فيس بوك 25 مايو 2021
مثلما باعدت السياسة بين الأقطار والشعوب العربية طوال العقود الأخيرة ، فقد قطعت الطرق أمام مبدعيها ومثقفيها وجعلتهم فى جزر منعزلة ، حتى بعيدا عن الأوطان فى كثير من الأحيان ، حين استحالت الأوطان سجونا أو جحيما ، وأطفئت أضواء مهرجانات الفن والشعر والرواية والمسرح والسينما إلا قليلا ، وهذا القليل بات محكوما بإطارات مسيٌَسة واختيارات حكومية ، ولاؤها لمن رشحها للمشاركة ، بعد أن كان الولاء للإبداع قبل السياسة ، وللقيمة قبل المصلحة ، وفوق النظم لا رهن إشارتها ، كانت تلك الملتقيات تجمعهم فى العام الواحد غير مرة ، بين القاهرة وبغداد ودمشق وعمٌَان والإسكندرية والشارقة وغيرهن ، فتجتمع – قبل الأجساد – القلوب والمشاعر والعقول والأفكار والرؤى المتجاوزة للحدود ، وتحيل “الوحدة القومية” إلى معنى أرقى من كل الشعارات الجوفاء ، دون حاجة إلى ذكر إحدى الكلمتين.
الفنان السورى الكبير أسعد عرابى (١٩٤١) كان أحد الوجوه المتألقة التى تجمعنا بها مثل هذه الملتقيات ، وكان يثرى بمداخلاته كلا من بينالى القاهرة والإسكندرية الدوليين ، آتيا فى الغالب من باريس حيث يقيم ويعمل منذ عقود ، ثم انقطعت السبل بيننا منذ ما قبل ثورات الربيع العربى ، لكنه ظل حاضرا فى ذاكرتى بإبداعاته الفنية وأطروحاته الجمالية ولغته العربية المنحوتة ، كأحد نابهى المثقفين والمبدعين العرب ، خاصة وأنه لم يقف عند دراسته الأكاديمية للفن فى دمشق التى أنهاها عام ١٩٦٦ ، بل استكملها فى أكاديمية باريس ثم فى جامعة السوربون حتى حصل على الدكتوراه فى علم الجمال عام ١٩٨٧ ، وواصل مسيرته بين التدريس والمشاركة فى الأنشطة الفنية بين العواصم الأوروبية والعربية، وحاز العديد من الجوائز ، واقتنيت أعمال كثيرة له بمتاحف كبرى حول العالم. وكان من حسنات الفيسبوك مؤخرا أنه نشر (ألبوما)كبيرا للوحاته بواسطة صديق له مقيم بأثينا ، فجعلنا فى قلب معرض شامل لأعماله ، ووجدتها فرصة كى أصحب أصدقاء فيسبوك فى جولة وسط عالمه.
على الرغم ما اعتدناه من هيمنة طابع الفن الأوروبى – والغربى عامة – على أساليب الفنانين العرب الذين يعيشون فى دول الغرب وعواصمه – وعلى رأسها باريس – فقد تمسك أسعد عرابى باستقلاليته الفنية والفكرية وبحسه العربى ، بدءا من امتلاك رؤية تضرب بجذورها فى وجدان الشرق وروح الثقافة العربية ، رغم التماهى جماليا مع روح العصر وطابع الحداثة الغربية ، متصاعدا مع مقاماتها اللحنية – لونا وخطا وبناء وإيقاعا – من التعبيرية إلى التكعيبية والتجريدية ، على النحو الذى يخدم “التيمة” أو الموضوع الذى يحرص على ان تحمله اللوحة ، كرؤية ودلالة للحالة الوجودية التى يحياها كإنسان او يمر بها المواطن فى بلده ، او الإنسان بشكل مطلق ، وربما كانت “التعبيرية” هى الكلمة الأقرب لاختزال خياره الأسلوبى من بين اتجاهات الفن الحديث فى أوروبا رغم مضى ما يزيد عن قرن على بداية انطلاق هذه المدرسة هناك ، لكنه لا يبحث عن “آخر صيحة” ، بل عما يلائم خصوصيته وانتماءه الوطنى ، بقدر ما ينتمى فى ذات الوقت إلى العالم كله.
والتعبيرية ليست إلا إطارا واسعا مفتوحا بلا حدود قاطعة ، ولعله الإطار الفنى الوحيد الذى يقبل الجمع بين عدة أساليب وسمات تتدرج كقوس قزح من الواقعية إلى التجريد ، متعايشة بتوافق مع ملامح أخرى من السريالية والتكعيبية والرمزية دون ان تخضع لقواعدها المنهجية ، ما يجعلنى أسميها “تعبيرية بلا ضفاف” ، على أن الأصل قبل كل ذلك هو الفرادة فيما يختاره الفنان من عناصر وأساليب ، وليس القالب المصمت الذى يصب فيه رؤيته ، وهذه الفرادة بمثابة البصمة الخاصة للفنان التى تتجاوز كافة التصنيفات المذهبية والمدرسية المعروفة ، خاصة وأن العصر قد تجاوز كل التصنيفات المغلقة ، مفسحا الفضاء لابتكارات حرة بلا حصر ، بل ربما يسمح بالعودة الى خصائص كلاسيكية أو تراثية لتوضع فى رؤى مبتكرة…المهم هو توفر البصمة الفريدة للفنان بين ما يزدحم به العالم من أساليب وتوجهات.
السؤال هو: عن أى شىء يعبر عرابى؟
أراه معنيا – أساسا -ببلوغ حالة قد تكون نوعا من الحنين أو الروحانية او الغنائية الصداحة ، كلُُ على حدة ، إنه يرسم الصوت وذبذباته النابضة ، إلى حد التماهى مع الآلات الموسيقية ذاتها وإحالتها إلى مشخصات حية ، أو إلى أصداء لونية ذات رنين ، بكلمة أخرى إنه يتوق إلى “موسقة” الأشكال والألوان، وقد وجد فى ألحان سيدة الغناء العربى أم كلثوم وتختها الموسيقى مادة خصبة لبلوغ هذه الحالة الروحانية ، لقد بدأ بالإيقاعات الطربية إذ تتردد خطيا ولونيا فى ارتعاشات تكاد تسمعها العين وتستعيدها الأذن بالصوت ، وتغريك بالمشاركة عبر ذبذبات الرتابة الطربية و الانخراط فى اللحن حد التمايل والرقص ، او التصاعد الموسيقى إلى مقامات الطرب الصوفى ، ويحاول الوصول بالمشاهد – عند ذروة إشراق النفس – الى حالة التجلى التى تتلو حالة الطرب والوجد ، ويبحث عن المعادل البصرى للألحان والإيقاعات الصوتية ، بما نسميه التلحين اللونى والتوقيع الخطى (من الإيقاع) ، ولا يكتفى بذلك بل يصل إلى حالة التقمص الواقعى لسيدة الغناء وتختها الشرقى ، فلا يتردد فى رسمها بملامحها الواقعية وهى مندمجة فى تجليات الوجد خلال عديد من اللوحات مع أفراد فرقتها المعروفين وآلاتهم الموسيقية كالعود والكمان والقانون والناى والتشيللو.
فهل تراه انزلق ليغازل- بهذا الوضوح- الذوق السطحى والوظيفة التجارية للوحة؟..لا..لقد أنقذته من ذلك قدرته على البناء الفنى بمنطق اللغة البصرية ، وعلى تطويعهالتحقيق الحس النغمى ، وهى لغة تقوم على التسطيح والتجسيد معا لتنغيم الشكل بعيدا عن منطق الواقع المرئى ، وعلى خلق الإحساس بالترديد اللحنى المنتظم ، بصخب لونى حينا ، وذبذبةخطية حينا آخر ، وفى الحالتين يجعل الأشكال متحررة من المحاكاة للواقع، حيث يتم البناء بالضوء والظل والخط واللون ، خارج سياق التشخيص الواقعى ، وعلى الجمع – أخيرا – بين الرتابة الخطية (بحس الطرب) وبين التقابل المتضاد فى الحركة والاتجاه (بحس التأليف البوليفونى)بشكل أوركسترالى شعبى إن جاز التعبير.
والحق أننى لست بصدد كتابة دراسة وافية لأعمال أسعد عرابى ، فليس هنا مكانها ، كما ان الحالة الطربية أو الصوفية او الكلثومية كما يسميها ويهيم بها عشقا ، ليست إلا أحد دوال تجربته الفنية العريضة ، فلديه محطات وسمات ومداخل أخرى مهمة ، قد تغرينى يوما بكتابة دراسةوافية عن هذه الرحلة الإبداعية.

