عز الدين نجيب
فيس بوك 19 يوليو 2020
يضطرنا الأمر الواقع الى التعايش مع فيروس كورونا ، فلا خيار غيره أمامنا ، لأن البديل هو الموت ، لكن ما الذى يضطرنا الى التعايش مع الفساد وأمامنا بدائل كثيرة؟…
لكل شخص بالطبع أسبابه ، و قد لا تكون اضطرارية ، بل قد تكون مجرد سكة مختصرة تغنيه عن مشوار طويل ، وقد تكون نوعا من التصالح تمليه المصالح ، وقد تكون يأسا من الإصلاح ، لكن أسوأ الاحتمالات هو التعود على قبول الفساد والتعايش معه فى البيئة أو المنطقة التى يعيش الناس فيها ، باعتباره أمرا واقعا ومعتادا للجميع ، فيتواطأون على قبوله واللعب معه ، او على إراحة الرأس من صداعه فيتجاهلون وجوده ، حتى أن الإنسان قد يستطيع التعايش مع انبعاثات روائح كريهة من كوم هائل للقمامة تحت بيته ، وذلك بإصدار أمر لحاسة الشم عنده لتتغاضى عن هذه الروائح فيتعود على وجودها ، ويقنع نفسه بعدم أهميتها طالما لا تتوقف حياته بسببها ، خاصة إذا وجد ممرا خاصا يسلكه لقضاء مصالحه بعيدا عنها.
قد تكون هذه المقدمة الطويلة غريبة بالنسبة للحديث عن نقابة الفنانين التشكيليين، كونها رمز للجمال والقيم الحضارية ومواجهة القبح ، وصوت الفنانين الراقى الى المجتمع، أو هذا ما ينبغى أن يكون ، لكننا لو اقتربنا من المشهد بزاوية عدسة زوم سنجد المقدمة منطبقة على الحالة بوجهيها..
الوجه الاول وجه الفساد والانهيار المؤسسى بصورة نموذجية ؛ بين استبداد الفرد(النقيب) وتعطيل انعقاد مجلس الإدارة لاكثر من خمسة شهور وعدم أخذ آراء أعضائه مطلقا فيما تتخذه النقيبة من قرارات منفردة ، بعضها يهين الفنانين ويحط من قدرهم، ومن يعترض منهم يحال الى لجان التحقيق والتأديب، وقد يتعرضون لحملات تجريح ممنهجة على وسائط التواصل الاجتماعى ، فيما تمضى النقيبة فى إجراءاتها الانفرادية المطلقة بتقديم حقوق الحائزين على أراضى للبناء التعاونى لقمة سائغة لبعض المقاولين العقاريين ، بزيادة ٣٠ ضعف ما اشتروا الأرض عليه ، وتعطى الحق لهؤلاء المطورين العقاريين باقتسام اكثر من ٥٠% من مساحة المشروع دون حتى موافقة أصحاب الأرض، وتتصرف فى شئون النقابة كضيعة خاصة ، وتعاقب من يعارضها بشطبه من الموقع الالكترونى للنقابة وهو المنصة الوحيدة المتاحة للتعبير عن الرأى…الخ..الخ…كل ذلك وغيره اضيف الى ميراث قديم تركه نقباء ومجالس إدارة سابقون لم يجدوا من يحاسبهم علىأفعالهم ، من تبديد حقوق الأعضاء وتكريس عزلتهم عن المجتمع، وإهانتهم بتقرير معاش شهرى لا يكفى لإطعام قطة ، وإهدار عشرات الفرص والمشروعات للنهوض بأوضاعهم.
أما الوجه الآخر فيمثله آلاف الأعضاء
(بلغوا ١٦ ألفا)، لكن ثلثيهم قطعوا علاقتهم بالنقابة وتوقفوا عن تسديد اشتراكهم السنوى تعبيرا عن الانسحاب الكامل منها ، والثلث الباقى(المسددون..وهم حوالى ستة آلاف أغلبهم على المعاش) ، لم يعودوا يكترثون بحضور الجمعيات العمومية بما فيها المخصصة لانتخاب النقيب والمجلس، حتى أن آخر جمعية عمومية انعقدت اواخر العام الماضى بعد أكثر من ست سنوات ،وبحضور ١٠%من الثلث المسدد بعد تعديل اللائحة لتسمح بذلك..هذا فى ظل غياب كامل للحراك الفكرى المولٌد لطاقة التغيير والصانع لآلية الفرز التى تؤدى الى اختيار صحيح للقيادات المنتخبة ، والأخطر ؛ هو التأثير الكثيف – فى مشهد الانتخابات – للعصبية الفئوية، بانحياز أبناء كل كلية الى مرشحهم كأى مجتمع قبلى لا يعنيه إلا سيادة القبيلة ، فكانت النتيجة هى ما نراه اليوم!
وفى المنطقة الوسطى بين الوجهين المذكورين، بزغت مؤخرا صحوة من الأعضاء الغيورين على النقابة وصالح الفنان ، وعلى امتداد ستة أشهر بعد الانتخابات ظلت تقاوم التردى والانهيار، وتقوٌِى من عزيمة الشرفاء والإيجابيين من أعضاء المجلس المغلوبين على أمرهم ، وتقترح الحلول للإصلاح والتغيير ، وتستقطب أعدادا من الأغلبية الصامتة المنسحبة من العمل النقابى ، وقد حاولت هذه المجموعة فى البداية الدفع نحو ترميم البيت الآيل للسقوط، بحث النقيبة على عقد المجلس وإتاحة الفرصة له لتولى دوره ومهامه، وعلى الحفاظ علىكرامة الفنان برفض قبول كراتين الصدقة لمساعدتهم ، وعلى تبنٌِى بعض المشروعات الكفيلة بالنهوض بالأوضاع المهينة للفنانين وعلى رأسها المعاش غير الكريم بأى معيار ، والعجز عن توفير الأدوات والمواد الفنية للإنتاج بالنسبة لأغلب الأعضاء ، كما حاولت المجموعة مساعدة النقيبة على التحرك بمجلس الادارة لتنفيذها، وعلى ترشيد سلوكها المنفلت والمنفرد بأسلوب غير مسبوق فى تاريخ العمل النقابى حتى فى أسوأ فتراته ، وحاول أفراد هذه المجموعة وضع مرآة أمام النقيبة لترى فيها ما يخفيه عنها المستفيدون من ورائها ، وعندما وجدوا ان كل ذلك لم يأت إلا بمزيد من العناد والانفراد والانفلات ، دون أن تكترث حتى بوضعها القانونى الحرج وهى ملاحقة بقضايا فساد تتداولها المحاكم ، اتجهوا الى الخيار الصعب المتاح قانونا بطلب سحب الثقة لتغيير الأوضاع كحل جذرى ، والآن نرى الأعداد تتزايد يوما بعد يوم مؤيدة لذلك التيار ، وتنبئ باكتمال الشروط القانونية اللازمة للانعقاد وسحب الثقة ، لتتم العملية بشكل حضارى وديمقراطى يليق بالفنانين.
وبالتوازى مع هذا الخط ظهرت نقطة تحول حاسمة، حيث تبلورت وتصاعدت إرادة التغيير من داخل مجلس الإدارة نفسه ، للمطالبة بما يتيحه لهم القانون بعقد جمعية عمومية طارئة لتنظر فى مصير نقابتهم، وبذلك ينضم المجلس إلى القاعدة العريضة مستشعرا نبضها ، ورافعا صوت مَن منحوه أصواتهم وحمٌَلوه الأمانة.
لكن السؤال المحير هو : أين الآلاف من ساكنى برج الصمت ومِن المستسلمين للرائحة التى باتت تزكم الأنوف؟..هل تكيفوا مع فيروس الفساد وانتهى الأمر؟..أم ظنوا أنهم يحققون مصالحهم من خلال هذا التكيف؟..أم يحسبون انهم بغير حاجة أصلا الى النقابة “خربت ام عمرت” ؟..غير أنهم لا يدركون أن التكيف مع كورونا حتى مع استخدام الكمامات والمطهرات لم يمنع سقوط المزيد من المصابين والموتى كل يوم ، كما لن ينقذهم البقاء فى البيت بدلا من المواجهة..
فاحترسوا..الانسحاب من المواجهة فيه سم قاتل..وسريع العدوى!