2 مايو 2019
ليس كل فنان خاصم الطبيعة تجريديا ، ولا كل من صالحها واقعيا ، إن الفن خلق جديد ومستقل عن الطبيعة ، او بالأحرى هو خلق لطبيعة خاصة بالفنان ، وموقف تجاه الواقع والمرئيات ، تتباين دوافعه ومنابعه بين رؤى فلسفية مجردة أو طبيعية مجسدة ، هندسية كانت او نباتية او تشخيصية ، لكن يظل العمل الفنى إنشاءًا جماليا محضا ، يميزه مدى ما يملكه الفنان من إبداع ، وإحساسه البكر بالكائنات والأشكال ، وقبل ذلك يميزه حس مرهف بالمحيط الاجتماعى والإنسانى ، ويستطيع استلهام عالمه الباطنى بقدر استلهام معطيات الواقع الخارجى متوافقا أو متعارضا معه.
وثمة عامل آخر فى نجاح العمل الفنى ، قد يفتقر إليه مقلدو الأنماط المستهلكة للتجريدية فى الغرب ، ويؤدى غيابه الى فقدانهم القدرة على التواصل مع المتلقى ، هذا العامل هو وجود مرجعية بصرية او شعورية مشتركة بين الطرفين ، سواء تمثلت فى أصل خارجى فى الطبيعة والحياة ، أو فى دوالٌ (جمع دالٌة)
رمزية او تراثية ، أو تمثلت فى إيحاء بمعانى إنسانية ، “فالجمال” لا يكمن فى الأشكال البصرية وحدها ، بل يتعداها الى ما تحمله من دلالات . تلك المرجعية هى مفتاح المتلقى للولوج داخل عالم الفنان والتفاعل معه ، وبدونها يظل هذا العالم موصدا أمامه مهما امتلك “الشكل الفنى”من علاقات جمالية .
فى المعرض الأول للفنانة الشابة منى عمر بقاعة الشباب بقصر الفنون تحت عنوان “تلاشى” ، يتحقق هذا المعنى بسلاسة وبدون تنظير أو حذلقة ، إذ توحى إليك منحوتاتها المعدنية (وإن كانت تجريدية الطابع) بأنها أعمال ذات مرجعية نباتية نعرفها ونتعامل معها ، بل تذهب إلى تأكيد هذه المرجعية بتعليق صور فوتوغرافية لنباتات متشابكة الأغصان والأوراق على جدران القاعة ، كخلفية تومئ ال أنها قامت باستلهامها فى أعمالها النحتية ، بذلك تلعب الفنانة فى منطقة مراوغة بين تمثيل الطبيعة و بين التجريد ، مبتكرة رؤى محيرة تتراوح بين الواقع والخيال ، ليس خيالها وحدها كفنانة ، بل خيال المتلقى وهو يسرح مع عناصر المنحوتات ومعانيها الرمزية ومقاماتها الإيقاعية ، ويستدعى ما تحفظه ذاكرته البصرية ، فتتماهى الأشكال التجريدية التى تطلقها الفنانة مع ما تختزنه هذه الذاكرة من صور ودلالات لمعانى مختلفة للنبات ، ثم تصعد العين من هذا المستوى إلى مستوى الإدراك لجمال الشكل فى حد ذاته بنظرة كلية
وبقدر ما تلعب منى عمر فى تلك المنطقة المراوغة ، فإن مجسماتها ذات البعدين ، باعتبارها شرائح معدنية مفرغة بثقوب ، بلا تجسيم اسطوانى فى أغلب الأحيان ، تتحرر من سطوة الجاذبية الأرضية ومن الثبات التقليدى على الأرض لكتل النحت الراسخة ، فتنتشر حينا كعقد منثور فى الفضاء ، وتندفع حينا آخر كالصاروخ ، وتسمح حينا ثالثا لتيارات الهواء وأشعة الضوء أن تتخللها ، وقد نرى السطوح المعدنية تتفتت ، أو تتماوج مع حركة النور خلال ثقوبها كلما تحرك المُشاهد حولها ، وكأنها شجرة تداعب الريح أوراقها ، أو شعاب مرجانية تدفعها تيارات مائية فى أعماق البحر ، كعناقيد تتمايل فى حِزَم جماعية ، أو تشكل سطوحا متقابلة فى حوار ، أومتراكمة فى تكوينات توحى ببقايا انفجار بركانى او سديمى ، أو تكوّن أقبية وكهوفا متحجرة من أزمنة سحيقة ، أو تكوِّر شكلا مثل كوكب الأرض.
هكذا تجعل الفنانة من كل مُشاهد لأعمالها شريكا تفاعليا يؤوِّل تكويناتها بخياله حسب ما تستدعيه ذاكرته البصرية من رؤى وخيالات خاصة به..وتلك إحدى سمات الجمال فى العمل الفنى.
لكن أصعب ما فى تجربة الفنانة أنها لا تتعامل مع كتل وأسطح صماء ، كما هو الحال بالنسبة لأغلب النحاتين ، بل تتعامل مع ما يشبه الشظايا ورقائق المعدن فى ورش الحدادين ، حيث قامت بتجميعها ولحامها ، وأظن أن الفنانة أقدر من زميلها الفنان على أن تعكف على مثل هذه المهمة بكل ذلك الصبر ، كأنها تغزل نسيجا أو تطرز ثوبا بخيوط وخرزات دقيقة دون تصميم مسبق ، تاركة العنان لإحساسها وخيالها وقواها الروحية وعوامل الصدفة معا ، لبلورةهذه الرؤى الإبداعية ، بينما تتحكم خبرتها التقنية فى الخامة لتحدث على الأسطح تأثيرات الأكسدة بتفاعلاتها الكيميائية فتضفى عليها تأثير التآكل والتلاشى والقدم.
إن منى عمر معيدة بكلية التربية الفنية ، وباحثة أكاديمية استوعبت الأهداف الاستراتيجية لهذه المؤسسة التربو ية العريقة على أيدى أساتذة يقدرون رسالتها ، ولعل فنانتنا الشابة تكون قادرة على تنشئة مواهب أجيال من الطلبة بمثل هذه الخبرات الإبداعية دون تعصب فئوى أو مذهبى يقدس مدرسة فنية بعينها ويتهم ما عداها بالتخلف ، وتصبح كذلك قادرة على أن تميز بين مهمة الفنان حين يبدع لإرضاء نفسه فحسب ، وبين مهمته كصاحب رسالة تربوية للأجيال ، عبر مختلف المدارس والاتجاهات فى تاريخ الفن.

