لقد خلقتَ النيل في العالم السفلي
ودفعتَ به إلى السماء بمشيئتك
لتُحيِي به البشر يا سيد الجميع
لقد جعلتَ نيلا يهبط إليهم من السماء
وجعلتَ لهم أمواجًا تتدافع على الجبال كالبحر
فتجد حقولُهم ما تحتاج إليه من الماء
ما أعظم تدبيرك يا سيد الأبدية!
وهبتَ نيل السماء لشعوب الجبال
فأحييتَ حيوانها ومن يسعى على قدميه
أما النيل الحق فهو يخرج لمصر وحدها من العالم السفلي
“من أناشيد أخناتون”
الصورة الفنية هي سجل الحضارة المصرية القديمة، الذي يميزها عن غيرها من الحضارات، وإذا كان نهر النيل هو واهب أسباب هذه الحضارة، فإن المصري هو مبدعها ومحركها ومترجمها إلى صور تشكيلية، تعد شاهدًا عليها عبر العصور، لأن أممًا أخرى تجري على أرضها أنهار عظيمة لكنها لم تُنتج حضارات عظيمة، حتى حضارة بين الرافدين – وهي الأقرب تاريخًا وانجازًا وعراقة إلى الحضارة المصرية – لم تُنتج من الإبداع التشكيلي ما يضاهي إبداع الحضارة المصرية، رغم أن نهرين مهمين يشقان أرض العراق .. هما دجلة والفرات.
ولا شك في أن للعقيدة الدينية أثرًا رئيسيًا في هذا المنحى الحضاري والجمالي لكل من مصر والعراق، ولا شك كذلك في أن العقيدة نتاج لمنظومة من العوامل الجغرافية والتاريخية والثقافية، يدخل فيها الموقع والمناخ والتربة والأجناس والهجرات وغير ذلك، ومن ثم تلعب الانهار دورًا محوريًا في نشأة وتبلور العقيدة في أبعادها الوجودية والفلسفية والجمالية، وكذا في تشكيل الطبيعة النفسية والسلوكية للإنسان في محيطها.
يقول د. ثروت عكاشة في سياق المقارنة بين الحضارتين المصرية والعراقية: “كان ثمة عقيدتان دينيتان تختلف إحداهما عن الأخرى، وكانتا لهما أثر في حياة الناس هنا وهناك، فلقد كان الناس في مصر ينالون من تقريب الآلهة لهم ولملوكهم ما يضمنون به النعيم في حياتهم الأخرى، فعاشوا دنياهم قارّين وادعين، على حين كان إخوانهم العراقيون لا يطمئنون إلى أخراهم، فعاشوا دنياهم فزعين هلعين، وهذه الحال من الطمع في نعيم الآخرة التي بدأت في مصر مقصورة على نفر من خاصة الملك أيام الدولة القديمة لم تلبث أن عمت الناس جميعًا منذ أن أهلّت الدولة الوسطى، وما من شك في أن هذا الاطمئنان هنا والقلق هناك كانا لهما أثرهما في فنّي مصر والعراق، فبدا الفن المصري وعليه مسحة من دعة واطمئنان، على حين بدا الفن العراقي وعليه مسحة من صرامة وعنف، ولعل هذا ما دفع عالم الاثار الفرنسي جورج كونتينو إلى المغالاة بقوله: الشيء الذي يجب ألا ننساه هو نزوع المصري إلى الجمال وتعلقه به، وقلَّ أن تجد بين العراقيين القدماء من شغل نفسه بمشهد من مشاهد الطبيعة، وكان إذا ما وقف كاتب إلى مشهد يثير إعجابه لم نجد عنده غير قوله معبرًا عما يحس: لقد كان جديرًا بنا أن نراه، على حين كان المصري إذا وقف إلى مثل هذا المشهد تحرك به إحساسه إلى الجمال، وإذا هو قد صور ما يحس على أبدع مثال وأروعه، مما لا نجد له نظيرًا بين سكان الرافدين” ([1]).
إنها عبقرية نهر النيل، وعبقرية الانسان الذي عاش على شاطئيه وتأمله واستلهم عقيدته من جريانه المتصل والمنظم من منابعه المجهولة – ربما في العالم السفلي أو عالم السماء- واهبًا الخصب والحياة والخير، ممتدا – منذ الأزل وإلى الأبد – في خط مستقيم إلا فيما ندر، يبدأ من أقصى الجنوب وينتهي في البحر عند أقصى الشمال، مليئًا بالأسرار وبالقوة الكامنة التي قد تعرف – أحيانًا – الغضب والثورة كما تعرف السماحة والدعة، وذلك حين يأتي في مراسم الفيضان عاتيا كالطوفان، يجتاح الشواطئ ويدمر السدود والبيوت والمنشآت ويغرق الحرث والزرع والنسل، ثم يؤوب هادئًا إلى مسراه، ويعود حانيا وقد كسا غِريَنُه كل الأراضي مجدد خصوبتها وضاعف نماءها، وليس الطوفان وحده هو وسيلته للتعبير عن غضبه على الأرض والبشر، فهناك كذلك القحط حين ينقص فيضه ويشح ماؤه في موسم الفيضان عندما يأتي في موعده من كل عام، عندئذ يكون الهلاك وتعم الجماعة وتذوي الحياة … وهكذا ما بين الوفاء حاملًا الرخاء والامان والازدهار، وبين الثورة التي تؤدي إلى الغرق والهلاك، وبين الشح الذي يؤدي إلى الموت والخراب، تشكلت لنهر النيل- في وعي المصريين القدماء – صورة الإله القادر المانح للنعمة والمنذر بالنقمة، فكان أن قدسوه والّهوه ومنحوه اسم حعبيأوحابي، وأقاموا له الطقوس والأعياد، وقدموا القرابين والاضحيات، وحلفوا باسمه وجعلوه رمزًا للطهر والعطاء وفيضًا للحنوّ والحكمة، وقرنوه مرارًا بالإله أوزيريس رب الأرباب وإله العالم السفلي بعد الموت وقاضي القضاة يوم الحساب بعد البعث، ليقرر مصير كل انسان نحو الجنة والخلود أو نحو الجحيم والهلاك تبعًا لميزان حسناته وسيئاته.
هنا تتجلى قريحة الإبداع المصري، حيث صورت كل ذلك في ما لا يحصى من الصور بريشة الرسام وتصميم المعماري، بل بحروف الكتابة التي تمثلت بدورها في صور تشكيلية محفورة أو مرسومة، تجسد المعاني المختلفة لكل شأن من شئون الدنيا والآخرة.
ولم يكن هذا التصوير مجرد مهارة في محاكاة الطبيعة أو سرد القصص والأحداث أو تحقيق الأغراض الوظيفية للعمارة، بل كان – قبل ذلك كله – رؤية ولغة تشكيلية، فلا يمكن أن تكون الصورة الفنية المنعكسة عن النيل بكل ما أشرنا إليه من مكانة وقدرات وصفات، مجرد وصف تسجيلي لواقع أحداث أو نثريات يومية، أو رصد لآليات العبادة وطقوس الدفن والبعث، بل كان الفن ينبع نهجًا فلسفيًا حاكمًا للفنان، يترجم المثالية التي تقوم عليها العقيدة الدينية والفطرة إلى الحياة، كمعبر إلى يوم البعث وعالم الخلود.
هذا النهج الفلسفي (المطبق في فن الرسم والتصوير) يتمثل في تصنيف الأشخاص أفقيًا على خط مستقيم وهم سائرون بغير توقف، وكأنهم في صيرورة أبدية للعبور إلى العالم الآخر، ويبدون لنا في وضع جانبي، وتخلو أجسامهم من ظلال التجسيم ومن المنظور الهندسي ثلاثي الأبعاد عن طريق التشكيل الاسطواني بالنور والظل وتحديد الأحجام في الصورة تبعًا لوضع المشخصات في المقدمة أو الخلفية، ويستعيض الرسام عن التجسيم بتحديد الأشكال بحدود خارجية متصلة وهي في حالة حركة لا تعرف السكون، ثم يلونها بمساحات لونية مسطحة تملأ ما بين الخطوط؛ ويلتزم بمثالية النسب الطبيعية للأجسام والأشياء، كي تكون أقرب إلى ما ينبغي أن يُبعث عليه الشخص في الآخرة، كما يلتزم هذا المنهج بنسبية العلاقات بين الأشخاص وبعضهم البعض في اللوحة ذاتها ، تبعاً لمكانتهم وطبقتهم الاجتماعية وجنسهم ووظائفهم الدنيوية أو الدينية .. فهذا هو السلم الطبقي الذي ستكون عليه الحياة في الجنة بعد يوم الحساب ، ومن ثم تتحدد الأغراض الأساسية للَّوحات المصورة في غرضين أساسيين : الأول هو السرد التفصيلي لأعمال صاحب المقبرة في دنياه ، من عطاء يتمثل في أعمال الخير والبر للآلهة وأعمال الانتاج في الزراعة والصيد والحرف المختلفة ، ومن بطولات في المعارك الحربية وقهر الأعداء ، وأحياناً من صور لحب الناس له وحزنهم عليه عند موته ، في الجنازات التي تفيض بدموع المودعين له والنائحات عليه . والثاني هو ما يتخيله الفنان عن يوم الحساب ، من وقوف بين يدي الإله أوزيريس ومحكمته في العالم السفلي ، وما يقدمه المتوفي من قرابين وأدعية تثـقل كفة حسناته في مقابل كفة ريشة الحق فوق الميزان ، ثم – أخيراً – ما يصوره عن حياته المستقبلية في جنة الخلد ، حيث حياة الترف ومجالس الأنس بما تحتويه من الطرب والرقص والشراب والغيد الحسان وسط البساتين والأزهار وأطايب الطعام والفاكهة على صفاف أنهار من لُجَيْن .
إن العلاقة تأتي من أن المسرح لأغلب الصور في تلك السيناريوهات المرسومة على الجدران ، هو شاطئ النيل ، بما يجري فوقه من أعمال الفلاحين والمشرفين على العمل والكتبة الذين يسجلون كم المحاصيل ونسب توزيعها ، وعلى رأسهم جميعاً يجلس الأمير أو صاحب المزرعة ، ونرى أرباب الحرف المختلفة في تكوينات ومواكب تجمع البشر والنباتات والحيوانات والمعدات ، بل يكون المسرح أحياناً هو سطح النهر ذاته ، وما يتم تحت سطح الماء ، حيث نرى الأسماك ووحوش النهر والأحراش التي تضرب بسيقانها وجذورها تحت الماء ، وحيث نرى مجاديف القوارب والسفن تشق الأمواج في صفوف منتظمة مع حركة أذرع المجدِّفين، كما أن أمواجه تلك تتشكل فنياً في شكل زجزاج تتَّابع خطوطه في حِزَم رأسية تتكون كل حزمة منها من مجموعة متدرجة من درجات اللون الأزرق ، بتشكيل زخرفي يتكرر إلى مالا نهاية .
إن كل تلك المناظر والمعاني تتجلى في تكوينات فنية تنبع – كما ذكرنا- من الرؤية الفلسفية المنعكسة عن جريان النيل منذ الأزل وإلى الأبد ، من حيث استمرار حركة الحياة في اتجاه واحد بغير توقف ، وانتظامها في إيقاع رتيب وهادئ ، بِلَزَمات خطية وحركية متكررة ، لا نكاد نلحظ اختلافاً بين وحداتها إلا نادراً ، واتخاذ تلك المسيرة اتجاهاً أفقياً في مستوى النظر يستغنى عن المنظور الهندسي (البعد الثالث) مستعيضاً عنه بِرصّ الأشخاص والعناصر في صفوف أفقية متوازية بعضها فوق بعض ، لتوحي بالبعد الرابع (الزمن) ، وهو الأكثر تعبيراً عن فكرة الأبدية أو الديمومة .
ومن يتأمل لوحات المقابر والمعابد أو الرسوم على البردي لن يجد في أي منها شخصاً واقفاً بقدمين متلاصقتين ، بل سيجدهما في حالة حركة ولو بسيطة ، تأكيداً لفعل السير ، وهو ما يؤكده أيضاً الوضع الجانبي للجسم ، والسير يعني الاتجاه نحو هدف ، والهدف هو استمرار الحياة الأبدية بغير توقف ، واستمرارها يتطلب أن يكون الجسم في أكمل أوضاعه .. أليس كل ذلك من صفات النيل في مسيرته العارمة التي لا تعرف التوقف ؟!
وكما توحي تلك المسيرة البشرية بمعنى الزمن ، فإنها توحي كذلك بالإيقاع الموسيقى القائم على لحن أساس (ميلودي) تتردد نغماته في موجات متتابعة من الخطوط والمساحات ، بما يشبه آلات العزف المختلفة ، وقد تأتي متعاكسة أحياناً من الاتجاه المقابل كمجموعة مختلفة من الأصوات ، لكنها تحقق هارمونية متصلة ومتجانسة لا نشاز فيها .. وغنى عن القول أن ذلك الإيقاع هو انعكاس للفكر الفلسفي في العقيدة والحياة عند المصريين .
وقد اعتاد الفنان المصري أن يصور ماء النيل في شريط عريض بالجزء السفلي دائراً ما يدور حول جدران المقبرة بالشكل الذي سبق لنا وصفه : من موجات تتشكل في حزم زجزاجيةمتراتبة ، تتخللها هنا وهناك حزم من سيقان البردي ، وكان النيل هو الأساس الذي تقوم فوقه وتتصاعد – في صفوف متراصة- لوحات الحياة والموت وما بعد الموت ، أو كأن الرسم يمثل معنى النيل الذي ينبع من العالم السفلى كما آمن به المصريون على أنه النيل الحقيقي .. ولعل في النشيد الذي قدمنا به هذا البحث من أناشيد أخناتون خير ترجمة لذلك .
وهل ثمة تصور آخر أرق وأجمل مما صور به الفنان المصري جريان النيل غير ذلك المسار الزجزاجي الوئيد عبر زرافات وحزم موجية ولونية متدرجة ، تتوالي بغير نهاية ، فيما تتخللها شتى أنواع الأسماك والكائنات المائية ؟ .. وهل يختلف هذا الإيقاع الهادئ المنتظم عما نجده في اللوحات الخاصة بمناظر العمل في الحقل والصيد وفي المناظر الطقوسية وغير ذلك؟.. إن الاختلاف نجده في التفاصيل ليس إلا ، أما المنهج الفني والإيقاع الحركي فهو واحد هنا وهناك .
ولا بد أن نقف متأملين لآثار أخناتون (أمنحتب الرابع) ، أول رسل التوحيد في العالم ، وأقدم شعراء الطبيعة والحب في التاريخ فيما أظن ، لقد جمع في صلواته وأناشيده بين الحب الأرضي والحب والسماوي ، أو بعبارة أخرى : كان نموذجاً للمتصوفين العظام ، الذين يذوبون فيمن يحبون ، وبمنتهى الحب يتوجه للإله آتون الواحد الأحد ، لكن هذا الحب لم يكن ليتجلى في صوره الرائعة التي مجًّدت جمال الطبيعة والمخلوقات لو ظهر اخناتون في مكان آخر غير وادي النيل .. فأناشيده وصلواته لوحات فنية رسمتها بصيرة شاعر ، مستلهماً مشاهد الطبيعة على شاطئ النيل ، وإشراق الحياة من وراء الشاطئ متمثلة في أشعة الشمس التي تمتد نحو الأرض كأذرع حانية تثبت الحياة في جميع الكائنات.. ها هو يناجي إلهه رع قائلاً :
عندما تشرق في الأفق تتألق الأرض
وعندما تضيء كآتون أثناء النهار
تبدد الظلام .. وعندما تمنح أشعتك
يُهلل سكان القطرين
ويَهُبُّ الناس واقفين
فأنت الذي توقظهم
يغتسلون ويرتدون ثيابهم
يرفعون أيديهم عابدين جلالك
ويُشغَل الناس بعملهم
وتمرح الماشية في المروج
وتزدهر الأشجار والنباتات
وتغادر الطيور أو كارها
وتبسط أجنحتها بروحك
وتقفز الحملان على حوافرها
ويهلِّك كل ما يطير وترفرف أجنحته
عندما تشرق أنت من أجله
تروح السفن وتغدو على النهر
وتُفتح كل الطرق لأنك أشرقت
أما الأسماك في النهر فتقفز أمامك
لأن أشعتك قد نفذت في أعماق البحر
وبقدر ما اتسمت به ديانة أخناتون من روحانية وتصوف ، ومن سمو فوق الماديات ، ومن نزوع إلى التأمل المجرد بحثاً عن الكليات لفهم سر الخليقة وما وراء الحياة ، فقد شهد الفن في عهده ثورة كاملة على الأنماط المثالية ذات المسحة الكهنوتية الجامدة ، ليكون أقرب إلى الحياة الواقعية ، وإلى تمثيل مشاهد الطبيعة ، وإلى الغنائية بلمسة عاطفية وتأملية معاً ، تعكس أثر أناشيد أخناتون وتوجهه الفكري الجديد ونظرته الشاعرية للكون ، ولم يكن ذلك قاصراً على تصوير مناظر الطبيعة الخلابة ، التي تضاهي صورة الفردوس كما يتخيله الفنان عن العالم الآخر ، بل امتد كذلك إلى تصوير البشر دون التقيد بالأنماط والأوضاع الثابتة في الحقب السابقة ، فصرنا نرى تعبيرات الوجوه كاشفة عن الرضا والحب والسماحة ، ونرى وضعات الجلوس بين الزوجين أو الحبيبين وهما يتناجيان ونرى حركات اليدين والساقين وهي تتقابل وتتلامس فيما بينهما ، وبذلك ينتقل الفنان بلغة التصوير نقلة جديدة نحو لغة حركية باستخدام الجسد أو الأداء الجسدي ، مع قدر غير قليل من المبالغة في نسب الأجسام والأطراف وملامح الوجوه ، لتكون تعبيراً صادقاً عن فلسفة اخناتون “العائش في الحقيقة” .
وقد حفظت لنا لوحات التصوير الجداري في المقابر والمعابد الكثير من الصور تمثل خيرات النيل من شتى أنواع الطيور والحيوانات والزهور والأشجار والأسماك والأحياء المائية ، ومن كل ما يعيش على ضفاف النيل أو في أعماقه …
إن اللوحات التي تصور النزهات النيلية ورحلات الصيد في المستنقعات والبراري تعد من آيات فن التصوير القديم والحديث ، بتنوع أنواع الفرائس فيها وحيوية الحركة وحبكة التكوين وطلاقة التعبير وجمال الألوان وإن الخطوط القوية والانسيابية لأسراب الطيور والغزلان المتقاطرة او المتقابلة أو المتقاطعة تعد مدرسة ذات أستاذية في التشكيل الجمالي بالخطوط والألوان ، كما وأن اللوحات التي تصوِّر مراحل الزراعة .. من حرث الأرض وبذر البذور وري الحقول ونضوج المحصول وجني الثمار ، تعد تحفاً عبقرية يحار أمامها الفنان المعاصر قبل المشاهد العابر ، وكذا لوحات سَوْق قطعان الماشية وإطعامها وتوليد إناثها أو تقديمها كذبائح وقرابين .
وبقدر ما تغنَّى الفنان القديم بالحياة المزدهرة بخيرات النيل ، فإنه لم يتوان عن تصوير مشاهد الجفاف والمجاعات خلال فترات القحط بسبب نقص مياه الفيضان ، كما أنه لم يتوان عن تصوير الدوافع لبعض الثورات الشعبية ضد ظلم الحكام ، خاصة في عصر أسرات الدولة الوسطى . فرأينا لوحات تصور أجساما نحيلة ممصوصة نال منها الجوع حتى باتت هياكل عظمية ، وأخرى لبقرة يقوم أحدهم بحلب ضرعها بينما وليدها مربوط في ساقها الخلفية يتضور جوعاً ولا يطال قطرة من لبنها ، وهي تلتفت إليه بعيون تسيل منها الدموع .
وكثيراً ما كان الفنان يجمع في لوحته بين النحت والتصوير ، فهو يقوم أولاً بتجسيم لوحته على الجدار بالنحت البارز أو الغائر في الجحر ، ثم يعود إليها فيلونها بألوان زاهية ، ولا يزال الكثير منها محتفظاً بنضارة ألوانه في عدد من المقابر ، على عكس لوحات المعابد التي تعرضت – عبر آلاف السنين- للضوء وتأثير العوامل الجوية ، فحالت ألوانها في أغلب الأحيان.
- منحوتات العمالقة :
وربما كانت فلسفة النحت وأغراضه ومعاييره – في الفن المصري القديم – مختلفة عن فن التصوير بعض الشيء ، لكنها تعد – في ذات الوقت – الأقرب إلى الروح التي يحتويها نهر النيل ويعكسها في العقائد والمفاهيم الروحية ، فإذا كان النيل يمثل إعجازاً للطبيعة بصفاته التي أشرنا إليها من قبل ، فإن التماثيل الحجرية شكلت إعجازاً موازياً لإنجازه وموازياً لخلقه ودافعاً إلى التأمل في مدلولاته .
الإعجاز فيه لا يقف عند المهارة الفنية أو الإبداع الجمالي ، بل يمتد إلى قدرة النحات على تحدي الجبال وأقسى الصخور مثل الجرانيب والبازلت والديوريت والصوَّان والكوارتز والشيست ، والتحكم فيها كأنها كتل طرية من الصلصال ، وهو لا يملك غير إزميل بسيط من البرونز وأحياناً من الحجر ، ولم يقتصر هذا التحدي على الأحجار بأنواعها ، بل امتد أيضاً إلى المعادن من خلال التماثيل المصنوعة من سبائك البرونز والمطعمة بالذهب ، مما كان يتطلب المعرفة بطرق إعداد القوالب من الطين والجبس والشمع ، وصب المعادن المصهورة فيها ، ثم استخلاصها منها كما يستخلص الوليد من بطن أمه !
ولا تكمن معجزة الفنان المصري في السيطرة على الخامة العاتية فحسب ، ولا حتى في نحت التماثيل في أحجام عملاقة تطاول الجبال أو تنبثق من أحشائها كما نراها في واجهة معبد رمسيس الثاني بأبي سنبل ، بل الأهم من ذلك هو احتواؤها على تلك القوة الروحية الهائلة التي تترجِم بأسلوب جمالي كلَّ مهابة النيل وعظمته وسر قوته وخلوده ، كما تترجم روح العقيدة المصرية في تجاوز الموت وتتطلع إلى حياة أبدية لا تعرف الموت ، وفي الإشعاع بمعاني السلام والتماهي مع القوى الكونية المحركة في الخفاء لحياة الإنسان والنيل والكائنات .. إن المنحوتات المصرية العملاقة – وهي تطل على النيل من أمام المعابد الشامخة على شاطئه – تمثل مناظرة وجودية بين عبقرية الإنسان وعبقرية المكان ، وربما كان النحات المصري يتطلع إلى اختزال كل قوة النيل في قبضته ثم يبثها في تمثاله الحجري ، حتى وإن بقى كتلة ساكنة بغير حركة أو تفاصيل دنيوية مهمة ، لكن عيونه المفتوحة على اتساعها ، إذ تنظر إلى المدى السرمدي ، تستوعب سر الكون في بنيتها البشرية الراسخة ذات الأوضاع الثابتة ، سواء كانت جالسة أو منتصبة ، وهي تتكرر من تمثال إلى آخر ، وقد جمعت بين صفات البشر وصفات الآلهة وقد توحدت في شخصية الملك الإله .
وإذا كانت تماثيل المعابد تواجه – من فوق منصاتها – أسرار المجهول الساكنة في أعماق نهر النيل وهو ينساب تحت أقدامها الحجرية غير مُلق بالاً إلى الزمان ، فإن الفنان المصري كان – على العكس – يبالي كثيراً بالزمان نفسه ويتحداه في تماثيله التي كانت توضع داخل المقابر شبيهة بأصحابها ، لتظل قابعة في ظلام أبدي دون أن يراها أحد ، إلى أن تأتيها أرواح أصحابها لتتعرف عليها يوم النشور ، ثم تقودها إلى مومياوات أصحابها المتدثرة بأكفانها ، كي تنهض من سُباتها الدهري لتقف أمام محكمة ملك الملوك أوزيريس أو أمام إله الآلهة حابي ، على الصراط المستقيم بين عالم الحقيقة وعالم الفناء .
لقد جسد النحت كل رموز العقيدة المصرية من خلال تماثيل آلهتها ، وفيما هو يصور هذه الآلهة بأجساد بشرية ذكورية أو أنثوية ، وبرؤوس حيوانية أو طيرية ، مثل الثور ذي القرنين المقوَّسين رمز الإله رع ، والصقر رمز الإله حور ، والبقرة رمز الإلهة حتحور ، والكبش رمز الإله تحوتي ، واللبؤة رمز الإلهة سخمت … إلخ ، فإنه – أي النحت – جسد الإله حعبي (حابي) إله النيل برأس رجل شيخ ذي لحية طويلة وشعر كثيف ، وفوق رأسه ثلاث من زهرات اللوتس التي ارتبطت بزينة المرأة وتيجان الأعمدة أيضاً ، والغريب أنه ذو ثديين أنثويين وبطن منتفخة دليلاً على الخصوبة والعطاء ، وعلى أنه يجمع جانبي الإخصاب والولادة معاً ، فهو إذن الوالد والوالدة والولد ! .. ولنا أن نقارن بين هذا الرمز المصري للنيل وبين الرمز الذي صنعة الإغريق له ، حيث صوَّره النحات الإغريقي شيخاً بديناً عملاقاً مستلقياً على جنبه ، وقد برزت عضلات جسده العاري ، ومن تحته ومن حوله مجموعة من الأطفال الصغار يمثلون الأقاليم المصرية .. قارن بين البلاغة الفلسفية في التعبير عن الخصوبة والرقة والألوهية وليدة ذاتها في الرمز المصري ، وبين الحسية الجسدية والترجمة المباشرة لتعدد الأقاليم في الرمز الإغريقي !
- منحوتات للحياة :
لكن النحت لم يكن كله دينياً أو ملكياً يمثل الآلهة العظمى والملوك العماليق ، بل كان جانب كبير منه دنيوياً يمثل الحياة بكل جوانبها وأحوالها ، مرتبطاً في ذلك بصفة تميز بها المصريون عبر العصور ، وهي حب الحياة والمرح والاحتفال بالأعياد والمناسبات ، ومنها جانب كبير يرتبط بوفاء النيل وبأعياد الحصاد والمواسم المتربطة بالأرض والزراعة وما إليهما ، حتى أنهم لم يحرموا الموتى في قبورهم من حقهم في الاستمتاع بمباهج الأنس خلال رقادهم الطويل حتى يوم النشور ، فكانت توضع إلى جانب تابوت المتوفي تماثيل صغيرة الحجم تعد بالعشرات، صُنعت بأسلوب بسيط أقرب إلى المزاج الشعبي ، من طينة الفخار أو الحجر الجيري أو الخشب، وتسمى “التماثيل المجيبة” أو “الأوشابتي” ، وتضم محظيات صاحب المقبرة اللاتي تقمن بالترويح عنه ، كما تضم من يقوم بخدمته في العالم الآخر ، ومنها تمثالٌ لسيدة جميلة عارية تحمل اسم “محبوبة سيدها” يعود إلى الأسرة 12 بطيبة ، ويُبرز تفاصيل جسدها الأنثوي .
ولا تنس التماثيل الأسرية التي تجمع الزوج والزوجة وهو يحيطها بزراعه تعبيراً عن الرعاية والحنان ، أو التي تجمع الزوجين وأبناءهما تأكيداً للترابط الأسري والعواطف المتبادلة ، وهناك أيضاً التماثيل الصغيرة التي يقتنيها عامة الشعب لعرائس بسيطة يقومون بإلقائها في النيل تقرُّباً إليه وتوسلاً ، كي يأتي الفيضان وافرا بالخير ، وقد يلقون إليه بتماثيل لفتيات جميلات كي تثير إخصابه فيفيض وينشر نفسه في المملكة معطياً الحياة للأرض ، أو كي يخفف من ثورته عندما يزيد فيضانه حتى يغرق القرى والسدود ، ولا ننس كذلك التماثيل متناهية الصغر من العاج والعظام أو من الفضة والذهب أو من الفخار والخزف ، التي كانت تستخدم كأوعية ومكاحل لزينة السيدات ، أو كأدوات للمائدة ، على هيئة حيوانات أو طيور أو فتيات حسان ، أو أقزام خفيفة الظل ، أو كائنات خرافية ، وتتميز بمنتهى الرقة والطرافة والإتقان ، وقد تنتقل بعد موت أصحابها إلى مقابرهم لتكمل أثاثهم الجنائزي حتى تكون في متناول أيديهم حين يبعثون ، ولكن نجد في تراث كافة الأمم والحضارات ما يناظر آثار الملك توت عنخ آمون دقة ورقة وجمالاً في مثل هذه المنحوتات والمشغولات .
وارتبط الكثير من المجسمات بماء النيل ، من خلال قنينات ذات أشكال بلا حصر ، وأواني الشراب والطعام المصنوعة من الخزف أو الفخار أو الخشب ، ومنها تماثيل لجماعة من البشر فوق مركب خشبي يجدّفون بمجاديفهم ، وهناك تمثال لفتاة رقيقة تحمل وعاد الماء وتميل به وكأنها تصبه ، وآخر لربة البيت أو لخادمة وهي تقوم بأعمال منزلية ، غير تماثيل عديدة لنساء يقمن بإعداد العجين وصنع الخبز وتسوية الطعام في الموقد وشيّ اللحوم على الجمر .. والمتحف المصري وغيره من المتاحف العالمية يقتني الكثير من هذه التماثيل وما يشبهها .
- العمارة .. والنيل :
إن العمارة في المحصلة الأخيرة : صورة .. أي شكل جمالي ذو أبعاد خارجية في الفضاء ، وأبعاد داخلية في الحيز المغلق أو المفتوح ، تتكامل فيها ” لغة الشكل” من اتزان وحركة داخلية وإيقاع وخط ولون وضوء وملمس ومنظور هندسي ، لكن بدلاً من أن تصبح مكونة من مشخصات منحوتة في كتل ، أو من هيئات مرسومة في صور ، فإن مكونتها تتمثل في أشكال هندسية مثل : مكعب ، مستطيل، دائرة ، وتستخدم في أغراض عملية مثل : معبد ، هرم ، حصن ، مسلة ، منزل ، جدار ، عقد ، عمود ، بوابة ، دهليز ، كورنيش ، زخارف …إلخ.
والملاحظ أن أغلب المعابد المصرية القديمة أقيمت على شاطئ النيل أو بالقرب منه ، وكانت تصب عندها مواكب الاحتفالات والطقوس الدينية وتعميد الملوك ، وهذه المواكب كانت تأتي بالقوارب والمراكب الشرعية عبر نهر النيل ، وفي حالة بُعد مجراه قليلاً عن المعبد – مثل الكرنك بطيبة – كانت تُشق قناة لتصل بين النهر والمعبر ، فتدخل منها المراكب إلى المكان المقدس ، وفي مدينة أسوان تضم جزيرة فيلة مجموعة معابد من عصور مختلفة يحيطها النيل من كل جانب ، ولا تستطيع الوصول إليها إلا بالقوارب ، وترى مبانيها الشامخة وأعمدتها الشاهقة منعكسة على صفحة الماء ، وكأنها طابق سفلي من المعابد يعمره الماء ويشف عنه، إذ أن تلك العمائر بانعكاسها على الماء تبدو كياناً عضوياً واحداً يلتحم بالنهر ، ولا تفصلها عنه مجموعة الصخور التي تشكل الجزيرة وتحمي الهياكل الراسخة فوقها عبر آلاف السنين ، كما تحيط بالغموض ما يدور بداخلها وما تحتويه من أسرار الكهنة وأسرار النيل في آن ، مسجلة بالكتابة الهيروغليفية على الجدران ، أو مصورة بالرسوم الملونة أو البارزة الغائرة في الأحجار ، أو مجسمة في تماثيل نحتية ضخمة ، لكن الجانب الأهم من هذه الأسرار يبقى طيَّ لفائف البردي في حوزة الكهنة ، يحفظونها بأماكن لا تصل إليها أيدي غيرهم ويتوارثونها جيلاً بعد جيل، ومن ثم يصبح المعبد المحروس بقوة النيل – هو نفسه مؤسسة الحكم الروحي المطلق للبلاد ، وجسر المرور لملوكها إلى الحكم الأرضي ، بل وجسر عبور العباد الطيبين إلى الخلود .
ولقد استمدت تصميمات المعابد مهابتها وسر عظمتها من سر النيل ، وإن كانت بارتفاعها الصخري وأعمدتها الشاهقة – التي يحتاج العمود الواحد منها إلى أذرع عشرة رجال للإحاطة به – تبدو متناقضة مع الامتداد الأفقى لنهر النيل ومع سيولته المائية المنسابة في لين ، فإن قوتها تأتي مما تكتنزه أعماق النهر من معاني وأسرار وأساطير تجعل منه بحق : كبير الآلهة وواهب الحياة للعالم الأراضي والعالم السفلي .. وفي السماء أيضاً !
وعلى غير ما بني المصري المعابد والأهرامات والمسلات والحصون بالأحجار الهائلة ، فإنه بني القصور والبيوت بالطوب اللبن ، حيث لم تكن لها صفة الخلود الذي تتطلّبه العمارة الدينية، ومع ذلك كانت هذه العمائر المدنية مثالاً للجمال والأناقة والحلول المعمارية المتوافقة مع البيئة من تهوية ورطوبة وتدفئة ، لقد عرف المهندس المصري تخطيط المدن على نسق تخطيط أحواض الأرض الزراعية ، وتوجد اليوم شواهد مؤكدة عل تخطيط مدينة تل العمارنة (أخيتاتون) بالمنيا ، بشوارع مستقيمة ومتقاطعة في الأحياء الرئيسية ، وأقل اتساعاً في الشوراع الجانبية ، تماماً مثل تخطيط الأحواض والقنوات ، وجعل البيوت على ارتفاعات منتظمة لكل منطقة ، بين الطابق الواحد والطوابق المتعددة (طابقين أو ثلاثة) ، وجعل لها ملاقف للهواء مفتوحة على الجهة البحرية (صوب النيل) ، كما جعل فوق أسطحها حدائق معلقة تمتلئ بأنواع الزهور ، حيث تستجم الأسرة فيها وهي تطل على النيل في أشهر الصيف ، ما لم تكن للمنزل حديقة عند مدخله ، ولم تكن الأسرة الميسورة تكتفي بذلك ، بل كانت تنشئ لنفسها استراحة خاصة قرب الشاطئ أشبه “بالفيلا” أو ” الشاليه” بلغة اليوم ، بعيداً عن المنزل ، لتقضي فيها فصل الصيف أو أيام الأعياد ، محاطة بالحدائق اليانعة ، وتتوسطها بحيرات صغيرة وفسقيات لتلطيف الجو، وعلى واجهاتها شرفات مزخرفة تطل منها أصص الزهور ، وعلى أسطحها أشجار للزينة والفاكهة وأماكن للاستجمام ، وبنيت حولها ملحقات للماشية والغلال والمؤن بعيداً عن أجنحة النوم والاستقبال ، ويمكننا أن نشاهد بعض هذه الصور والتصميمات المعمارية مسجلة فوق جدران المقابر ولفائف البردي ، وأن نشاهد كذلك أنواعاً من الأثاث والمفروشات البديعة التي أثث بها المصري بيته ، بل أودع الكثير منها مقابره ، وهي حالياً ضمن مقتنيات بعض متاحف العالم.
إن دل كل ذلك على شيء ، فإنما يدل على أنه ثقافة انعكست عن النيل ، بكل ما يمثله من رخاء واطمئنان ونظام اجتماعي واقتصادي ومناخي مستقر ، ومن نزعة تأملية للحياة على الأرض ، كصورة للجنة التي سوف يحيا فيها عند البعث .. إنها الوعد الذي وعد به “حابي” عبادة الطيبين .
غير أنه من الضروري القول بأن النيل ليس هو السبب الوحيد وراء تلك الحالة من الرخاء والنظام والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي التي ذكرناها ، بل إنه عامل أساس ضمن منظومة من العوامل ، منها الموقع الجغرافي لمصر ، والمدى الأفقي الممتد لأرض الوادي والصحراء ، وانتظام الزراعة وفقاً للنظام الشمسي ودورة الليل والنهار ومدارات النجوم والأفلاك ، وما يرتبط بها من انتظام فصول السنة ، وترتب على ذلك كله استقرار المجتمع الزراعي بعاداته وتقاليده ، وتسليمه بتحكم الأقدار في مصير البشر ، مثلما تتحكم في فيضان النهر وانتظام شروق الشمس من جوف الليل ، لتهب الحياة للمخلوقات في رحلة يومية تستمر إلى الأبد ولا تتأخر ساعة .
وقد هيأت هذه الظروف مجتمعة الفرصة للإنسان المصري كي يتأمل في الكون ويكتشف أن الحياة لم تخلق عبثاً ، بل لغاية وراءها قوة عظمى خلقت هذا الكون وخلقت معه الخير والشر بداخل الإنسان ، وتكونت من هذا الاكتشاف لدى المصري عقيدة البعث في حياة أخرى بعد الموت ، متضمنة فكرة الحساب عما أتاه الأنسان في حياته من خير وما ارتكبه من ذنب ، لينال كل شخص جزاء عمله ثواباً أو عقاباً .. كل ذلك زرع في نفس المصري وازع الضمير والحس العميق بالتدين والخوف والرهبة والتبجيل والتقديس للآلهة وللملوك الذين يستمدون منها وجودهم كأبناء من صلبهم ، وأصبح للحياة الدنيا معنى أسمى من إشباع الحاجات المادية ، فارتفعت الحاجة الروحانية (الإيمانية) إلى منزلة لا تقل عن منزلة الحاجات الدنيوية وقد نجد في الأبيات التالية من الشعر المصري القديم ما يحمل هذا المعنى :
يمضي جيل ويخلق جيل
سُنَّة الوجود مُذْ كان الإنسان
مُذْ كان في الوجود آلهة
وهؤلاء الراقدون في أهراماتهم
الأشراف منهم والسادة
مضوا إلى الفناء مع غيرهم
إن ما بنوه من مقاصير وعمائر
اندثرت كلها وكأنها لم تكن
وأصحبت عبرة لمن يعتبر
وما من وافد علينا من قبلهم
يحدثنا حديثهم وما حل بهم
لتكون قلوبنا على يقين
لكن حابي يعود فيعطي عباده نفحة من الطمأنينة والرجاء ودفعة لحب الحياة انتظارا لمصير محتوم فيقول لهم :
إلى أن نصير إلى حيث صار هؤلاء
ثبِّتْ فؤادك كي لا يفزع
وأنعَمْ بما تحب وأنت حيّ
ضمِّخ رأسك بالعطور
واختر من ذلك أطيبها
متطيباً بأحسن ما يتطيبَّ به الإله
وخد حظك من مسرَّاتك
ولا تجعل لليأس سبيلاً إلى قلبك
اغتنم السعادة التي تجود عليك بها الأيام
فليس بين من رحلوا من عاد ثانية
ولا ينبغي لنا أن نختم هذا الجزء عن العمارة والنحت في الفن المصري القديم وارتباطهما بالنيل ، دون أن نتعرض لكيفية نقل الأحجار الضخمة إلى مواقع العمل في الأهرام والمعابد والمسلات ، وارتباط ذلك بالنيل أيضاً .. إن عدد الأهرامات في مناطق الجيزة ودهشور والفيوم وغيرها كان يناهز المائة ، وكان أكبرها حجماً أهرام خوفووزوسروسنفرو ، ثم هرما خفرع ومنكاو رع بسقارة ، وجميعها من الأسرتين الثالثة والرابعة ، وكان وزن القطعة الواحدة من الحجر عدة اطنان ، يؤتي بها من مناطق مختلفة وبعضها كان يأتي من أسوان ، ومنها ما كان يستخدم لتغطية أسقف حجرات الهرم الأكبر من قطعة واحدة .
وإذا كانت طريقة رفعها إلى أعلى الهرم أو المعبد لا تزال لغزاً يحير العلماء والباحثين ، ويُخْتَلَف في أمرها حتى اليوم ، فإن الثابت من الرسوم الباقية هو أن نقلها من المحاجر إلى أماكن البناء كان يتم بواسطة مراكب شراعية تسير في النيل ، ثم تُجر فوق زحافات محمولة فوق اسطوانات ضخمة من جذوع الأشجار تجرها الثيران ، وتبقى أمامنا صعوبة أن نتصور كيف كان يتم الصعود بهذه الكتل إلى الارتفاعات الشاهقة، وكيف كان يتم إنزالها ثم تثبيتها في أماكن محسوبة هندسياً لتُرص متلاصقة في بناء المعبد أو الهرم ، حتى لا يبقى فيما بينها منفذ لدخول إبرة ، بما يعني أن يصل التلاحم إلى حد تفريغ الهواء تماماً فيما بينها ، فلا تحتاج الأحجار إلى مواد لاصقة !
- النيل.. والآخر :
هكذا كُتب الخلود للأهرام والمعابد والمسلات كما كُتب للنيل ، وظلت صورها دائماً مقرونة به ، إذا تنعكس على صفحته وتلهم الأجيال وتذكي الخيال ، بحثاً عن السر الذي يجمع بينها وبينه ، لكن العين الأجنبية السائحة عند مجيئها إلى مصر بدءاً من القرن العاشر الميلادي ، لكتاب ومغامرين وشعراء ورسامين ، كانت أشد انبهاراً بهذه الصور وأكثر استلهاماً لسحرها ، وكان هؤلاء هم طلائع المستشرقين الأوربيين ممن توافدوا على مصر تباعاً في القرون الوسطى ، وتراوحت رؤيتهم لها بين الخيال المحمل بأفكار مسبقة من خرفات وأساطير اختزنتها ذاكرتهم من قراءات المستشرقين الأوائل عن غموض الشرق وعوالم الحريم في الخدور وألاعيب القصور .. ذلك العالم الذي أكدته فيما بعد ترجمة كتاب ألف ليلة وليلة إلى اللغات الأوروبية، وبين النظرة التسجيلية – بأيدي الرسامين – لمظاهر الحياة على شاطئ النيل ، من زراعة ورعي وما شابه ذلك ، ولما فوق مياهه من مراكب شراعية وصيد ، وبما يطل عليه من مناظر طبيعية مطرَّزة بسيقان النخيل ، ومصوَّرة لحاملات الجرار وقوافل الجمال والماشية والأغنام بحذاء مجراه ، وكانت الصحراء دائماً هي الوجه الآخر المكمل لهذه الصورة بطابعها البدوي البدائي ، ترسيخاً لفكرة الإنسان الأوروبي عن الشرق .
لكن الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابارت أواخر القرن 18، غيرت صورة مصر جذرياً في عين “الآخر” ، لأنها اجتهدت للعبور من المظاهر إلى الظواهر ، ومن السطح إلى باطن الحياة الاجتماعية للمصريين بمخزونها الثقافي الممتد ، وكان كتاب “وصف مصر” بحثاً توثيقياً لكافة أوجه الحياة في مصر ، ورصداً دقيقاً لكل تفصيلاتها بالكلمة والصورة ، وحظيت الآثار الفرعونية والأحياء النباتية والعضوية التي تعيش في النيل وعلى شواطئه بنصيب وافر من هذا البحث ، مما يجعل منه بحق ديوان الحياة المصرية في أواخر القرن الثامن عشر.
لقد قامت ريشات الرسامين الفرنسيين بدور آلة التصوير – قبل اكتشاف الكاميرا – لرصد ملامح هذه الحياة وتسجيل كافة المعالم الأثرية ، من معابد ومسلات وحصون وتماثيل ولوحات ، بكل هيبتها وزخارفها ، وبما تضمه من كتابات هيروغليفية حتى قبل اكتشاف أبجديتها وفك رموزها بفضل شامبليون ، كما صورت هذه الريشات حياة مختلف الطبقات الاجتماعية بما فيها الفقراء والمهمشون ، بعاداتهم وتقاليدهم بفنونهم وموسيقاهم ، بحرفهم وطوائفهم ، بشكل لا سابق له ولا لاحق أيضاً يمثل هذا الثراء الموسوعي .. إن هذا الكتاب بلوحاته المدهشة على أيدي فريق الرسامين والعلماء المصاحبين للحملة العسكرية التي قادها نابليون ، هو الذي أسس وأذكى – على مدى قرنين وأكثر – ذلك الولع بمصر لدى الفرنسيين حتى اليوم ، والفضل في ذلك ليس لنابليون – الذي لا يجادل الشعب الفرنسي في أنه مغامر قاد غزواً استعمارياً فاشلاً إلي مصر – بل بفضل الصور الرائعة التي سجلها الفنانون الفرنسيون ، والدراسات العلمية التي صاحبها في كتاب وصف مصر بأقلام خيرة علماء فرنسا آنذاك .. لقد اكتشف هذا الكتاب –بحق – مصر الحديثة ، وشخَّص أوضاعها بمثل ما اكتشف مصر القديمة وحل ألغازها ، ولقد انتهى الغزو ، وذهبت المطامع الاستعمارية إلى غير عودة ، وما ذهبت الصور الفنية التي احتواها الكتاب ولا ذهبت زهوتها ودهشتها وإثارتها للقارئ العصري ، وإذا كانت مصادرها البشرية والسوسيولوجية على أرض الواقع قد تغيرت اليوم عما احتوته تلك العصور منذ أكثر من قرنين فإن مصادرها الجغرافية والأركيولوجية والثقافية التي أوجدها النيل وسقاها ورعاها لم تتغير ، ومن ثم عاشت دائماً مليئة بالصدق ، بقدر امتلائها بقيم الجمال .
- النيل .. في الفن المعاصر :
كثيرة هي التجليات الفنية للنيل في صور تشكيلية، ليس في العصور القديمة والوسيطة فحسب، بل كذلك في العصر الحديث وبأيدي الفنانين المصريين، وأود – قبل استعراض دورهم وأعمالهم في القرن العشرين- أن أتطرق إلى أعمال الفنان الشعبي فوق الجدران وارتباطها بالنيل، سيّما رسوم الفنان النوبي، بل حتى تصميم عمارة بيته القديم. وهو يطل على النهر من فوق التلال الموازية لمجراه، بشكل إيقاعي وزخارف معمارية ذات ترانيم ودندنات بالخط والكتلة والفراغ والمستويات ذات الإيقاع المتناغم، التي توازي مقابلها المعنوي للنيل في حياة النوبي، ثم يؤكدها الفنان الشعبي بما يصوره فوق جدران بيته الخارجية من رسوم تشبه صورة الجنة التي كان الفنان المصري القديم يتخيلها وهو يرسم جدران المقابر على الهيئة التي يتمنى العيش فيها عند البعث في العالم الاخر، وهي عامرة بتجليات الخصوبة والنماء، وبأشكال الطيور والعصافير والنباتات والزهور، وكأنها ترديد لما يعنيه النيل لصاحب البيت، وإن يكن بأسلوب شعبي بالغ العذوبة.
وأعود الآن إلى أعمال الفنانين المصريين في القرن العشرين، التي كانت انعكاسًا أو تعبيرًا عن النيل بشكل أو بآخر. ونظرًا لكثرة هذه الأعمال على امتداد ذلك القرن، تبعا لكثرة عدد الفنانين وتعدد المراحل والاتجاهات الفنية، سوف أختار مثالين اثنين يلخصان أغلب المراحل والأعمال والأساليب الفنية.
المثال الأول: خلال العقدين الأولين من القرن. هو النحات الرائد لحركة النحت الحديث في مصر: محمود مختار (1892- 1934) ، لقد كانت تماثيله للمرأة قصائد نحتية ترمز إلى خصوبة النيل وانسيابه الأبدي من الجنوب إلى الشمال.. تلك الشابات اليانعات وهن يملأن الجرار من النهر ويعُدن بها إلى بيوتهن، فيما تتمايل أجسامهن الرشيقة في نعومة، وتسري أطراف أقدامهن على الأرض كما يسري النسيم، أو كما تسري موجات النيل في رحلتها السرمدية حاملة الخير والريَّ لكل الشعب..
وعندما عبر مختار عن ثورة 1919 رمز لها بامرأة تلتف بعباءة منتفخة بالهواء، إذ تسير عكس اتجاه الريح (الخماسين) وتندفع بكل عنفوان المقاومة إلى الأمام فيما تندفع عباءتها بالهواء إلى الخلف، وهي تذكرنا بشراع المركب في النيل، مع فارق جوهري وهو أن الرياح تدفع الشراع والمراكب بالتالي من الخلف إلى الأمام، فيما تدفع المرأة من الأمام إلى الخلف، ومن هنا تبدو بسالة المقاومة!
وحتى في تماثيله لزعيم الأمة سعد زغلول، فإنه شكل لوحات من النحت الغائر على جدران قاعدة تمثاله أمام كوبري قصر النيل بالقاهرة، تستلهم صور الحياة والعمل على شاطئ النيل، بأسلوب يستحضر روح أجداده الفراعنة ويستعيد أسلوبهم، بما يتضمنه من حركة إيقاعية منتظمة للمجاميع وهم في وضع جانبي، متخذين نفس وضع الأكتاف الأمامية ووضع الوجوه والأقدام الجانبية، لكن بحس عصري وحداثي، أما في تمثاله للزعيم المقام بمحطة الرمل بالإسكندرية، فقد وضع عند قاعدته تمثالًا للإلهة إيزيس ربة الخصوبة والخير والوفاء، وهي تنشر جناحيها الهائلين كراعية لمصر، باعتبارها الرمز لإرادة البعث حين جمعت أشلاء زوجها الشهيد أوزوريس من شتى أنحاء البلاد ووهبته الحياة من جديد.
كان مختار اختزالًا لعصر بأكمله يتجه نحو النهضة، لذلك كان رائدًا لعشرات الفنانين الذين استمدوا منه روح الانتماء والقدرة على استلهام التراث الحضاري بأسلوب معاصر، ولا يكاد نحات مصري – خلال النصف الأول من القرن العشرين على الأقل – إلا وتأثر بمختار بشكل أو بآخر.
والمثال الثاني: يعد حركة جماعية لعدد غير قليل من الفنانين عام 1964 عند بناء السد العالي – حيث فرضت الضرورة تهجير أهالي النوبة من قراهم التي سوف تغرقها مياه بحيرة السد .. وتلك مفارقة درامية من الطراز الأول .. إذا كان على قطاع من أبناء الوطن أن يضحى باستقراره وانتمائه إلى أرضه وأرض أجداده بالهجرة بعيدًا عنها والعيش في ظروف قاسية، ثمنًا لأن يعيش كل الوطن في رخاء سوف يأتي به السد .. وجاءت الدعوة من وزير الثقافة – آنذاك- د. ثروت عكاشة للفنانين والكتاب والشعراء والمفكرين والموسيقيين والباحثين في التراث الشعبي، كي يذهبوا إلى قرى النوبة قبل غرقها، ليقوموا بتسجيلها ثم التعبير عن هذا الحدث التاريخي الفذ، كلٌ بما يتراءى له بعيدًا عن الدوافع الدعائية للدول …
لا أغالي إذا قلت أن هذه الرحلة الفنية والثقافية التي استغرقت شهرًا تقريبًا، وتلاها عديد من رحلات مصغرة ، قد تركت أثرها على عشرات الفنانين المشاركين فيها على امتداد مراحلهم الفنية، أمثال الفنانين سيف وأدهم وانلي، حسين بيكار، عفت ناجي، صلاح طاهر، عبد الغني أبو العينين، سيد عبد الرسول، تحية حليم، جاذبية سرّي … وفيما بعد امتد تأثيرهم على غيرهم ممن لم تُتح لهم فرص السفر إلى النوبة، وصبغت هذه التجربة حركة الفن التشكيلي بطابع قومي لم يحدث من قبل بهذه الصورة الجماعية .. وقد رحل أصحاب هذه التجربة – أو أغلبهم- تباعًا عن عالمنا، لكن تراثهم لا يزال باقيًا، لمدرسة فنية جمعت بين عمق الجذور المحلية ورحابة الآفاق العالمية، مع تفرد كل فنان بأسلوبه ومذاقه وبَصْمَته.
وبعد ….
لقد كان النيل دائمًا واهب الجمال للمصريين، بإذكاء قرائحهم وخيالهم وتفجير طاقاتهم الخلاقة بصور الفن كما تفجرت بقيم الحق والخير وقادَتْهم إلى الخلود، ولم يكن يتجمل عندما كان يفيض منذرًا بالنقمة والهلاك أو عندما يغيض منذرًا بالقحط والجفاف … ولِمَ لا وهو الذي كان في نظر المصريين سيد الأبدية والحبل السُّري بين عوالم ثلاثة: هي الأرض والسماء والعالم السفلي؟!.
المراجع:
- الفن والأدب في مصر القديمة، سليم حسن، الهيئة العامة للكتاب.
- فجر الضمير – هنري بريستد– ترجمة سليم حسن، مكتبة الأسرة.
- تطور الفكر والدين في مصر القديمة، ترجمة زكي سوس- دار الكرنك.
- مصر القديمة (ج1) ، د. ثروت عكاشة ، الهيئة العامة للكتاب.
- الفنان محمود مختار، بدر الدين أبو غازي، الهيئة العامة للكتاب.