عز الدين نجيب يصغى لهمس الحيطان فى أتيليه القاهرة

اكتوبر 2017 - زفاف البيوت فى عرس النور

تخضع الآلية الإبداعية دائماً لعدة مؤثرات تتنوع بين الثابت والمتغير ، لتشكل فى مجموعها ذلك الوقود الشاحذ لذهن ووجدان الفنان ، وخلف الصورة تكمن الدوافع الخاصة على الصعيدين الفردى والجمعى داخل مثلث الزمان والمكان والعقيدة ، بما يجسد حضور الوطن كحضان لعملية التشغيل ، بيد أن هذا السياج يرتبط بالإزاحة الزمنية المتواترة التى تحدث تغييراً فى حوافز الخلق لدى المبدع عبر الحراكات السياسية والإجتماعية والنفسية مثل خيوط اللحمة والسداه فى نسيج المشهد .. والفنان والناقد الكبير عز الدين نجيب هو أحد التشكيليين الذين ولجوا المعترك البصرى بالتحام مع معطيات الأرض بتبدلاتها التاريخية والقيمية التى طالما دارت حول نواة روحية ثابتة ، وذلك خلال رحلته الإبداعية والفكرية المتجاوزة لأربعة من العقود .. وقد تناولت فى صدر هذه الصفحة بتاريخ 14 / 1 / 2003م أعمال تلك الفترة تحت عنوان ” الفطرى والمكتسب على بساط الطبيعة ” ، حيث برز فى مراحلها التفاعل مع يوتوبيا الستينيات ، فالسقوط المروع للهزيمة ، ثم إفاقة الإنتصار ، بما يشير إلى غلبة المكتسب الذهنى على لغة التعبير .. ومع عقدى الثمانينيات والتسعينيات كان ذلك المد الجمالى الحدسى ، رغم أن الفنان لم يزل موصولاًبحبل سرى مع رحم المكان .. وقد تطور هذا المفهوم نسبياً فى معرضه الأخير الذى افتتح فى العاشر من أبريل الحالى بأتيليه القاهرة ، حيث قدم فيه أكثر من عشرين عملاً فى التصوير الزيتى على القماش ، بدا فيها أكثر تآلفاً مع البناء الروحى للصورة .. وقد أحدث هذا بعض التغيرات فى القيم الشكلية التى أفصحت بدورها عن تقلبات فى الذات الإبداعية تتوافق مع المرحلة الآنية ، وهو مايمكن لنا أن نستشفه من عنوان المعرض ” همس الحيطان ” الذى يوظف من خلاله عز الدين نجيب مفرداته المعهودة من البيوت المرصوصة فى حميمية وتلاحم ، حتى أن نوافذها تظهر كعيون وشواهد على تدفقات الأحداث ، وأبوابها الموصدة تبدو كأفواه حائرة بين الرغبة فى البوح ودواعى الكتمان ، بينما تبدو حيطانها وقد اقتربت من ملمس اللحم البشرى بألوانها المتدرجة من الأبيض المشبع بالصفرة إلى البنى الداكن ، مروراً بالترابى ، مع بعض الأغلفة الزرقاء والخضراء التى تشبه لقاءً بعد شوق بين نبت يانع ورمل قاحل .. ومايؤكد هذا البعد الملحمى فى أعمال عز هو تلك الإلتفافات الثعبانية للبيوت والجدران لتشييد معمار الحارة والزقاق المستلهم من الواحات ، فى غوص دائم صوب العمق وكأنه الإخصاب الذى يسبق الميلاد .. وبناءات أعمال نجيب تتسم غالباً بالصرحية رغم بساطة وبدائية العناصر ، ويتجلى هذا فى اصطياد المنظور الصاعد من أسفل إلى أعلى بميل للأمام ، وأيضاً فى الظلال الحادة الملقاه على الحيطان ، عبر تشكيلات تمارس فعل العروج إلى القمة بتفتق خطى كالهرم المقلوب .

ولأن عز يحشد كل طاقته التصويرية للتعبير عن البشر بصرخاتهم المكبوتة وأحلامهم المسروقة وطموحاتهم المجهضة ؛ فإننا نجد بعض الظلال أحياناً تتخذ هيئات آدمية تلخيصية وكأن البيوت أطبقت على الناس ؛ فتماهوا مع جدرانها التى تشربت بالدم واكتست باللحم ، وربما يفسر هذا إرتداءها أحياناً للبرتقالى المحمر والأحمر الملتهب ، لذا تبدو تكوينات هذه المرحلة أقل مباشرة وأكثر كشفاً لترانيم الروح الجمعية عبر إعادة صياغة المتعينات فى وعاء إنسانى إقترب به الفنان مما أصطلح عليه هنا ب ” الواقعية الملحمية ” .

ومع زيادة درجة الصياح الداخلى فى أحيان أخرى يضطرد الإندفاع نحو أعلى نقطة على منحنى التصريح المتداعى ، حتى أن بعض نوافذ البيوت تحولت إلى وشوش تبحث عن الخلاص من أغلالها ، بينما ظهرت السلالم كسلاسل تطوق سجناً كبيراً ، إضافة إلى تكوينات زجزاجية بدا فيها الفنان كمن يبحث عن شريان فى قلب المجهول .. وهنا تبرق الوشيجة بين الذاتين الفردية والجمعية ، والتى كثيراً ماطوّعها عز لاستنفار المتلقى ذهنياً ووجدانياً وروحياً ، بيد أن هذا النمط الجمالى الرصين فى الأداء يدفع بالعمل إلى حيز ” الواقعية السحرية ” ، حيث الصراط الفاصل بين الصورة والتصور .. بين الحقيقة والخيال .

أما أبرز التغيرات فى عناصر المشهد عند عز الدين نجيب فقد بدت فى شقائق الظلال المتمثلة فى تلك المساحات الضوئية الفسيحة التى تميز أعماله التصويرية منذ فترة طويلة ، إذ تحولت فى أعمال هذا المعرض من الأبيض الناشع بالصفرة إلى مثيله الناصع الرائق ، بما يومىء للإنتقال التدريجى من أسر الضوء الفيزيقى إلى براح النور الروحانى ، فالأول مصدره العقل وتدرك به المرئيات ، بينما الثانى منبعه الروح ويدرك نفسه بنفسه ، لذا نجد الفنان يغرق كثيراً من الجدران بسيل من الأبيض النقى عبر ضربات مباغتة من فرشاة تتحرك برشاقة على سطح القماش ، تاركة طزاجة اللمسة الأولى التى يقتلها أحياناً التنميق والأداء المشوب بالحذر .. وأظن هنا أن تقسيم الأعمال مجازياً إلى شرائح مقطعية سيميط اللثام عن نزعة تجريدية صوفية تنبعث من بطن الواقع ، وقد تكتمل ملامحها لاحقاً ، ونستطيع أن نستجلى إرهاصاتها فى العمق المذاب والإنغلاقات الكهفية التى تدنو من السمت المعبدى ، علاوة على البيوت المزهوة بثيابها البيضاء البهية وكأنها فى عرس للنور أطلق النخيل من أحشائها ، بماألزم شخوص الفنان القليلة بالمبارحة والإلتحاف بالجدران بعدما أنهكها الصبر .. ويتأكد هذا فى تلك الفتاه الحورانية المدثرة بملاءة نورانية وهى تأوى إلى مكان مظلم يهرول إليه النور ، فى تجسيد لبهجة الرحيل إلى النفس والإحتماء بالذات ، مثلما يفعل عز الدين نجيب كلما ساد الزيف وفاض الخداع ؛ فيلوذ ببيوته ليتلمس الأمان ويصغى فيها لهمس الحيطان .

                                          محمد كمال

                       جريدة القاهرة _ الثلاثاء 12 أبريل 2005م 

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »