غير بعيد عن معرض النحات محمد هجرس بمركز الجزيرة يقام حاليا معرض النحات طارق الكومى بقاعة ضى ، وإلى وقت غير بعيد كنا ندعوه الفنان الشاب ، حيث كان واحدا من نجوم صالون الشباب وطلائع النحت الحديث فى مصر منذ أوائل التسعينيات ، والآن وقد بلغ سن ٤٧ فلا يزال يعمل بروح الشباب ويتحلى بجرأته ويؤكد حضوره بين المعارض الخاصة والعامة والأعمال الميدانية كتمثالى أم كلثوم و عبد الوهاب بالاوبرا .
كان الكومى تلميذا وفيا لأستاذه بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة النحات الراحل عبد الهادى الوشاحى ، لكنه اختار أسلوبا مغايرا له ، وربما أراه أقرب الى أسلوب هجرس أستاذ الوشاحى ، ويمكن أن نتلمس الفروق الأسلوبية بين الثلاثة ؛ فبينما كان الوشاحى يتجه الى تفجير الكتلة الى الخارج والداخل ، بفتح ثغرات فى سطوحها تتيح للضوء والهواء أن ينفذا منها ، ويبرز من جوانبها أطرافا ونتوءات تشتبك مع الفضاء من حولها ، ويقلب مركز الثقل فى التمثال الى أعلى بدلا من استقراره على القاعدة الهرمية ، كما يقوم بتحريف مفرط الى حد التشويه لنسبه وملامحه ،،باحثا عن مزيد من الطاقة التعبيرية المتفجرة الى حد استفزاز المشاعر ومناوشة الفضاء الخارجى بنوع من التحدى والغضب ، فإن الكومى _على العكس_ اختار ان يوقف الهرم معتدلا فوق قاعدته بكتلة مستتبة لحد الرصانة والرسوخ على النسق الفرعونى ، وأن يحتفظ بهذه الكتلة ( كالنحت الفرعونى أيضا)مصمتة محتشمة هادئة لينة ممشوقة القوام، مستقيمة فى رشاقة ، او رابضة فى وقار ، مستعصمة بالصمت والغموض ، خالية من اى خشونة او فجوات او ثقوب او نتوءات زائدة ،مفضلا أن يختزن التمثال طاقته التعبيرية فى باطنه بغير زعيق أو إفصاح مجانى ، مقتديا فى ذلك _على نحو ما_ بالرائد محمود مختار ، الذى أخذ منه أيضا انسيابية الشكل وليونة خطوطه الخارجية والداخلية ، بمنأى عن التفاصيل الواقعية لملامح الوجوه وثنيات الملابس وقواعد التشريح والحركة ، حيث يبدو كل هذا فى تماثيله غائما متلاشيا فى الكتلة هامسا بقدر كبير من الغموض والكتمان ، يذكرنا بتمثالى مختار .. كاتمة الأسرار ورياح الخماسين ، لكنه- على عكس تلاميذ مختار الكثيرين الذين انحبسوا فى أسره مدى العمر – لم يلبس معطفه وبذلته بالكامل ، بل ظل محتفظا بمسافة كافية بينهما ، بتأكيد الاختزال الشديد للكتلة ونقاء الشكل ، كما فعل كل من هجرس وآدم حنين ، مع اختلاف السمات الأساسية بينهم جميعا.
فى معرضه الجديد يحاول الكومى على استحياء التحرر من حاكمية طغيان الكتلة المصمتة،المنطوية على نفسها ، فيسمح لها بقدر محسوب من حرية الحركة ، وإن يكن من خلال خطوطها الداخلية لا الخارجية ، كما يسمح ببروز بعض النتوءات والأذرع والأجنحة ، وبتنوع الحركة بين الوقوف والجلوس والاستلقاء ، بحس يغازل التكعيب ، مع قدر غير قليل من نعومة الملمس ولين الخطوط وانسيابيتها ، عبر كثير من المنحنيات
القوسية ، حتى لنقول أنه يبحث عن “مَوْسَقَة” الكتل والخطوط ، لتبدو إيقاعاتها حالمة متماوجة متباينة الطبقات والذبذبات اللحنية كصوت الكمان ، ولعل انسيابيةونعومة خطوطه تذكرنا بالكثبان الرملية فى الصحراء وهى تتشكل متماوجةبفعل الرياح مثل كائنات عضوية .
ولحبه الشديد لفن البورتريه ، قدم الكومى فى معرضه عدة بورتريهات لكل من الشاعر الكبير الراحل محمد عفيفى مطر ،والنحات عبد الهادى الوشاحى ، وتمثالين لأم كلثوم ، وحرص فى الأول
على إضفاء حس النبوءة والغموض والشموخ ، عبر المبالغة فى ارتفاع هامة الشاعر وضخامة جذعه ليكون بديلا عن قاعدة التمثال ، وحرص فى الثانى على تأكيد طابع الاستعلاء والأستاذية بما يليق بأستاذه ، وفى تمثال أم كلثوم اختار لها وضع الجلوس المتحفز ، وكأنها-وهى تفرك منديلها الشهير فى يديها بقلق – تأخذ نفسا عميقا استعدادا للقيام بعد لحظات لأداء وصلتها الغنائية التالية .
ولاول مرة يعرض الكومى عددا كبيرا من لوحات التصوير والرسم التى أنجزها على جدران القاعة فى خلفيات التماثيل ، لكننى أرى أنه ظلمها بوضعها موضع المقارنة مع اعماله الحتية ذات الحضور الطاغى ، ولعله يقتدى بما فعله النحات الكبير احمد عبد الوهاب فى معرضه الذى أقيم منذ شهرين تقريبا بقاعة أفق ، حين غطى جميع الجدران بلوحاته التى رسمها طوال عشرات السنين.، وهى وإن كانت جزءا من عالمه ، فإنها لا تصمد فنيا كند أمام تماثيله باذخة العظمة والثراء ، وإن كانت لوحات الكومى لا تخلوا من لمعات لمصور حبيس لم ينل الفرصة الكافية لاكتمال الخبرة.
بهذا المعرض المتمكن تؤكد قاعة ضى صحة رهاناتها على أصحاب الأعمال الرصينة وأصحاب التجارب الحداثية بالتوالى من مختلف أجيال الفنانين معتمدة على القيمة والأصالة قبل كل شىء.