكن مشاعرها الفطرية وتجاربها الذاتيةبحس تلقائى وإصرار عصامى ، هى التى قادتها إلى هذا الطريق ، وذلك ما يدعونى أكثر إلى تشجيعها وإنارة الطريق أمامها لاستكمال ما ينقصها من تأسيس نظرى حول مدارس الفن واتجاهاته ومفاهيمه المختلفة ، خاصة وأن طموحها يتجاوز شواطئ الهواية ، للإبحار فى محيط الفن الذى لا تحده شطآن.