(لو كنتَ متعجلا أو ملولا فاقلب الصفحة ولا تكمل..مع أنها مليئة بالإثارة !!)
عندما ترشحت الدكتورة صفية القبانى لمنصب نقيب التشكيليين شاعت فى محيط النقابة نفحة نسائية رقيقة ، رغم أنها تفخر بصفات المرأة الحديدية والقائدة الجريئة التى لا تخشى فى الحق لومة لائم ، كما تفخر بإنجازاتها الهائلة أثناء توليها مناصبها السابقة ، كل ذلك جعلها تفوز بالمنصب متفوقة على أربعة رجال وسيدة ، وراء كل منهم تاريخ حافل فى الفن والهيئات الأكاديمية ، وحلت محل نقيب بقى فى منصبه قرابة عشر سنوات تعفنت خلالها النقابة فى غيبوبة الموت السريرى ، ما جعل ناخبيها يتفاءلون بأنها ستبعث الحياة والدماء فى الجسد الميت وتطهره من آفاته ، وجعل كثيرين يصدقونها حين أعلنت حصولها على البراءة مما اتُهِمت به فى قضية أدت الى عزلها من منصبها السابق ، ويصدقونها عندما أطلقت على من اتهموها بذلك “أعداء النجاح”، وأيقنوا باستحالة أن يكون وراء هذا الوجه البرىء شبهة فساد.
* * *
ولم تمض مائة يوم حتى انقلبت الريح الى عاصفة تحاول اقتلاعها ، وضرب أعضاء الجمعية العمومية التى انتخبتها الرقم القياسى فى سرعة التحول ١٨٠ درجة لعزلها من المنصب ،كأسرع نهاية لنقيب فى تاريخ النقابات المهنية فيما أعتقد ، والمدهش هو أن من بادر بالدعوة لعزلها هم نفس الأشخاص الذين دعموها بقوة للفوز ، الى جانب ثلث أعضاء مجلس الإدارة ممن تعاونوا لإنجاحها ، وقد زادوا الآن إلى أكثر من نصف المجلس بما مكنهم من اتخاذ قرار بالدعوة الى عقد جمعية عمومية طارئة لسحب الثقة منها .
* * *
بدا الأمر سرياليا ، وقيل لهؤلاء : “أفوجئتم بحقيقتها أم كنتم منوٌَمين ثم صحوتم؟”..قالوا: “لقد خُدِعنا ، كانت تجيد وضع الأقنعة لكل حالة، ثم سقطت قناعا تلو آخر بسرعة مذهلة”..سألوهم: “مثل ماذا؟”..قالوا: “كان اول ما سقط من الأقنعة هو قناع الوعود الانتخابية بضرورة العمل كفريق ، حيث أسفرت من أول اجتماع بعد فوزها عن طبيعة استبدادية طاغية ، بل عن نزعة واضحة للتنمر تجاه زملائها حتى كبار السن منهم ، بل تجاه كل من يختلف معها فى الرأى”..جاء الرد عليهم من مواقع شتى : “وهل النقابة ومصير آلاف الأعضاء حقل تجارب لكم ، فتحشدون الأصوات لمن لا يصلح متى شئتم ثم تعودون قائلين: آسفين لقد أخطأنا؟”..قالوا :” لا..فاليوم امتلكنا الوعى وحفظنا الدرس وأخذنا المبادرة للتصحيح بالطريق الديمقراطى”.. قيل لهم : “ومن يدفع فاتورة المخاطرة؟ “.. قالوا :”مهما بلغت فهى أهون من المضى فى طريق ضياع بلا عودة لو استمرت الأوضاع تحت شعار: ليس فى الإمكان أفضل مما كان، بينما نرى النقابة تنهار أمام أعيننا ، وكفانا صمتا عشر سنوات حتى عشش الفساد فى بيتنا”.
وأيٌَدتهم قلة من الفنانين ، ثم أخذوا فى الزيادة تدريجيا مع تتابع أحداث بدت كحلقات مسلسل ميلودرامي تقوم النقيبة وحدها ببطولته وإخراجه ، فيما اكتفى أغلب الأعضاء بالفرجة، استمرارا لتراث قديم من السلبية وعدم الانشغال بالشأن العام ، وظلوا صامتين فى انتظار نهاية المسلسل..!
* * *
تعالوا نتابع الأحداث منذ البداية ، ونفك الاشتباكات بينها ، ونوضح ما يشوب بعضها من غموض…
* على الصعيد الشخصى تبين عدم صحة ادعاء النقيبة الحصول على البراءة من قرار عزلها من منصبها السابق ، فهو لا يزال ساريا ودليلا دامغا على الفساد ، كونه يتعلق بواقعة تزوير مثبتة ، رغم ما تمارسه لإلغائه بكل وسيلة .
* وعلى صعيد ملفات الفساد السابقة بالنقابة فقد رفضت فتح التحقيق فيها ،أو حتى الكشف عنها لأعضاء المجلس، خاصة المالية منها ، مما يشكل علامة استفهام بلا إجابة.
* ومع انتشار فيروس كورونا وتوقف عمل الكثيرين ونضوب مواردهم ، وتدنى قيمة المعاش الشهرى، كان الحل الذى قدمته لهم هو قبول تبرع سيدة أعمال ترأس شركة مقاولات عقارية ، بمجموعة كراتين بها زيت وسكر ، لتوزيعها على المحتاجين من الفنانين ، وعرضت صور تسليم الكراتين على وسائل التواصل الاجتماعى مزهوة بإنجازها ، فشقٌَت بذلك جرحا غائرا فى كرامتهم ، وقيل أن سيدة الأعمال لم تقدم معونتها لوجه الله والفن كما اعلنت النقيبة ، بل قيل انها كانت عربونا لصفقة حاولت الشركة إبرامها “لتوضيب” مقر النقابة التابع للأوبرا بملايين الجنيهات ، فى الوقت الذى تعانى الميزانية من ضمور شديد لا تستطيع معه رفع المعاش عن قيمته الحالية وهى ٧٥ جنيها.
* ونسأل : وأين مجلس الإدارة من ذلك؟..فنجد أن خلافاتها مع أعضائه قد تصاعدت بسبب رفضها عقد اجتماعاته ووقف العمل بجميع اللجان ، كالتأمين الصحى والعضوية والإسكان وممارسة المهنة والثقافة والإعلام ، بحجة فيروس كورونا ، رغم وجود حلول بديلة كتواجد الأعضاء متباعدين واستخدام الوسائل الألكترونية وعرض الموضوعات بالتمرير ، فضلا عن أن عقد اللجان لا يتعارض مع تعليمات الحظر ، حيث لا يزيد عدد اعضاء كل لجنة عن ثلاثة ، والحقيقة ان وراء منع الاجتماعات خوفها من تكتل أعضاء المجلس ضد قراراتها حال اجتماعه أو ممارسة نشاطه.
* وبالتوازى مع ذلك تصاعدت حدة انفعالاتها ضد كل من يعارضها ، بصوت يرج أركان مبنى النقابة التاريخى الهادئ بساحة الأوبرا…
* وخلال توقف عقد المجلس واللجان ستة أشهر ، انفردت باتخاذ القرارات ومعها اثنان ممن تسميهم ” هيئة المكتب”، بعد أن تجاهلت وجود وكيل النقابة (الأستاذ الجامعى المعروف) لأنه لم يعلن ولاءه لها، وانتهى أمرها معه إلى إصدار قرار بعزله تحت مسمى “قبول استقالته” وهو لم يتقدم بأى استقالة، اللهم إلا رسالة فضفضة نشرها على فيسبوك الى وزيرة الثقافة تتضمن اعتذارا لعجزه عن التعاون مع النقيبة ، علما بأن الوزيرة غير مختصة أصلا بالأمر كله ، وسارعت النقيبة بإبلاغ البنوك التى تودَع فيها أموال النقابة بإلغاء توقيعه على الشيكات واستبداله بآخر ، فقام بإجراء مضاد يبطل صرف شيكات جديدة وذلك حماية لنفسه من أى تصرف قد تُقدِم عليه…
* وتفرغت لمطاردة “المتمردين” – ومنهم خمس سيدات أغلبهن دكاترة – بإنذارات قضائية وتأديبية على عناوين بيوتهم ومقار عملهم ، وأسست ما يشبه الميليشيات الألكترونية من بعض المطبلاتية لمطاردة كل صوت معارض بالسباب والتنمر عبر الفيسبوك والفيديوهات المسلسلة.
* وبلغ انتقامها ذروته بإصدار قرار بتجميد فرع النقابة بالمنصورة الذى يضم آلاف الفنانين، وقرار آخر بوقف صرف معاشات كبار السن منهم وهم على أبواب عيد الأضحى المبارك ، عقابا لمجلس النقابة الفرعية المنتخب ، لاتخاذه قرارا بالإجماع بتنحية أحد أعضائه الذى كان بمثابة بوقها الأعلى صوتا فى حملات التشهير والشتيمة لمعارضيها ، حتى أنه أعطى لنفسه حق التحدث وإصدار المكاتبات باسم النقيب.
* وحين أعيتها الحيل القانونية لجأت الى المساومة مع الأعضاء العشرة المعارضين بالمجلس ، بطلب عقد اتفاق يقوم بمقتضاه مجلس المنصورة بإلغاء قرار العضو المعزول، وتقوم هى بإلغاء قرار عزل وكيل مجلس القاهرة ، على طريقة “سيب وانا أسيب”!
* وتقدم أحد اعضاء مجلس القاهرة باستقالته رفضا لما يحدث ، فاستدعت فورا من يليه فى عدد الأصوات بالعملية الانتخابية لتصعيده بدلا منه دون موافقة المجلس ، وكأنها تدير شركة خاصة!
* وحاول وكيل المجلس والأعضاء ممارسة مهام اللجان بمقر النقابة،بعد رفضهم تلك المساومة، فاستدعت شرطة السياحة وأمن الأوبرا (ولم يبق إلا أمن الدولة!) لمنعهم من التواجد باعتبارهم مثيرى شغب ومخربين ، فاستنجدوا بشرطة النجدة لحمايتهم ، وقاموا بتحرير محضر بذلك بقسم الشرطة ورفعوا الأمر الى النيابة العامة لتمكينهم من حقهم القانونى، وهى المرة الأولى التى تدخل فيها أجهزة الشرطة مقر النقابة طوال أكثر من ٤٠ عاما.
وها هى المرأة الحديدية – بعد كل تلك الجولات الغرائبية طوال ٨ أشهر – تقف وحيدة عاجزة عن تنفيذ أى قرار ، لأنها جميعا مخالفة للقانون ، وتأخذها العزة بالإثم فلا تعترف بأن رصيدها قد نفد تماما وليس أمامها باب مفتوح غير الاستقالة.
* * *
يقول بعض “المتفرجين ” ان مثل هذا يحدث فى أحسن النقابات ثم ينتهى الصراع بالتصالح ، إذا استطاع النقيب إحراز أهداف نقابية ، فهل رأيناها تسجل هدفا واحدا طوال تلك الفترة؟..
للأسف لا..لقد ظلت “الشبكة” عذراء ، بل لم يكن للمدرب خطة للوصول الى المرمى، سواء قبل المباراة أو أثناءها.
إنها أساسا لا تملك أى مشروع للنهوض بالنقابة من أوضاعها المتردية على كافة المستويات ، بدءاً من إيجاد مصادر لتنمية الدخل للنقابة تصب فى زيادة المعاشات وتحسين الخدمات ، رغم كثرة الأبواب المتاحة لذلك .
* من هذه الأبواب : تفعيل المادة الخاصة فى اللائحة بتحصيل نسبة مئوية من تسويق أعمال الفنانين وفق ضوابط قانونية ملزمة ، ومنها استصدار تشريع لتحصيل رسوم لصالح النقابة عند بناء المنشآت المعمارية، وإقرار طوابع دمغة على الطلبات المرتبطة بالفن ، بما فى ذلك اختبار القدرات الفنية لالتحاق الطلبة بكليات الفنون ، ومنها إقامة وحدات اقتصادية لخدمة الأعضاء اجتماعيا ومهنيا تدر عائدا على النقابة فوق توفير الخدمات المطلوبة للأعضاء …وكل هذه الأبواب وغيرها كفيلة بضخ ملايين الجنيهات فى النقابة بصفة مستمرة.
* ولم نجد لها أى مشروع يهدف إلى جعل النقابة بيت الخبرة الرسمى للدولة فى مجال النهضة العمرانية القائمة ، بما يؤدى إلى ارتباط القيم الجمالية بالمشهد البصرى للعمارة والعمران ، وإلى خلق فرص عمل للفنانين فى مشروعات قومية لا تنتهى ، وإلى ضمان حقوقهم لدى الدولة بوزاراتها المختلفة ، ولم نر مشروعايحفظ للفنان مكانته وتمثيله اللائق به داخليا وخارجيا ، كشريك للدولة فى خطط التنمية والتقدم .
* * *
هكذا ضاعت كل الفرص لمشاركة الفنانين فى بناء عشرات المدن الجديدة ومحطات المترو والسكك الحديدية والكبارى والحدائق، وكان من شأن ذلك – فوق إشباع طموحهم الإبداعى – أن تنقذهم من العوز المادى وتنقذ المجتمع من العوز الجمالى ، وتصب فى ميزانية النقابة نسبة مما يحصلون عليه.
* وعلى مستوى خدمات الإسكان للأعضاء ، لم نر إلا محاولة تعيسة تدٌَعِى بها استعادة أراضيهم التى سبق تخصيصها لهم ثم أضاع النقباء السابقون حقهم وأموالهم فيها ، والحقيقة ان ما عرضته النقيبة مشروع يصب فى مصلحة المطورين العقاريين وحدهم وليس الفنانين.
* ولم تقدم مشروعا يصحح عيوب النظام الحالى للتأمين الصحى بحيث يؤدى إلى علاج حقيقى وليس وهميا للمرضى دون ان يكبد النقابة و يكبدهم مبالغ طائلة بلا جدوى.
* ولم تطرح مشروعا لعقد اتفاقيات مع وزارتى الثقافة والتربية والتعليم، كى تضمن الاتفاقية الأولى مطالب وحقوق الفنانين لديها ، وكى تربط الثانيةبين الفن ومناهج التعليم كى تؤسس أجيالا من المبدعين والمتذوقين ، وتلك من أهداف النقابة الأساسية.
* والمدهش أن النقيبة فى غمار هذا الفشل المركٌَب لم تقبل تبرع بعض الفنانين لمساعدة زملائهم المضارين بأزمة كورونا ، كما لم تقبل ما عرضوه لتمويل مشروع يلبى احتياج كل الأعضاء ، وهو إنشاء وحدة اقتصادية لبيع خامات الإنتاج الفنى بنصف أسعارها فى السوق ،فيما رحبت بقبول تبرع من شخصية خليجية، وتزامن ذلك مع انتهاك مواطنى بلدها لكرامة أبنائنا العاملين هناك بسبٌِهم وصفعهم وذلك موثق صوتا وصورة ، وكأنهم خدم أو عبيد ، ومع ذلك هللت بقبول التبرع دون الحصول على موافقة الجهات المختصة على قبوله كما يشترط القانون ، بل حتى دون أن ترسل صاحبته مع أوراقها المالية كلمة طيبة ترد الاعتبار الى الشعب المصرى وفنانيه، فبدا التبرع وكأنه يُلقَى لمتسول من أعلى!
* * *
إن المتغير الحقيقى الآن فى المشهد النقابى للتشكيليين هو أعضاء الجمعية العمومية ، الذين أصبحوا يمسكون بزمام المبادرة لتصحيح الأوضاع بعد أن ظلوا سنوات طوال خارج المشهد ، ما أدى إلى انفراد النقباء بالسلطة والاستبداد بها والتفريط فى حقوق الفنانين ، وإلى ضرب الوحدة بين صفوفهم والى شيوع اليأس لدى الكثيرين ، والى امتناع الشباب تحديدا عن تسديد الاشتراكات ، حتى أن عدد المسددين لا يكمل ثلث عدد أعضاء النقابة التى يكوٌِن الشباب النسبة الأكبر فيها.وتبلورت هذه المبادرة فى مسعاهم الجاد لسحب الثقة من النقيبة التى تمتطى صاروخ الاستبداد والفشل الكامل فى الإدارة .
أما البديل عن سحب الثقة منها (وهو استحقاق ديمقراطى وحضارى يعادل ديمقراطية انتخابها) فهو استفحال الفوضى ، وتحول الصراع القائم الى فتنة وحرب داخلية بالنقابة ، قد تنتهى بفرض الحراسة القضائية عليها وتجميدها لسنوات لا نعرف آخرها ، خاصة وقد توحدأغلب أعضاء المجلس مع أعضاء الجمعية العمومية للمطالبة بسحب الثقة منها .
* * *
إن النقابة مع هذا الوضع السريالى أصبحت كعربة ذات محركين وسائقين أحدهما فى الأمام والآخر فى الخلف ، وكل منهما يدوس على البنزين حتى السرعة القصوى ، فماذا نتوقع أن تكون النتيجة غير انشطار العربة وسقوطها فى الهاوية؟
وماذا ينتظر أصحابنا المتفرجون على المشهد بعد سقوط الأقنعة؟..لم يبق إلا سقوط البيت.
الأمر جد خطير ، لا مجال فيه للحياد او الاختيار ، فالكل خاسر لو حدث الانهيار ، حتى لو لملم البعض أطراف ثيابهم مخافة التلوث ، لأنه بيتنا الذى بنيناه بتضحيات أجيال مضت ليكون حامينا ورمز عزتنا ، ولن نبنى غيره ، وإذا فشلنا فى إنقاذه فإننا نستحق فشلنا وما يؤول إليه أمرنا.
الحل الوحيد لإنقاذ البيت هو أن نوقٌِع بالمئات استمارات سحب الثقة ؛ فالمائة الأولى التى تم توقيعها فعلا ليست إلا لطلب عقد الجمعية العمومية، لكن انعقادها بعد دعوتين خلال أسبوعين يتطلب ٦٠٠ عضو على الأقل وهم نسبة ال١٠% التى لا تعقد بأقل منها ، ولابد من موافقة ثلثيهم فى التصويت على سحب الثقة .
هذا يوم مصيرى .. نكون به أو لا نكون!!
عزالدين نجيب
فيس بوك 24 أغسطس 2020