10 ابريل 2019
من اسطورة شجرة العذراء مريم بالمطرية (ذات الألفين ونيف من السنين) الى ثقافات شعوب آسيا وافريقيا واستراليا ، ومن فنون الفولكلور والحرف التقليدية ، ورسوم النسيج القبطى فى مصر، الى ازياءالطرز الشعبية لريف الصرب والبوسنة وغيرها…نشأت تجربة الفنانة دينا عبد النبى الإبداعية التى تعرضها بمركز الجزيرة للفنون فى معرضها الأول تحت عنوان “مريم”.
لكن الشذرات الفنية من هذه الثقافات المتباينة تبدو فى لوحاتها متجانسة متناغمة وحميمية للطبيعة والبيئة المصرية ، ووثيقة العلاقة- فى ذات الوقت – بفنون ما بعد الحداثة ، وبالأحرى بجانبها الإيجابى الذى يحتفى بالفنون البدائية والثقافات الشعبية والفطرية ويعتبرها مصدرا للإلهام ، بعيدا عن دعاوى الهويٌات القومية من ناحية ، وعن مظاهر العبث والاستخفاف بالمشاهد من ناحية أخرى ، تلك التى تمثل الجانب السلبى لفنون ما بعد الحداثة.
الانطباع المباشر لدى رؤية اللوحات هو الإحساس بمرور الزمان، حتى يخامرك الشك فى انها كانت – قبل وضعها فى براويز أنيقة – عبارة عن لفافات عتيقة من أوراق البردى ، قبل ان تبهت او تتلاشى بعض خطوطها وتفاصيلها بفعل عوامل الزمن ، وقد تشعر بأنها
مرسومة برواسب فنجان القهوة ، أو بتعرضها لصدأ الحديد الناتج عن علب الصفيح التى حفظت بها اللفافات الورقية وصدئت عليها ، وقد تبدو احيانا كالرقش بسن الحرق فوق جلد الغزال ، وقد تذكرك برسوم الجدران بمقابر مصر القديمة ، لكنها فى الحقيقة مرسومة بألوان الأصباغ النباتية أو الكيميائية، ونجحت الفنانةفى تطويعها لإضفاء هذا التأثير العتيق ، أما الأسطح فهى من أقمشة قطنية سميكة تبدو كنسيج خام بلا تحضير مسبق لأرضياتها مقارنة باللوحات الزيتية…هكذا تحيلك الى رسوم المعلقات اليابانية للمناظر الطبيعية او الى المنمنمات الهندية والفارسية والعراقية ، حتى ان وجوه الفتيات المتراصة بداخلها تحمل ملامح بعض تلك الشعوب احيانا، بجانب توريقات رسومها الزخرفية.
الوجوه والحيوانات المسافة كما تبدو فى قطيع الحمير ، والفتاة المستلقية على ظهرها فوق كوم شاهق الارتفاع مكدس بالكتب وأشياء غريبة ، وتل الأغصان الذى تمسك ببعض سيقانه أيدٍ بشرية لا نرى أصحابها ، تأخذنا الى تصورات خيالية لحكايات الشعوب التى أخذت بعض سماتها ، بلا تفاصيل تنم عن سرد حكائى ، وقد يميل البعض من لوحاتها الى التجريد البحت ، عناصره هى الأشكال النباتية والخطوط الهندسية والمساحات المُرَقٌشة بالنقط أو البقع اللونية ، فيما نجد أن وجوه الفتيات ودمى الأطفال تملك حضورا لافتا فى كثير من اللوحات.
وتبدو الألوان عنصرا ثانويا فى غالبية الأعمال ، لكن ذلك لا يعد عاملا سلبيا ، بل إن طابع المونوكروم الغالب علي المعرض قد يساعد فى تأكيد فكرته الرئيسية حول الزمن والعراقة ، وينشط خيال المشاهد لإدراك حالة الإشراق فى أغلب الأعمال ، يساعد فى ذلك شيوع اللون الأبيض وبزوغ الضوء من ثنايا العناصر المرسومة ، التى توحى – فى ذات الوقت – بنشع الظلال حول الخطوط والبقع ، بمذاق رواسب القهوة او بالإيحاء بصدأ الحديد .
إذا كانت ثمة رسالة نستخرجها من ثنايا هذا المعرض ، فهى أن الفطرة الإنسانية والطبيعة البدائية صالحة كمادة خام لتخصيب الفن الحديث والخروج به من مأزق إجداب مدارس الفن الأوروبية الحديثة ، بعد أن استنفدت أغراضها منذسبعينيات القرن الماضى ، وتبعتها فى النضوب التيارات السلبية لما بعد الحداثة ، ومن ثم فإن رصيد الشعوب من الثقافات التقليدية قد يكون محفزا لرؤى الفن – خاصة فى مصر – عبر استلهام موروثنا الحضارى وملامحنا البيئية لخلق هوية جمالية أصيلة ومعاصرة معا ، وما كان ذلك ليتحقق بالنسبة لدينا عبد النبى إلا بتمتعها بثقافة عميقة وذائقة حساسةتجاه ثقافات الشعوب، وسنوات طويلة من التجريب.

