حالة نادرة من الحضور الإبداعي – كمًا وكيفًا – يمثلها الفنان الكبير جورج البهجوري بين الفنانين المصريين والعرب حتى أواخر الحلقة الثامنة من عمره، بنفس الطاقة والتدفق اللذيْن كان يمتلكهما فترة شبابه وندعوا له بالمزيد. إنه في مجرَّة الكون التشكيلي عابر للمدارس والاتجاهات والأذواق الفنية شرقًا وغربًا، لا تشدّه الجاذبيات الكوكبية نحو كوكبٍ غيرَه، فله مداره الخاص بحكم تكوينه الذي يُصدر مغناطيسية تستقطب مُحبيه إلى عالمه ولا يُستقطب هو إلى سواه من الكوكب والمدارات، ليس عن غرور أو استعلاء، فهو لا يزال يجرب ويجدد ويلهث وكأنما يلاحق ظله دون أن يدركه، وإنما عن شغف باستكشاف شيء كامن في أغوار ذاته وذوات البشر.
“بهجوري” كدارس أكاديمي لفن التصوير في خمسينيات القرن الماضي، يملك مهارات تصويرية عالية، كانت كفيلة بأن تجعله في مقدمة المصورين الوصفيين للطبيعة والعالم المرئي بنظرة واقعية، لكنه اختار مبكرًا جدًا الأسلوب التعبيري الذي يرى العالم من منظور جُوّاني، كاشفًا عن الطبيعة الداخلية لهذا العالم بعيدًا عن أقنعته الخارجية، من هنا لجأ إلى تحطيم ثوابت الواقع الظاهرية وإلى المبالغة الشديدة في تحريف الأشكال الواقعية إلى حد التشويه، وهذا ينبع أساسًا من رغبته في استخدام الصدمة لإيقاظ حواس المتلقي كي تستقبل ما يريد لعمله الفني أن يفصح عنه مختلفًا عن المنطق المألوف الذي يتمرد عليه، ولعل ذلك هو ما ساقه إلى ممارسة فن الكاريكاتير بمجلتَيْ روز اليوسف وصباح الخير منذ عام 1956 واستمر يمارسه حتى الآن بعيدًا عنهما بدون اعتماد على كلمة شارحة للمعنى. والحقيقة أن تجربته الطويلة في الرسم بالمجلتين كانت أكبر من كونها بوتقة أكسبته خبرات مهنية في الصحافة والفن، بل أراهما المدرسة الحقيقية الأولى التي تربى فيها وعيه بالفن والسياسة والحياة حتى نضجت من خلالها وتبلورت شخصيته النقدية المتمردة، بالاحتكاك بقامات إبداعية مترعة بالمواهب الفذة فنًا وأدبًا، وبحب الوطن وبالحلم بالتغيير والتقدم. كانت هذه المواهب تعمل كفريق متجانس بقيادة مبدعين عمالقة في كل مجال؛ ففي الأدب كان هناك إحسان عبد القدوس وعبد الرحمن الشرقاوي وفتحي غانم وصبري موسى وعبد الله الطوخي وعبد الفتاح رزق وصالح موسى، وفي الفكر السياسي كان هناك أحمد بهاء الدين ومحمود السعدني وصلاح حافظ ورشدي صالح ومحمود أمين العالم. وفي الشعر كان هناك صلاح عبد الصبور وعبد المعطي حجازي وفؤاد حداد وصلاح جاهين وفؤاد قاعود، وفي الرسم الصحفي كان هناك أبو العينين وحسن فؤاد وجمال كامل وهبة عنايت ومحمد حجي ومأمون، وفي الكاريكاتير كان هناك الليثي وزهدي وجاهين وحجازي وبهجت وايهاب واللباد ورجائي، وجميعهم أنجزوا مشروعاتهم الكبرى في الرواية والقصة والشعر في الستينيات، ولم تَحُل دون إنجازها سنوات الاعتقال والتشريد والمطاردة البوليسية لبعضهم، بل أكسبتهم مناعة واخلاصًا لما آمنوا به، والتزامًا بالبسطاء من أبناء الشعب ممن حلموا من اجلهم بالحرية والعدالة والكرامة.
لكن طموح بهجوري كان يتجاوز قضايا السياسة والتأثير في الجماهير وتغيير المجتمع، إلى تغيير الفن أيضًا، من خلال بلوغ حالة الوهج الفني للكشف عن خبايا وسمات العبقرية لديه ولدى الإنسان الفرد الذي يشعل فتيل التغيير والتمرد، فهو من ذلك النوع الذي لا تستوعبه آلية موحدة لجماعة أو فريق مهما كان نبل الأهداف عند الرفاق، بل تسري فيه دماء التفرد والمروق على المتفق عليه. وقد نجد تلك صفة تشمل أغلب الفنانين من ذوي الحساسية العالية، ونرى أن لها جانبًا ايجابيًا وآخر سلبيًا؛ أما الإيجابي فلأنه يجعل الفنان محتشدًا دائمًا للتفوق والتحدي بالجديد والمثير، وأما السلبي فيتمثل في تضخم الذات والطاووسية، وانعزال صاحبه في برجه العاجي قانعًا بأنه بلغ الكمال، وهو ما نجا منه بهجوري .. هذا علما بأن أحد جوانب التألق والابتكار لدى أي فنان هو وجوده في دائرة واسعة من المنافسة الابداعية مع فنانين اقوياء، وهذا ما ينطبق بقوة على بهجوري؛ فإلى جانب معايشته الطويلة لفريق روز اليوسف وصباح الخير، فإنه كان يخوض مضمار المنافسة مع أبناء جيله خارج المحيط الصحفي، أمثال ممدوح عمار وحسن سليمان وعمر النجدي ومنير كنعان وآدم حنين وأحمد فؤاد سليم وكمال خليفة .. ومع آخرين ممن سبقوه أو لحقوا به كفرسان متميزين، ولكل منهم شخصيته الفنية اللافتة .. لذلك كان تميزه عنهم يتمثل في جانبين: “البناء التكعيبي” و”التشريح النفسي” إن صح التعبير، فراح يبحث في الوجوه الإنسانية عن الشفرة الكاشفة لخرائط الانفعالات الباطنية وتشابكاتها النفسية، وهو ما فعله كذلك – على نحو ما – في لوحاته التصويرية.
وعلى عكس ما يراه البعض بأنه فنان شكلاني؛ كل دوره أن يلعب بالخطوط والمساحات والالوان والملامس وملامح الوجوه والأجساد، ويفككها ويعيد تركيبها برؤية الطفل الذي رأى الملك عاريًا، أو الفنان التجريدي الذي يتفرغ لخلق علاقات بصرية مطلقة ذات بعدين اثنين بالخطوط والألوان، فإن بهجوري قد يفعل مثلها مستمتعًا باللعب كالطفل لكن ليس كالفنان التجريدي الذي باحترافية أنه يخلق فنًا للنخبة كقضية لحياته، وبنوع من الترف لا يبالي بإرضاء المتلقي العام، حتى ولو حقق بتكويناته قدرًا من الإيقاع النغمي الموزون أو الحر، أو استدعى لتحقيق ذلك بعض العناصر من الطبيعة أو بعض اللمسات أو المساحات اللونية وليدة الذهن والخيال .. والفارق بين هذا الفنان التجريدي (المحترف) وبين بهجوري (الطفل) يكمن ببساطة في تغلغل الحس الانساني الذي يضرب كالجذور العميقة في تربته الخام. إن بهجوري قد يعترض على واقع المجتمع أو يسخر منه، لكنه لا يسخر من الانسان لأنه محكوم بحبه ومتورط في همومه وشؤونه، ولديه ضَعف خاص تجاه أبناء الطبقات الفقيرة التي نشأ فيها، وتجاه المستضعفين والكادحين (ملح الأرض)، فوق احتفائه بمن تحبهم هذه الطبقات، من رموز للوطنية والعدل – مثل عبد الناصر – أو رموز للإبداع والطرب – مثل أم كلثوم – حيث جعل منهم أبطالًا لأعماله، لا يمل من تخليدهم عبر السنين بأشكال مختلفة، وبالرغم مما ينال ملامحهم على يده من تحريف إلى حد الضراوة بما تفرضه الضرورة الفنية، فإنه يفعل ذلك ايضًا لغرض تعبيري، حيث يغذى التحريف عنصر الدهشة ويكسر الاعتياد ويشعل الشحنة الانفعالية، بما يقتنصه كمبدع من سمات الشموخ والعظمة أو من تأجج العاطفة في طبيعة كل منهم، مهما تحررت عناصر اللوحة من محاكاة الواقع بصفاته المباشرة.
وعلى الرغم من تكوينه الذي يميل إلى التوحُّد الذاتي عن الجموع، فإن شخصية بهجوري مجبولة على الاندماج فيها وفي المجتمع والحياة اليومية للإنسان أينما عايشه، سواء كان ذلك في مسقط رأسه بقرية “بهجورة” بجنوب الصعيد، أو بحي “معروف” الشعبي بوسط القاهرة، حيث أقام ولا يزال، أو في باريس حيث عاش حقبة ممتدة من الزمن، ولعل ذلك أحد التناقضات في شخصيته المركبة (بين التوحد مع الذات والاندماج في الجموع)، وهو ما نراه ينعكس في أعماله .. ففي سنوات تكوينه الأولى في الستينيات كانت لوحاته تعج بهذه الجموع عبر زحام الشوارع والموالد والأعياد والأسواق وحافلات المواصلات وعربات الكارو وعربة اليد لإفطار فقراء الشعب بالفول والبصل، يجسدهم في كتل متلاحمة كسبيكة لا تتجزأ، وتشع من بين ثناياها العيون الواسعة المهمومة والحزينة كعيون بورتريهات الفيُّوم الأثرية .. وفي تلك المرحلة جعل من صبية الميكانيكي والسمكري والمكوجي وموزع اقفاص الخبز بالدراجة أبطالًا للوحاته، ممزوجين بتراب الأرض وشحم السيارات ودقيق الفرن وعرق الأبدان الصغيرة الشقيانة التي سُرقت طفولتها. لكنه بنفس درجة تعبيره عن حياة هذه الجموع وما حققه عن طريقها من شهرة تنافس شهرته كرسام كاريكاتير مرموق، حتى امتزج بالحس القومي والزائقة الشعبية، فإنه – في المقابل –قطع مسافة مساوية في الاتجاه العكسي، مقتربًا من عصر الحداثة الأوروبية في الفن، من خلال المدرسة التعبيرية المتحررة من المدارس التقليدية السابقة، ليشبع بذلك شعفه الدائم بالتجديد والخروج على المألوف، وهو ما قاده لاحقًا إلى المدرسة التكعيبية.
إلا أنه حاول أن يعقد زواجًا عُرفيًا بين التكعيبية بنت الثقافة الأوروبية منذ بدايات القرن العشرين، وبين الحس المصري ابن الثقافة الشعبية بمنتجاتها الحرفية مثل الخيامية والكليم، حيث راح يجتزى من قماش السرادقات والأفراح شرائح مزخرفة ويقوم بلصقها على سطح لوحاته متداخلة مع تشكيلات شبه تجريدية أو تكوينات تكعيبية المذاق صاخبة الألوان والأصداء، وقد تستلهم من زخارف الكليم ووحدات الفن النوبي إيقاعها الفلكلوري مؤكدًا على ملامسها الفطرية الخشنة والمتآكلة بفعل الزمن، لكنه “يُشَخصن” هذه الأسطح “الكولاجية” حتى ولو جعلها خلفية لعازف على آلة موسيقية، بما يضفي على اللوحة عنصر الطرب الغنائي، فيعيدنا إلى الزمن القديم ويوحي برنين الدندنة على العود تحت تأثير “النوستالجيا” ، وهو ما يقابل وحدات الخيامية والكليم بعد أن يكسر إيقاعها الزخرفي الرتيب بملامس التآكل وتجريحاتالزمن فوق الجدران، وبذلك يحقق المعادلة الصعبة بين ثقافة الغرب حتى عصر ما بعد الحداثة، وثقافة الشرق حتى تجليات الفطرة المحلية، فيحسم المعادلة في النهاية لصالح الشخصية المصرية … من هنا نقول إن أعماله ذات مذاق عالمي ينضح بعبقه المحلي.
ولعل انجذابه بشكل خاص إلى فن الخيامية ينبع من ولعه بانسيابية الخط المتصل بغير توقف في رسومه للبورتريه أو الكاريكاتير، فوجد في زخارف الخيامية ما يشبه النغم الموسيقي الممتد على الربابة، أن يجعل منه “الميلودي” الذي تتوالد منه أصوات الآلاتالأوركسترالية والجمل اللحنية، مما يُنتج في اللوحة حركة دائمة صخب بصري متعدد الإيقاعات، ويضاعف من تأثير ذلك ما يحدثه من تباين لوني قوى لسلم الألوان الأساسية، على غرار أستاذه الفنان الشعبي في رسوم السيرة الهلالية ورسوم الوشم وواجهات بيوت النوبة وكتابات السحر، وهو ما يعكس في لوحاته حسًا أيقونيا مسكونا بالغموض والأسرار في كثير من الأحيان.
إن هذا الخط الممدود الذي يستطرد بغير انقطاع، يماثل رحلة الفنان بهجوري في مجملها، كخيط متصل لا تكاد تتخلله فواصل أو مراحل منقطعة عن بعضها البعض، ورغم أنه باحث تجريبي دؤوب في الشكل والتكوين والخامة والبناء، فإنه لا يتخلى أبدًا عن حسه الفطري الطفولي بعيدًا عن قصدية الفكرة والأسلوب والأداء، بل يترك لسجيته قيادة النقطة الأولى في بداية الخط إلى نهاية لم تخطر له على بال حين بدأ الرسم، ولعله يذكرني بكلمة بيكاسو: أنا لا أبحث .. بل أجد!