1 ابريل 2019
انتهى شهر مارس لكن معارضه لم تنته ، فما زالت هناك أربعة معارض لم يسعفنى الوقت للكتابة عنها ، وسأبدأ اليوم فى نشر مقالاتى عنها تباعا قبل ان أعرض لأعمال شهر أبريل.
فى معرضه بقاعة قرطبة بالمهندسين يواصل الفنان احمد عبد الجواد تقديم عالمه الجنوبى الذى نشأ وعاش فيه وتشبع بذكرياته الانسانية ومعطياته البصرية والجمالية، تلك التى أخلص لها إخلاصه لحب وحيد لا يقبل عنه بديلا ، فانعكست فى لوحاته كل سمات مجتمع أسوان والنوبة وتكونت من خلالها مدركاته القيمية ، وأراها تتركز فى ثلاث سمات اجتماعية : الأولى هى الترابط والتلاحم بين أبناء هذا المجتمع فى إحساس جمعى بوحدة المصير فى السراء والضراء ، وتبلور ذلك فى تنامى ثقافة الزحام سلبا أو إيجابا ، والثانية هى عمق المشاعر الدينية والصلة الحميمة بأولياء الله الصالحين ، التى تلخص نزعة التسليم القدرى والحس الصوفى الغالب على طبيعة الأهالى ، والثالثة هى المغالاة فى إظهار حالات الفرح أو الحزن او الاستمتاع بالحياة ، عبر تجمعات بشرية تنتج زخما من الزحام لا يكاد ينفض حتى يتجمع من جديد ، محدثا نوعا من الصخب .
هذه السمات الثلاث تمثل عصب المزاج الفنى لعبد الجواد ،من خلال رؤى بصرية وجمالية ، تحمل الكثير من خصائص روح البيئة فى الألوان والأزياء وعمارة البيوت وزخارف الجدران والأبواب ومشغولات الحلى وأدوات الحياة اليومية ، تلك العناصر التى أصبحت دوالٌ رمزية أو أيقونات جمالية يكتسى بها البشر والجدران والمكان ، فتتشكل من خلالها حالات الزحام فى مناسبات الأحزان والأعياد والأفراح الجماعية أو جلسات الأنس والاسترخاء والحكى على المصاطب والمقاهى ، وأضيف اليها عوامل الطبيعة الجويةمن سطوع االضوء والتباين بين النور والظل ،فيسفر ذلك عن سيادة اللون الابيض الشاهق فى جلاليب وعمائم وتلافيح الرجال ، بالتضاد مع وجوههم السمراء ، التى شكلت حوارية اللونين البنى المحروق واالأبيض وحولتهما الى عقود منثورة من حبٌات الخرز والأحجار مما تصنعها سيدات أسوان؛ إذ نراها تنتشر على مسطح اللوحة فوق خلفيات من جدران طينية وزخارف نوبية وقباب ومساجد وأبواب وأرائك وأوانى ومناضد ، تعكس جميعا شذرات من إبداع التراث الشعبى النوبى بوحداته الزخرفية وتجلياته الروحية فى القباب والمساجد وحلقات الذكر ، كما تعكس حالة الانقياد الجمعى(النسائى خاصة) للتوسل الى الله ، عبر تزاحمهن للدخول الى بيوته المقدسة او أمام نوافذ الأولياء الصالحين.
الجديد الذى يقدمه الفنان فى هذا المعرض بالنسبة الى معارضه السابقة ، هو ظهور الفتيات بكثافة بحضور لونى ساطع عبر ألوان ثيابهن المبهجة التى تذكرنا بما كانت عليه أزياء النوبيات فى الماضى القريب قبل أن تهيمن على المجتمع كله التيارات المتزمتة التى جعلت المرأة تختبئ داخل الحجاب والعباءة والنقاب ، وتؤدى الى ان تختفى أو تكاد ؛ الرقصات النوبية القديمة التى تجمع بين الفتيات والفتيان فى تشكيلات جماعية …يحاول عبد الجواد اليوم – بحذر – ان يستعيد الى مشهده التشكيلى بعض ملامح ذلك الزمن ، باختيار مجاميع من فتيات صغيرات حاسرات الرؤوس والأذرع فى حالة من البهجة الطفولية.
وفى أسلوبه الفنى للتعبير عن ذلك كله نراه يبالغ فى إبراز الزحام والصخب ، عبر تأكيد الخطوط السوداء التى تحدد العناصر ، وعبرالتضاد الحاد بين الأضواء والظلال والألوان ، والحرص على إبراز هذا التضاد بالتجسيم الأسطوانى بالظلال المعتمة الخشنة ، وقد يؤدى ذلك الى مزيد من الوضوح التسجيلى عالى النبرة للمشهد الواقعى ، لكنه يجىء على حساب التجانس الناعم او التناغم السلس بين العناصر.
إن مما يرفع مستوى القيم التصويرية والتعبيرية فى الفن ؛ ألا يبوح الفنان بكل ما يعرف وما يريد قوله بصوت جهير ، متصورا ان ذلك يساعد فى إطلاق شحنة تعبيرية قوية ، لكن.. إذا كانت شدة الوضوح والمباشرة أمرا محبوبا ومرغوبا فى الحياة ، فإنه يؤدى الى عكس ذلك فى الفن ، فمقتل الفن فى الوضوح المجانى وفى التعبير المباشر ، ومَحْياه فى صوته الهامس وفى وجود قدر محسوب من الغموض الجميل يحرٌض المشاهد على إعمال خياله لفض أسرار يحرص الفنان على إخفائها !

