أنا وهؤلاء.. عز الدين نجيب يتحدث عن ذكريات “شقة العجوزة”

على مدار تاريخه الأدبي والفني، رافق الكاتب والفنان التشكيلي عز الدين نجيب الذي تم اختياره مؤخرًا رئيسًا لمؤتمر أدباء مصر في دورته المقبلة، العديد من التشكيليين البارزين، وبعض من الأدباء والشعراء المصريين، الذين جمعتهم العديد من اللقاءات، والمناقشات، التي تركت ذكريات بداخله، التي يستطيع الزمن محوها رغم مرور أكثر من نصف قرن عليها.

فصادق عز الدين نجيب، الفنان الكبير حامد ندا، والفنانة إنجي أفلاطون، والفنان محمد راتب صديق، وكذلك الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، وسيد حجاب، والمفكر محمود أمين العام، وجميعهم كانوا لهم تأثير كبير في مسيرة “نجيب” الإبداعية سواء على المستوى الفني أو الأدبي.

حامد ندا كان يستغل ضعف السمع في الهروب من بعض الأحاديث
جمعتنا ذكريات مشتركة، منها الجيرة في السكن بمصر الجديدة في الستينيات، والزمالة في مراسم قصر “المسافرخانة”، ووكالة الغوري في السبعينيات والثمانينيات، وكانت بينا العديد من الحكايات عن فترة جماعة الفن المعاصر، وكانت مصدر مهم بالنسبة لي كناقد، وشهدت مولد عدد من أعماله الفنية من “المسافرخانة”.

روح حامد ندا كانت تلقائية إلى حد الطفولة، وأحلامه تغلبت على عزلته الصوتية بسبب مشكلة السمع لديه التي ساعدته على صنع عالمه الفتنازي في حكايته ولوحاته واراءه النقدية، وقد ساعدني كل ذلك في الكتابة عنه وعن جيله في كتبي ومقالتي النقدية.

كان حامد ندا يستخدم ضعف السمع في عدم الإجابة عن بعض الموضوعات التي لا يرغب الحديث فيها، وقد يكون يسمعها بنسبة معينة إلا أنه كان يفضل عدم الحديث فيها.
كان حامد ندا يؤكد دائما أنه الأسبق من عبد الهادي الجزار في الدخول لعالم السيريالية.

إنجي أفلاطون دَعمت شباب الفنانين بإقتناء أعمالهم
هي أكثر من عرفتهم من الفنانين اهتماما بقضايا العدالة الاجتماعية والوطنية، وأكثرهم شجاعة في اتخاذ الموقف النضالي في تحقيق فكره، حتى أنها تحدت طبقها الاستقراطية وانضمت إلى منظمات حورية، وامتنعت عن الاعتماد على دخل حياتها من أسرتها، مما جعلها تتعلم الكتابة على الآلة الكاتبة باللغة العربية، وتجعل ذلك مصدر دخلها الذي تعيش منه.
وأدى انضمامها إلى منظمات ثورية إلى دخولها السجن 4 سنوات، وقد جمعنا العمل من أجل الوطن والقضية الفلسطينية، والدفاع عن الثقافة القومية في اللجنة التي تحمل هذا الاسم.
جمعتنا كذلك عضوية مجلس إدارة أتيليه القاهرة لسنوات طويلة، وأعتز بأنني قمت بجمع كل تراثها وتوثيقه بعد رحيلها، وهو يقرب من 1000 لوحة.

إنجي كانت تهتم بالفنانين الشباب وتقتني أعمالهم من مالها الخاص تشجيعا لهم، وقد حصلت على 36 لوحة من هذه الأعمال بين الإرث الذي تركته بعد وفاتها.

الفنان محمد راتب صديق كبير العائلة الثقافية
كان نموذجا نادرا في القيادة الهادئة الرصينة في العمل الثقافي، كنت خلالها ذراعه الأيمن خلال فترة توليه رئاسة الأتيليه، فهو نموذج في قبول إختلاف الأراء بحكم تعدد اتجاهات أعضاء الأتيليه وسلوكيات المثقفين التي تكون غير منضبطة في بعض الأحيان.
كان يمثل كبير العائلة الثقافية ورابطة المودة والتواصل بين الأجيال، سواء في لقاءات الأتيلية أو في بيته في المنيب، حيث كان يقيم حفلا ضخما كل عام في مأدبة كبيرة من مئات الأصدقاء من المثقفين والأصدقاء.
قبل رحيله كتب وصيته بوهب البيت للدولة بكل لوحاته لتكون متحفا باسمه، وتم تجديد المبنى خلال السنوات الماضية وأصبح مركز ثقافي مهم.
أذكر له، أنه أوصى بأن أخلفه في رئاسة الأتيليه بعد رحيله، رغم أن ذلك ليس قانونيا، لكن بعد إجراء الانتخابات لشغل المنصب تم اختيار لرئاسة الأتيليه لمدة عام، واعتزلت بعد ذلك.

عبد الرحمن الأبنودي أول من ساندني في نشر الثقافة بكفر الشيخ
كان رفيق لرحلة الفن والثقافة والنضال السياسي، منذ أن نزل إلى القاهرة من بلدة في الصعيد أوائل الستينيات، جمعتنا لقاءات شقة العجوزة، التي أطلق عليه مستعمرة الفنانين، حيث كنا مجموعة من طلبة كلية الفنون الجميلة، ونستقبل كل يوم أعداد متنوعة من شعراء وكتاب قصة، ونقاد وغيرهم، فكانت الشقة تبدوأ، سوق عكاز للحوار الفكري المفتوح في كل الاتجاهات.
كان يعمل بروحين، في الصباح مع عبد الحليم حافظ، والأغاني المنتشرة شعبيا، ومساء اللقاء السياسية.
الأبنودي من أول الشعراء الذين أتوا لمساندتي في العمل الثقافي لإشاعة التنوير والتقدم في محافظة كفر الشيخ، عقب تكليفي بمنصب ثقافي هناك، وكانت له شعبية كبيرة جدا من الفلاحين، في قرى كفر الشيخ، وكنت اعتبره مؤسسة ثقافية متحركة.

سيد حجاب كان يجرب فينا قصائده بشقة العجوزة
كان سقراطي فقير، حيث كان سقراطي في أسلوبه، فهو كان نبيل وشيك، لتمكنه من اللغة الفرنسية، وفي نفس الوقت كانت يكتب أشعاره باللغة العامية من قبل الواقع الشعبي الفقير.
كان سيد حجاب يتردد دائما على شقة العجوزة مرتين أو ثلاثة في الأسبوع ليجرب فينا قصائده، قبل نشرها للعامة، ويعرف رد الفعل.
وكان أكثر المهرجين معه في الشقة الفنان الدسوقي فهمي، والفنان مكرم حنين، الذي كانت بيني وبينه منافسة في كتابة القصة القصيرة إلى جانب الفن، والتي كانت تخلق نوع من الغيرة.

سعد كامل راهن عليا في نشر الثقافة بين بقايا الإقطاعيين
مؤسس الثقافة الجماهيرية، هو من أعاد إلي الثقة بالعمل الثقافي بالأقاليم، ورشحني من أول لقاء بيننا لأتولى مدير قصر ثقافة كفر الشيخ، وكان عمري وقتها 26 عامًا وكان راهنا به مخاطرة، وخاصة أن هذه المنطقة كانت بؤرة لبقايا الإقطاع القديم والتخلف الثقافي والفقر، مما كان يستدعي مواجهة قوية من نوع مختلف، في الوقت الذي لم يكن في المحافظة قصر ثقافة من الأساس، ووقف ظهيرا لي في إنشاء أول قصر في هذه المحافظة، بالتحدي للقوى الرجعية المعارضة.
ومن حسن الحظ أن الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة وقتها، كان رائدا في هذا الاتجاه بالاعتماد على الشباب وأدين لهما بكل الخبرات الثقافية التي إكتسبتها طوال حياتي، وتحملهما تبعات جموحي واندفاعي في مواجهة الأجهزة الرسمية ثقافيا وفنيا.
المحزن في نهاية عمل سعد كامل، أنه تم إبعاده من الثقافة الجماهيرية إلى دار الكتب موظفًا بلا اختصاصات، وقيل له يمكن أن لا يحضر إلى العمل يوميًا بإعتبار أن هذا فترة قصيرة سوف تنتهي ويعود إلى عمله، وإذا به يفاجأ بأنه صدر قرار بفصله لتغيبه عن الحضور للعمل، وكأنها كانت خطة للإطاحة به، وعاد إلى مهمته الأصلية كصحفي بجريدة الأخبار.

محمود أمين العالم المفكر أستاذي ومثلي الأعلى
كان بمثابة استاذي، ومثلي الأعلى في القيام بدور المثقف الملتزم، بتقدم وطني والإخلاص للعمل الثقافي والإبداعي، وكان نموذجا للتضحية وإنكار الذات في سبيل ما يؤمن به، إلى حد تحمل التعذيب لسنوات طويلة.
لكنه بعدما عاد استأنف نشاطه الفكري والأدبي والنقدي وكأنه لم يتعرض لأي أذى أو ظلم، وهو كان نموذج في تنوع مصادر الفكر الإنساني بين الفلسفة والسياسة والأدب والفن مما كان له دور في تأسيسي كناقد وفنان.
وأعتز كثيرا بمقدمته التي كتبها لكتابي بعنوان ” مواسم السجن والأزهار”، عام 1998، وكأنه يقدم لي باقة من الورد.

الدكتور علي النويجي ساعدني في خوض القيادة الثقافية
من قادة الفكر والنضال الثقافي بمحافظة كفر الشيخ، لكن قبل ذلك هو نموذج عظيم للطبيب الإنسان المؤمن بتقدم وطنه، وكان خير سند لي في تجربة قصر ثقافة كفر الشيخ، كابن مخلص لواقعه في الريف، وكان له جاذبية شديدة بالنسبة للشباب مثلي وأخرين من أبناء المحافظة، جعلته كأب روحي لنا جمعيًا، يضرب المثل في التضحية لأمنه واستقراره، في سبيل ما يؤمن به.
أدين له بمساعدتي في تكوين فريق من الشباب ليخوض معي القيادة الثقافية.

الفنان محمود عبد العاطي خاطر بحياته من أجلي
من أكثر من ارتبط بهم إنسانيا بين الفنانين التشكيليين، وأكثر من حزنت على وفاته المبكرة في مفارقة قبلية، وهو يعمل بالكويت، وبعد اغتراب سنوات طويلة توفي فجأة وهو يعد حقائبه للعودة إلى وطنه كان شديد الغيرة على أهل وطنه، وحبه للوقوف إلى جانب أصدقائه وزملائه والتضامن الإيجابي في المواقف التي لا تحقق أي مصلحة شخصية له.

لا أنسى دوره فترة تحطيم مرسمي بالمسافر خانة، بالسبعينيات، عندما بادر بجمع توقيعات على بيان بإدانة المسؤلين عن هذا الفعل من جهات قد يمكن أن تقوم بإيذاءه مخاطرا بحياته.

وكان لهذا البيان دور مهم أمام القاضي عند نظر القضية، وترك تأثيره في الحكم لصالحي واستمر محمود حتى آخر حياته شديد الإخلاص لصداقتنا المتجردة من أي أغراض.

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »