عالم الحداثة المشترك بين الفنون التشكيلية والقصة

 

كانت الفنون التشكيلية منذ فجر الحضارات – خاصة بمصر القديمة – جزءا في وحدة كلية لا تتجزأ، تجمع الديانة والتاريخ والأدب، حيث يكمل النص المكتوب النص المرسوم أو المنحوت، والعكس صحيح، ليس بمعنى التوضيح أو حتى المقابلة و التناص»، بل بمعنى التكامل العضوى لبنية نص واحد لا يمكن الفصل فيه بين ما هو تشكيلى وما هو مكتوب. و لم يكن من قبيل المصادفة أن تكون الحروف والكلمات في اللغة المصرية القديمة صور المشخصات من الطبيعة والبشر والحيوان والطير وغير ذلك، وبقدر ما هى قائمة على التشبيه والكناية، فإن لها استقلاليتها كنظام من الاشارات والرموز وفي المقابل نجد الرسوم – سواء كانت مسطحة أو بارزة ، وكذلك المجسمات سواء كانت عمارة أو نحتا – تتبع نسقا إشاريا ومجازيا بلغة بصرية تعنى مدلولات متعارف عليها.
عز الدين نجيب
وقد تكون الحضارات اللاحقة أقل ربطا بين الوسيطين اللغويين (الرسوم والاشارات)، بحكم الاتجاه إلى استقلالية كل منهما عن الأخرى وعدم اجتماعهما معا فى حيز مكاني واحد، لكن السياق الحضارى والتاريخى يؤكد وجود أكثر من رابطة بينهما، ففى الحضارة اليونانية كان المسرح وسيطا تلتقى فيه رؤى الأدب والشعر برؤى التشكيل، من خلال رسوم الأقنعة وتصميم الملابس وتصميم مدرجات المسرح، كما نجد هذه الرابطة في توظيف الأعمال النحتية والرسوم الجدارية بالفريسك والأرضيات المنفذة بالفسيفساء، للتعبير عن الأساطير والملاحم البطولية أو المشاهد الواقعية، ما جعلها نصوصا جمالية مقروءة للعامة فى أماكن العبادة والرياضة والساحات الشعبية ولن أتتبع مظاهر هذا الترابط بين المجالين في جميع الحضارات والعصور، لكننى أنوه – بشكل خاص – بهذا الترابط في الحضارة الإسلامية، حيث تجتمع عناصر التشكيل المعمارى والأدبى من خلال نصوص شعرية أو قرآنية… إلخ) في وحدة عضوية متماسكة، تعكس منظومة (فلسفية – روحـاونية – رياضية في آن واحد، وتصبح الوحدات الزخرفية – هندسية كانت أم نباتية – بناء رياضيا محكما قابلا للتفكيك والتركيب والتوليف، محققا أعلى مراحل التجريد وأعلى مراتب الاشراق الصوفي في آن واحد. وتصل هذه الرابطة ذروتها فى مجال المخطوطات العربية والإسلامية عامة، حيث يتعانق النصان في بنية محكمة النسيج، دون أن يكون أحدهما تابعا للآخر، بل يظل كل منهما شرطا لوجود الآخر لا يكتمل إلا به.
ولم يكن من قبيل المصادفة كذلك أن يكون منهج التصوير على جدران المعابد والمقابر هو ترصيص المشخصات المرسومة بشكل أفقى متتابع على خطوط مستقيمة يتوازى بعضها فوق بعض تماما مثل سطور الكتاب، بما يقوم مقام السرد، فالفنان لا يحقق بذلك البعد الثالث فحسب بغير طريق المنظور الهندسي، بل يحقق – كذلك البعد الرابع وهو الزمن، وهكذا نستطيع قراءة النص على مستويين فى وقت واحد مستوى الادراك الكلى للاشكال حسب طاقة البصر علي الرؤية ومستوى القراءة النصية المتراتبة لتلك الأشكال حسب : تسلسل الأحداث والطقوس والرموز، وكلا المستويين يتوازيان مع النص الأبجدى الذى لا يمكننا فصله جماليا عن مكانه على سطح اللوحة.
ولعل أهم عامل فى تأكيد الانفصال والاستقلالية بين المجالين الابداعيين هو اختراع المطبعة، التي ميزت بشكل لا رجعة فيه بين النص والاشارة اللغوية، وإذا كانت اللوحة التشكيلية قد ظلت مصاحبة للنص الأدبي المطبوع، فلم يكن ذلك الا مصاحبة التابع للمتبوع، وبمرور الزمن تأسست لكل مجال بنيته اللغوية وبلاغته الجمالية القائمة بذاتها بعيدا عن الآخر، خاضعة في ذلك لمنطق التعامل مع كل منهما من جانب المتلقي.
يقوم الاختلاف الجوهرى بين فنون الإبداع المكتوبة والمرئية على عنصر أساسي هو زمن التلقى، فبينما يقرأ العمل الأدبي في زمن ممتد، ولا مناص للقارىء من تتبع السياق المكتوب . طال أم قصر – خلال فترة معينة حتى يصل إلى النهاية، فإن العمل التشكيلي يمكن للمشاهد إدراكه في المستوى الأول للتذوق) دفعة واحدة عند التقاء بصره باللوحة أو العمل المجسم، أو يمكنه أن يبدأ رؤيته من أى جزء فيه دون أن يفقد مغزاه .
وهكذا تتأسس قواعد اللغة الخاصة بكل مجال فهي في الأدب تقوم على اللفظ والجملة والسرد وقواعد النحو، فيما هي في العمل التشكيلي تقوم على مفردات بصرية مثل الخط واللون والمساحة والكتلة والملمس… وبقدر ما تظل قواعد اللغة الخاصة بالكتابة حاكمة ويصعب التغاضى عنها أو التعديل العصور، فإن قواعد اللغة التقنية الخاصة بالتشكيل لا تمثل شرطا حاكما لاستخدام وضبط هذه المفردات، بل يقوم أغلبها على الاجتهاد الخاص في الإبداع بالنسبة للفنان وعلى الذوق الخاص فى الاستقبال بالنسبة للمتلقي.
فإذا لم يكن في وسع القارىء استيعاب وحدة البناء في القصة أو الرواية إلا بعد انتهائه من قراءة العمل، فإن هذه الوحدة – أو ما يطلق عليه « التكوين» فى اللوحة و«الفورم» في العمل المجسم – يمكن للمشاهد استيعابها في اللحظات الأولى لاستقبال بصره للعمل، لأن نظرته إليه نظرة كلية، وتقوم العين بالربط الفورى بين عناصر الشكل المختلفة، ومن ثم تتحدد درجة استجابة المشاهد للعمل.
وإذا كانت طبيعة التطور قد أدت إلى تكريس الانفصال بين لغة التشكيل ولغة القص، وإلى تأطير كل منهما في اطار التخصص اللغوى، فإن هذا الانفصال لا يطول القيم الجوهرية للابداع التي تجمع بينهما، بل تظل هذه القيم المشتركة دليل خصوبة وثراء، طالما احتفظ كل منهما بسماته اللغوية المميزة.
فالصورة الفنية في العمل القصصى أحد عناصر البلاغة حيث يتوافق الذهنى المتخيل مع الحسّى الملموس في لوحة قلمية مصورة بالأشكال والحجوم والألوان والظلال، ومحملة بالمشاعر والتأملات، تتراوح بلاغتها بين الوصف التسجيلي الأهم وبين التركيب الجمالي وفق منظور خاص متمايز عن الطبيعة، وهنا تتكامل عمارة الجملة مع عمارة المشهد في صنع الصورة الفنية، بشكل يعطيها بعدا أعمق من وجودها الواقعي… وفي هذا السياق يحتل «المكان» أهمية خاصة في الأعمال الأدبية، حيث يشكل معينا لا ينضب للصور الفنية عند الأدباء، كل وفق حساسيته وقدرته الابتكارية فى التعامل مع المكان .
والمثل القد فى هذا المجال فى الرواية العربية هو نجيب محفوظ فى ثلاثية بين القصرين وقصر الشوق والسكرية وروايات زقاق المدق وخان الخليلى وأولاد حارتنا والحرافيش إن تصويره لأحياء القاهرة القديمة ليس مجرد وصف خارجي، بل هو عمارة هندسية تتوازى مع عمارة الأحداث والشخصيات، وهو كذلك انعكاس حى للنمو الداخلي للرواية والتطور الدرامي لها … وأخيراً فإن المكان في روايات نجيب محفوظ هو الوجه الآخر للزمان، ومن ثم يكتسب عمقا تاريخيا ويمثل جزءا من الذاكرة الجمعية والوجدان القومى.. من الممكن أن ننسى الكثير من الأحداث في روايات محفوظ، لكن من غير الممكن أن ننسى تصويره النابض بالحياة لأحياء وشوارع وحوارى قصر الشوق والسكرية والجمالية وخان الخليلى وزقاق المدق وأماكن مثل التكايا والوكالات والبيوت العتيقة.
وتكاد هذه السمة فى التصوير الأدبى أن تصبح هدفا منشودا لذاته في أعمال الأديب الراحل يحيى حقى، إنه يكتب صورة عن الأماكن الفريدة بالأحياء الشعبية أو بالريف في الوجه القبلى كما لو كان يرسم لوحات بالألوان المائية بأسلوب إنطباعي رشيق يتسم بالتلقائية والشفافية والايجاز ونستشعر من خلاله بقع الضوء المتوهجة والنغمة الهامسة المخاتلة بغير وضوح يفضى إلى التسجيل المباشر.
إن مجموعاته القصصية «أم العواجز» و«دماء وطين» و«خليها على الله، أو رواياته القصـ يرة  قنديل أم هاشم» و البوسطجى» و «صح النوم» تمثل فى مجموعها متحفا إثنولوجيا للوحات عن عبقرية المكان ومحتوياته في مصر. واستطاع الروائي جمال الغيطانى أن يقيم نسقا من العمارة الأدبية، ليس فقط باللغة المستعارة من أسلوب الدواوين السلطانية ومؤرخى القرون الوسطى في القاهرة المعِزّية والمملوكية والعثمانية، بل كذلك بنحت جمل لها رحيق الزمن تحاكي الهياكل المعمارية للقاهرة التاريخية ، في الشوارع والخانات والأضرحة والحصون والأسبلة والحمَّامات والسجون والوكالات، وأضفى عليها رحيقا من أسطورية ذلك العصر، وغلالة من الغموض والخيال اللذين يرتقيان بها – من كونها مسرحا للأحداث – إلى أن تصبح أبطالا ذوى أدوار رئيسية تصنع عالما تشكيليا موازيا، يتخطى حاجز السرد إلى جماليات اللوحة المضَّمخة بعبق التاريخ، كما جعل منها – في الوقت ذاته – معادلا موضوعيا لواقعنا المعاصر يسمح بعمل اسقاطات رمزية أو أقنعة ذكية لمضامين ذات سمة انيَّة.
والأمثلة لا تحصى على بناء الصورة التشكيلية في أعمال الروائيين وكتاب القصة القصيرة في مصر، بدءا من جيل
يوسف إدريس وشكرى عياد ويوسف الشارونى وادوار الخراط وصلاح حافظ فى الخمسينيات، ثم حركة الجيل الذي لحق بهم أواخر الخمسينيات الذى ضم أمثال فاروق منيب عبد الله الطوخى وأمين ريان وعبد الفتاح رزق وصبرى موسى وسليمان فياض وكمال .مرسى، ثم حركة الحداثة القصصية في الستينيات على أيدى يحيى الطاهر عبد الله عبد الحكيم قاسم ، ضياء الشرقاوي، أحمد هاشم الشريف. محمد روميش، محمد إبراهيم مبروك ، عبد الفتاح الجمل بهاء طاهر، محمد جبريل، مجيد طوبيا ، صنع الله إبراهيم لبيب، رمسيس لبيب ، عبد العال الحمامصى ، محمد جاد ، الدسوقي فهمی، محمد حافظ رجب، محمد البساطي ، إبراهيم أصلان ، جميل عطية إبراهيم ، يوسف القعيد، وكاتب هذه السطور .. حركة أدب السبعينيات على أيدى سعيد الكفراوى ، محمـد المنسي قنديل ، محمد المخزنجي ، محمود حنفی، جار النبي ، الحلو إبراهيم عبد المجيد ، محمود الورداني ، أحمد الشيخ ، عبده جبير ، اعتدال عثمان ، فؤاد قنديل وأخرين. أما في الثمانينيات والتسعينيات فالقائمة تفوق الحصر. ومهما اختلفت المدارس الأدبية والفنية، فثمة عنصر جمالی مشترك بينهم جميعا هو الايقاع الذي يشكل توافق النسـ اللفظي في العد العمل القصصى، ويمنحه إيقاعه الموسيقى وجاذبيته البنائية أو مفارقته للمألوف، وهو امر پیدا من المحسنات البديعية المعروفة في أدبنا العربي القديم، وينتهي إلى التصادمات اللغوية لكلمات متناقضة ومتباينة، وإلى الجمل والمقاطع القصيرة جدا التي تقترب من الشعر أو من التقرير التسجيلي البارد ويمكن عد كلمائها وأحرفها وحساب مخارجها ونهاياتها حسابا شكليا بحنا على الطريقة البنيوية في الأدب الحديث.
ويقابل هذا الإيقاع اللفظى إيقاع تشكيلي في اللوحة أو العمل الفني المجسم، يعتمد على حركة الخطوط والمساحات والألوان والملامس والحجوم وعلاقات الشكل بالفراغ وتقابل هذه العناصر أو تجاوزها أو تداخلها يحقق إيقاعا نغميا خاصا، ومثلما يحدث في الأدب الحديث، فإن مدارس التشكيل الحديثة، ثم ما يسمى ب «ضد الحداثة» و«ما بعد الحداثة تحفل بأنماط لا نهاية لها من الإيقاعات الشكلية التي تنبوا دور البطولة فيها الخامات الغريبة المتناقضة التي تعتمد على النفايات ويتم تشكيلها في حيز خاص يعد جزءا من تكوين العمل الفنى وهى ما يطلق عليه فن التجهيزات في الحيز Installation، مما يجعل الايقاعات للحركة البصرية مهمة بنائية يشارك فيها المشاهد بنفسه، باختيار الزوايا المناسبة للرؤية كلما دار حول العمل.
ويتضح في كثير من اجتهادات الحداثة لدى الأجيال الأدبية التي أشرت إليها منذ حركة أدب الستينيات حتى الآن، تفضيل الكاتب أن يعطى الصورة الحسية والمكانية والحدثية في الزمن المضارع على السرد الزماني (المتمثل في استخدام الفعل الماضي) وذلك برسم صور متواترة للأماكن والأشكال المجسمة أو المسطحة مع تأكيد الحسن البصري في الخطوط والحجوم والألوان والمساحات كما يتضح فيها تداخل الأصوات والضمائر والمشاهد والأزمنة .
وقد يتوازى ذلك مع تصاعد الحسي الخيالي الأدبي في بعض اتجاهات الفن التشكيلي الحديث التي استفادت من علاقاتها مع الشعراء وكتاب القصة منذ الحركة الدادية، في سويسرا، والحركة ، الوحشية، في فرنسا، والحركة ، التعبيرية في المانيا، والحركة السريالية في باريس جميعها انطلقت في العقدين الأولين من هذا القرن ، وضمت فنانين تشكيليين وشعراء وكتاب قصة ونقد ومازالت موجاتها تتوالى وانعكاساتها تتداعى وتتوالد في حركات الفن والأدب الحديثة حتى يومنا هذا، إلى حد إعادة ملامحها كاملة بغير إضافة أو حذف .
وهنا قد نجد التعبير المجازى المفارق للمواقع والمصادم للمألوف يحتل الصدارة، وقد تجد الشكل الاسطوري المستوحى من التراث والأساطير والأحلام، متصديا للمنطق العقلاني والرؤية الواقعية وقد نجد عناصر العالم الباطني للنفس البشرية. من غرائز ورغبات مكبوتة وأحلام مدفونة وخرافة ونزعات تقود إلى عالم الغابة والحياة البدائية. تلك التي كانت المادة الخام لنظرية فرويد في التحليل النفسي، وقد وجدت جميع تلك الاتجاهات الفنية مجالها الخصب بين الفنانين المصريين منذ عام ١٩٤٠ مع نشأة جماعة الفن والحرية التي جمعت بين أعضائها الشاعر جورج حنين والرسامين رمسیس یونان وفؤاد كامل، وكامل التلمساني وكان لها أثر العاصفة الثورية على حركة الثقافة والابداع في مصر آنذاك، مثل أندرية بريتون وبول إيلوار، وسار في اتجاه مكمل مواز لهم فيما بعد: فنانو جماعة «الفن المعاصر مثل الجزار وحامد ندا وسمير رافع مستلهمين قناع الذاكرة الجمعية للبشرية – خاصة ذاكرة الشعب المصرى – بما تحمله من مخزون الخرافة والكتب والغريزة والخوف من المجهول جاعلين من هذا العالم السفلى نقطة انطلاق لسبر أغوار العصر واستكشاف ملامح الشخصية المصرية والهوية القومية وتعريضها للضوء أملا في تطهيرها من رواسبها السامة ووضعها على أعتاب عالم جديد ولا شك أن تلك الحركة حفلت بالمضامين والنزعات الأدبية حيث امتلات برؤى الشعر والسحر المجازى والأبعاد الميتافيزيقية، بل حفلت بالكتابات الشعرية على هوامش اللوحات والتعليقات الأدبية المصاحبة لها (أنظر كتاب عبد الهادى الجزار – دار المستقبل العربي (1990 ).
 وقد تجاوزت الحركات التشكيلية الحديثة تلك الاتجاهات منذ زمن طويل، وسارت فى اتجاهات أكثر ارتباطا بالشكل الخارجي وبحاسة البعد وبالحدث الآنى وبالصدمة الحسية وبغريزة اللعب وبمتعة التركيب والتفكيك والسخرية من العصر وباستخدام النفايات الرخيصه – وربما الحقيرة – لتكون مادة لأعمال فنية، وأخيراً وليس أخرا باستخدام وسائل الكمبيوتر والفيديو والجرافيك والسينما والمؤثرات الصوتية والضوئية لخلق حالات نفسية موازية أو مكملة أو موضحة للأعمال التشكيلية، وبلغ الأمر حد السرد القصصي للفكرة المفاهيمية – ومن خلال هذه الوسائل – التي يريد الفنان إرسالها ، ويتم ، بالصور المتحركة والصوت والتجهيزات في الفراغ الذي غالبا ما يكون أسود معتما كى ينفصل المشاهد تماما عن أي مؤثرات خارج العمل … ويتوازى كل ذلك مع کسر المنطقين المكاني والزماني بشكلها الواقعي، وذلك أمكنة مختلفة بدمج وأزمنة متباينة بمنظور متعدد الزوايا ونسب تشريحية محرفة وملصقات مجتزأة من صحف وإعلانات ونفايات بشتى الخامات.
ونستطيع أن نلاحظ فى مجال القصة والرواية الحديثة كثيرا من هذه الأشكال، حيث نجد في بعضها نزعة إلى «التشييئية» للمدركات البصرية سواء كانت حية أو جامدة، وفي بعضها نزعة إلى «التلصيقية » أو «الكولاج»، بجمع مقتطعات تبدو عشوائية من صحف وكتب قديمة وتعليقات هامشية داخل سياق النص، وفي بعضها يدور زمن القصة فى اماكن سريعة التغير بدون ترتيب ،واقعى بل وفق المنطق الداخلي للشخصية، حيث تتداعى المشاهد والأحداث والصور متداخلة ومتراكبة وفق تيار الشعور المتدفق فى نفس البطل أو ربما وفق منطق خارجى مجهول المصدر والهدف .
إن كتَّاب الحداثة في أدب الثمانينيات والتسعينيات في مصر يستخدمون الكثير من هذه التقنيات في أعمالهم القصصية منهم من يربطها بسياق موضوعى ملتزم بقضية أو برؤية سكرية أو بوعى تاريخي… إلى غير ذلك من المضامين (مثل طلعت رضوان فتحى امبابى السيد نجم مصطفى نصر … .الخ)، ثم تأتى كوكبة من كتاب القصة الجدد بحساسيات حديدة تستقى جمالياتها من التيارات الشكلية والبنائية التجريبية التى قد تتوازي في الكثير منها مع معطيات حركة فنون التشكيلية الحديثة فى مصر وخارجها، وأظن أنها ستحق دراسة خاصة مقارنة مع حركة الفنانين الشباب التي زت على مدار السنوات الماضية، وربما تبدأ تحديدا مع امة صالون الشباب السنوى بالقاهرة منذ عام. القصة في 1989 .
وإذا كانت الشفافية أسلوبا مألوفا فى الفن الحديث يسمح بتداخل الشخصيات والأمكنة ويجعلها تشف عن جوانب من بعضها البعض فى نسيج بصرى موحد، فإن القصة والرواية الحديثتين تحققان هذه الشفافية عن طريق تداخل الأصوات الباطنية فى سياق الحدث الواحد، وهي إما أصوات نفس الشخصية باستخدام ( المونولوج الداخلي) أو أصوات شخصيات متعددة، لكل منها منظوره الخاص وتداعياته الشعورية.
ويتراوح استخدام هذه التقنيات جميعا في أعمال القصة والرواية الحديثتين بين التوظيف لخدمة رؤى درامية أو شعرية، أو مضامين اجتماعية أو وجودية… إلى غير ذلك، وبين اللعب بها كجماليات شكلية، بغرض التجريب أو الإبهار أو محاكاة تيارات الحداثة وما بعد الحداثة في الآداب الغربية أو اتجاهات التحول وتحول التحول في الفنون التشكيلية، تلك المذاهب التى تتخذ موقفا معاديا ضد المعايير الثابتة والظروف الاجتماعية والسياسية المحركة للأحداث، وضد النظام والواقع، وضد الوحدة والتمركز و«المقروئية»… وتسعى للبحث عن شفرة خاصة للعمل القصصى أو الفني، وإلى تفكيك النص وتداخل الأصوات التناص»، وإلى تحطيم قوالب الحركة والزمن باستخدام السيميوطيقا والكمبيوتر ووسائل الاتصال والمعلوماتية حتى لو تحولت منتجاتها الأدبية والفنية إلى مخاطبة النخب وحدها، وهو أمر لا يعنيها في شيء، لأنها لا تريد الدعوة إلى شيء أو اتخاذ أية مبادرة فردية أو تحقيق هوية قومية انطلاقا من أنه ليس ثمة يقين بشيء أو حقيقة أو كلية معينة أو وحدة للوجود وبما أن الموت هو الحقيقة الوحيدة في الحياة، فليس مطلوبا أن نغير وجودا جنائزيا بوجود جنائزى آخر… وهو ما قاد بعض حركات الأدب والفن ضمن اتجاهات ما بعد الحداثة «أو تحول التحول إلى القول بموت الفن والأدب وموت الفنان والأديب.. و«كله ماشي».
goes! thing Every.! حسب رأى ما ما ير بينت أحد دعاة هذا التيار
 وما أكثر أوجه الشبه بين هذا كله وبين ما يقذفنا به بعض فنانى صالون الشباب على مدى سنوات متتالية، مدعومين بالجوائز السخية والمطبوعات باهظة التكاليف والندوات التقييمية والملتقيات الفكرية وهي جوائز ومطبوعات ملتقيات تمنحها وتطبعها وتنظمها الدولة كذا تتقارب الرؤى والمناخات الفكرية والجمالية بين مجالي القصة والفنون التشكيلية، وتستعير تجلياتها من بعضها البعض دون أن يفقد كل منها خصوصيته البنائية واللغوية كنه يفقد الكثير من مصداقيته وتواصله. لقارىء اللذين يتزايد شعورهما يوما بعد يوم بأن تلك 《 الحركات 》لا تعنيهما في شيء
مجلة الشموع العدد 56 عام 2002
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »