بقاعة الباب بساحة الأوبرا أقيم هذا المعرض. اسم صاحبه لم يتردد فى الحركة الفنية من قبل. ساقنى الفضول لرؤية أعماله . من النظرة الاولى أدركت أننى أمام صوت متفرد ومتمكن ، يتعامل مع الواقع برؤية سريالية ، ومع السريالية بحس إنسانى ، ومع الانسان بمفهوم وجودى . ليس فى لوحاته غير الانسان ، او بالأحرى:الكينونة الانسانية المطلقة ، فى صراعها ، فى التحامها بالوجود ، فى اندماجها بالمجموع ، الى حد التلاشى والذوبان ، تناحرا أو عشقا أو تكاملا أو توحدا ، عبرخطوط منحنية دائرية متدا خلة ومتشابكة ، وطبقات لونية دافئة أو متأكسدة ، بين الأخضر والوردى والبرتقالى والأزرق والرمادى ، أقرب الى ألوان الجداريات العتيقة فى زمن بعيد ، وكأن المعرض جميعه لوحة جدارية ودرامية تفرقت الى عشرات اللوحات المتجاورة ، لوحة تنم عن تمكن من مهارات كلاسيكية وحداثية فى ذات الوقت ، بغير محاكاة لأساليب أى مدرسة أو اتجاه منها.
من هو هذا الفنان /المفاجأة؟ ، من أين جاء وأين كان؟ ، ما عمره؟ ، وأين درس الفن؟ …وكأنه هبط من كوكب آخر مستويا ناضجا لم يتقلب بين استعراضات صالون الشباب وشقلبات ما بعد الحداثة المراهقة ، قرأت فى مطبوعة المعرض انه خريج كلية التربية الفنية عام ١٩٦٥ فازددت دهشة ، فليس هذا طابع اساليب خريجيها ولا منهج أساتذتها ، ثم قرأت انه أقام بعض المعارض فى مسقط رأسه كفر الشيخ ومحافظات أخرى ، ثم سافر للعمل فى الكويت وقضى بها سنوات قبل أن يولى وجهه نحو روما ، واستأنف دراسته فى أكاديميتها ، ثم استمر فى العيش بإيطاليا حتى الآن.
هنا زالت دهشتى ؛ فقد تبلورت هناك موهبته ، لكننى خرجت بنتيجة مدهشة : هى أن هذه الموهبة من النوع العابر للمرجعيات العرقية والجغرافية والأكاديمية والحداثية ، نوع يحتوى مخزونا من ذلك كله ، ومن القدرة على تجاوزه أيضا ، نوع قادر على أن يبنى وأن يحطم فى ذات الوقت ، هو بناء(بتشديد النون)لكتل بشرية عارية كما خلقها الله ، باحترام لقوانين التشريح والنسب والحركة لدرجة الاقتراب من أساليب فن عصر النهضة الكلاسيكية ، دون أن يقع فى غوايتها التى تداعب أذواق العامة ، وهو يعمل كذلك على إذابة هذه الملامح حتى تصبح اقرب الى المادة الهلامية السائلة أو الى التجريد ، وقد ابتعد تماما عن أية تفاصيل واقعية ، باحثا عن الوحدة العضوية بين حالات التصارع والتفاعل ، بين صور ضحايا الحروب وحالات العشق المحموم ، إذ تبدو أجساده متلاحمة كعجينة كونية متداخلة من صلصال او من بقايا زلزال مدينة بومباى الرومانية بأجسادها المتعانقة ، نوع من اللعنة او التوحد الوجودى ازاء رعب كابوسى ، لعله الرعب المهيمن على كوكب البشر يدفعهم الى البحث الملتاث عن خلاص مستعصى بل مستحيل من مصير محتوم!
هو إذن فنان ذو رؤية ، قد تكون فلسفية أو وجودية أو تراجيدية أوميتافيزيقية حول الوجود والعدم ، وقد تكون تشاؤمية نابعة من هواجس حضارة مأزومة مهددة بكابوس الفناء ، إن بالحروب أو بانقلابات الطبيعة والبيئة أو بسعار المصالح المادية أو بغزو المهاجرين الجياع واجتياح الهويات ، حتى يفقد الانسان إنسانيته….ربما كان أحمد بشر يعيش فى خضم هذه الثقافة مفتقدا روح الجماعة الوطنية وحضنها الدافئ.
وأيا ما كانت دوافعه التعبيرية ومدى صدق تأويلنا لها أو عدمه ، فإن إبداعه ينبع من حس جمالى عارم ، يصل باللوحة التشخيصية الى آفاق التجريد ، ويصل بالتجريد الى بلاغة القدرة على حمل المعانى الفلسفية وطرح الأسئلة الوجودية والجمالية حول جوهر الشكل والمضمون …وهو فى النهاية صوت مصرى لا ينبغى تجاهله ، علينا أن نحتفى به والحوار معه واحتواؤه فى حضن الوطن.