على كثرة ما قرات من قصص وكتابات للمفكر والفنان المبدع عز الدين نجيب وعلى كثرة ما قرات كذلك من لوحات له فى معارضه القيمة المتعددة والمتنوعة ، فان معرضين اخيرين ما زالا يمتلكان ذاكرتى البصرية الجمالية فضلا عن الدلالية.
اول هذين المعرضين هو معرض ( المتاهة والملاذ) الذى عاد به عز الدين نجيب عام 1994 بعد رحلته الى تونس، حيث غاص فى اقبية واروقة وسراديب محفورة تحت الارض فى واحة ” مطماطة ” هذا المكان الاثرى العتيق العريق المحفور الذى يبدو كالمتاهة وقد بناه سكانه كملاذ له من الغزو والنهب والاحتياج يبدو عز الدين نجيب فى هذا المعرض فنانا يغوص فى الجذور والاصول ، ويتكشف التراث الباقى لجمالها النادر فى ارتباط عميق بدلالتها المجتمعية والانسانية ،ودلالتها – فى ذات الوقت – على بحث الانسان المعاصر على عن ملاذ امن وسط التيه والضياع نتيجة لمتغيرات العصر الساحقة للانسان .
اما المعرض الثانى فكان معرضه الاخير ” تجليات الاشجار ” . فى هذا المعرض لم يغص بنا عز الدين نجيب فى الاعماق بل الروح يرتفع بنا ارتفاعاً متناميا سامقا منفتحا على احضان الطبيعة فى تعدد اشجارها وتنوع تجلياتها ودلالتها . انها نقطة اخيرة لكن الى الاعلى ، الى قلب الافاق الواعية . رحلة خصوبة حافلة باحلام الانسان المتجسدة فى مجدها ، المتطلعة فى جسر الى المستقبل.
فى المعرض الاول قرأت عز الدين نجيب يعبر عن اصالة التراث الباقى ، ويتكشف اسراره الجمالية ويستخرج منها موقفا فكريا او فلسفيا معاصرا ، فى المعرض الثانى قرأت يمجد الحياة ويدافع عن النماء والعمل والتجديد .
وادركت من هذين المعرضين ، فضلا عن معرضه الاخر ، انه فنان مفكر ملتزم حريصاً على مواصلة الرحلة الانسانية الجمالية مواصلا ابداعاته ، بغير اصول جامدة او حداثة شكلية فرعية .
وهكذا استطاع ان يجمع مركباً ابداعياً ثنائياً التراث والتجديد، على ان هذا المركب الابداعى لا نجد فى منجزاته الفنية والادبية فحسب ، بل يتجسد كذلك فى ممارسة السلوكيات الحية ، للشخصيات والمجتمعات ، فى مشاركة الصداقة الحارة الحميمة فى مختلف القضايا الوطنية والقومية ، دفاعا عن التحرر والديمقراطية والتقدم ، مما دفع به الى الاعتقال والسجن فى ملابسات مختلفة .
“مقدمة لكتاب: مواسم السجن والأزدهار” 1998