المرأة الفنانة..مصادفة سعيدة مع عيد المرأة

15 مارس 2019

 

لا أظن ان احتشاد عدد من الفنانات بمعارضهن فى القاهرة بالتزامن مع يوم المرأة العالمى وعيد المرأة المصرية خلال شهر مارس ، كان أمرا مرتبا ، بل هو أقرب الى أن يكون .مصادفة سعيدة ، والسعادة ليست فقط لارتباط المراة بالابداع ، فالفنانة المصرية كانت دائما تتقدم كتفا بكتف مع زميلها الفنان ، وقد شهد القرن الفائت حضورا لافتا لرائدات كبيرات ، سبق بعضهن الفنان برؤى التجديد فى مضمار الحداثة ، لكنها مصادفة أيراهيم سعيد محمد على أى حال.
مناط السعادة أننى شاهدت هذا الشهر ثلاثة معارض نسائية متوالية تميزت بصحوة قوية تبشر بأننا قد نكون باتجاه ظهور موجة جديدة للفنانات فى الفن الحديث ، تعقب اتجاه الحداثة الشكلانية الذى غمر اعمال الفنانات الشابات خلال العقدين السابقين مكسوا بأزياء كرنفالية غريبة ، أغلبها مستورد كموديلات العرض بمقاييس الموضة فى الغرب ، وأقلها نابع من روح الشرق ومن الجذور المصرية، تختلف الأساليب والرؤى والأجيال بين الفنانات الثلاث ، لكن كلا منهن تستقى تجربتها الفنية والانسانية من نبعها الخاص ، متحررة حتى من لزمات البيئة المصرية المستهلكة ،ومن بعض مقولات الهوية التى تحولت الى شعارات ، دون ان يخاصمن ، او حتى يبتعدن كثيرا عن رؤى الحداثة ومدارسها التاريخية فى الفن العالمى ، باستثناء الاخيرة منهن ، حيث تبدو أكثر التصاقا بالفن الغربى وتأثرا به ،وإن كانت موهبتها القوية قادرة على على إنقاذها من الوقوع فى أسره ، كما سنعرض لأعمالها عند الوصول إليها.
نعمت الديوانى وامتلاك الفضاء
المعرض الأول للفنانة نعمت الديوانى بقاعة بيكاسو ، حمل عنوان “نقطة اتزان” ، وموضوع لوحاتها الزيتية هو بهلوانات السيرك ، لكن الموضوع فى الحقيقة مجرد ذريعة لتحقيق رؤية أبعد ؛ تعبيريا وجماليا ، فمن حيث التعبير عن معنى ، نراها تلعب على قد رة الانسان على تحدى طاقاته المحدودة بقوانين الطبيعة البشرية ، وصولا الى حافة المخاطرة بالحياة فى سبيل إحراز القدرة على التحليق وامتلاك الحرية والسيطرة على قانون الجاذبية الأرضية ، وصولا الى نقطة الاتزان المرهف جسديا وعصبيا ونفسيا ، وهى لحظة فارقة تساوى امتلاك العالم بأسره…إن أبطال لوحاتها ضعفاء البنية رقيقو الحال مدفوعون الى الشقاء من أجل العيش ، صغار السن فى أغلبهم ، لكنهم صاروا رجالا قبل الأوان وقد حرموا مبكرا من براءة الطفولة ، نحاف الأجسام باستثناء امرأة واحدة تتسم بالبدانة ، وهذا تحد من نوع آخر أمام القدرة على تطويع الجسم …فكيف امتلكوا جميعا القوة من قلب الضعف؟..كيف حققوا التوازن والانسجام مع واقع لا يعطى الضعفاء ، ومع حياة لا ترحم؟.. إنها الارادة الانسانية لبلوغ هدف وجودى ، وذلك يصدق على أى مجال آخر غير السيرك وبهلواناته.
ومن حيث التشكيل الجمالى؛ اشتغلت الفنانة على تحقيق أعلى قدرة لتطويع الأجساد بالحركة فى الفضاء وانسياب الخطوط وانقلاب الأوضاع البدنية عكس قدرتها التشريحية ، حيث تكون الرؤوس مقلوبة لأسفل والأرجل لأعلى ، كما عملت على اكتساب الوجوه درجة من الحيادية ثشبه الأقنعة أو وجوه الفيوم أوعيون الأيقونات القبطية والاستشهادية للقديسين وقد تحررت من الخوف والعذاب الدنيوى ، لكنها تضج بالحياة عبر ألوانها السمراء سمرة أبناء النوبة ، ونظرات التعاطف والحب لبعضهم البعض ، مدركين أن خلاصهم من خطر السقوط يكمن فى ترابطهم وتلاحمهم ،.
ولكى تعمق الفنانة هذا المعنى استخدمت بالتة من الالوان المتناغمة بين الساخن والبارد فى هارمونية ناعمة الايقاع ، تؤكدهاخطوط ومنحنيات قوسية وتشكيلات دائرية كحركات الرقص الايقاعى ، بما ينبهك دائما الى انك داخل لعبة فى حلبة السيرك تسمح بأعلى درجات الخيال المتحرر من الواقع الى حد الطيران والتحليق.
لقد اجتذب عالم السيرك والمهرجين أعلام الفنانين فى العالم عبر التاريخ ، بدءا من بيكاسو وليس انتهاءا بممدوح عمار وإيهاب شاكر وجميل شفيق فى مصر (وكان هذا موضوع مشروع التخرج لكل منهم) ..لكن نعمت الديوانى تصنع سيركها الخاص مشحونا بالحب الانسانى ، وبقدرة الكائن الضعيف على أن يهزم الطبيعة والقهر ويحقق القوة حتى يتغلب على قوانين التشريح والجاذبية الأرضية.
ونستكمل فى جولتنا القادمة مع الفنانتين الأخريتين.
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »