2 نوفمبر 2019
كتب الصديق الشاعر جرجس شكرى على صفحته تحت عنوان( الثقافة وسلطة الابتزاز) عن انحدار الواقع الثقافى بمنتجاته الأدبية والنقدية ومهرجاناته المسرحية والفنية المفسدة للذوق، وعن غياب الاقبال على القراءة حتى اصبح المرتد من توزيع الكتب والدوريات يصل الى ٨٠% من الكميات المطبوعة ، فضلا عما وراء النشر من مجاملات ومن ابتزاز من الكُتَّاب لجهات النشر، مما يجعلنا نصدٌِر صورة هزيلة لمصر حتى أصبحت تستحق الرثاء ، إلى جانب غياب الثقافة عن الشارع، حتى لم يبق فى الصورة غير مسئولين يتشبثون بمناصبهم ، وأعداد من أنصاف المواهب الذين يمارسون سلطة الابتزاز….الخ.
وأتفق معه تماما وأحييه على رأيه الحر الشجاع، مع أنه المسئول عن النشر بالهيئة العامة لقصور الثقافة ، فلم يمنعه ذلك من ذكر الحقيقة المؤلمة ، تعبيرا عن موقف نقدى نابع من قناعته الفكرية كمثقف يؤمن بدور ورسالة ينبغى أن يكونا فى صلب تكوين المثقف الحقيقى ، وهو ما يندر وجوده اليوم بكل أسف!
وأضيف الى ما كتبه أن الدوله لا تريد أكثر من ذلك، امتدادا لموقفها من الثقافة طوال عقود نصف القرن الماضى ، ولم يحدث اى تغيير يذكر على هذه القناعة لدى الدولة بعد يناير٢٠١١ ، والدليل انه تعاقب منذ ذلك الوقت عدة وزراء للثقافة ممن كنا نعتبرهم أصحاب فكر تقدمى ورؤية ثورية للثقافة، لكنهم فشلوا جميعا فى تبنى أو إقرار مشروع قومى للثقافة مغاير للثقافة الاستهلاكية السائدة، وسواء تقدموا بمشروع مغاير ام لا ، فإن مسار الثقافة المهرجانية الجوفاء المتجه نحو هدف واحد هو إلهاء الجماهير قد ظل مستمرا على خطى وزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى الذى أرسى دعائم هذا المسار منذ الثمانينيات بأستاذية وكفاءة ، تطبيقا لأهداف نظام حسنى مبارك طوال ربع قرن، فلم يكن المطلوب هو بناء وعى أو تنوير حقيقى للشعب، ولا كان المطلوب وجود دور تقدمى للمثقفين ليقودوا به المرحلة التى امتدت منذ السبعينيات حتى اليوم ، بل كان المطلوب – ولا يزال – هو تدجينهم فى حظيرة النظام ( كما سماها فاروق حسنى بنفسه)، وما يحدث اليوم ليس اكثر من تنويعات على منظومة “الإلهاء الثقافى” نفسها ، مضافا إليها استفحال الفساد داخل بعض المؤسسات الثقافية حتى بدا الفساد عاريا مفضوحا بغير حياء، مصحوبا بتنامى النفاق للفاسدين من جانب المستفيدين والمشتاقين لولائم السلطة.
فهل نستغرب بعد ذلك ما يشير إليه الشاعر جرجس شكرى من هزال شديد للمنتج الإبداعى والعمل الثقافى على النحو الذى أشار إليه؟..وهل نستغرب أن ما يطبع من أى كتاب او مجلة انخفض الى ١٠٠٠ نسخة فترتد من كل إصدار ٨٠٠ نسخة؟..وهل تصدمنا حقيقة أن نسبة الأمية الثقافية لشعبنا بل بين المتعلمين وخريجى الجامعات قد تصل الى ٩٩ % ..؟
ان مدلول كل ذلك هو اننا بتنا شعبا يعيش بالنصف الأسفل من جسده ، ويلهث لإشباع غرائزه كالجوع والجنس واللعب، ويحلِّى أيامه بالتسلى بمشاهدة مباريات الكرة والمسلسلات البوليسية، ما يستدعى الاعتراف بأننا فى أشد الحاجة إلى ثورة ثقافية تكمل ثورة يونيو ٢٠١٣…فالثقافة قد تكون قبل الخبز أحيانا..!