هرم فنى من الحلم والأسطورة

14 فبراير 2022
“الهرم الذهبى”..عنوان مثير لمعرض جديد بقاعة ضى بالمهندسين ، يستمد صفته وعنوانه من حميمية الصداقة بين فنانيه الثلاثة الدكاترة أحمد نبيل سليمان وحسن عبد الفتاح ومصطفى الفقى..الذين يمثلون أضلاع المثلث ، لا أعرف من اختار العنوان ؛ هم أم قاعة العرض ، لكن ما يهمنا هو ما يرمز إليه ، ويمكن أن تكون الرمزية فى كلمة “الهرم” هى رسوخ العلاقة بينهم كبنيان متساوى الأضلاع على أرض صلبة تتلاقى عند القمة فى نقطة التماهى بين الواقع والما وراء .
أما عن اختيار صفة “الذهبى” فربما يقصد بها أصالة ونفاسة العلاقة التاريخية بينهم كأصدقاء عمر وزملاء دراسة وعمل طوال أكثر من ٦٥ عاما كطلبة ثم أساتذة بقسم التصوير بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة ، ورفاق رحلة إبداعية ممتدة جمعتهم فى أكثر من معرض مشترك ، وامتزجت من خلالها أحلامهم ورؤاهم ، لكنهم – فى نفس الوقت – حافظوا على استقلال كل منهم بشخصيته الفنية المتفردة وعالمه الإنسانى الخاص ونظرته الفلسفية للحياة والوجود ، فى زمن أصبح من النادر فيه للغاية أن تستمر علاقة بهذا العمق فى أوساط الفنانين التى تغلب عليها الأنا والذاتية ، ناهيك عن عدم توافر قواسم مشتركة لا تعصف بها نزعات الأنانية والمصالح الشخصية…وقد يذكروننى – مع الفارق الأيديولوجى والرسالى – بجماعة الفن والحرية أواسط القرن الماضى (١٩٣٩-١٩٤٥) ، وهى على ريادتها وفرادتها تعكس روح عصرها وشغف فرسانه بخلق إبداع يتجاوز الأكاديمى والمألوف إلى الفن الحديث والطليعى ، فوق انشغالهم بتحرير وطنهم وتقدمه ، وهذا هو الفارق الجوهرى بين زمن الأمس وزمن اليوم ، حيث شهد زمن الأربعينيات سلسلة من الجماعات الفنية والادبية المتناظرة والمتحاورة ، بطموح للثورة والتغيير الاجتماعى والثقافى لمصير الوطن ومسيرة الفن فى آن . . بينما تغيب فى زمننا رؤية الفنان المرتبطة بهذا الطموح ، بل يندر فيه الارتباط الإنسانى الحميم بين أكثر من شخصين ، ناهيك عن الارتباط برسالة تهم الوطن.
أضلاع المثلث الذهبى يختلف أصحابها أسلوبيا ومنهجيا وكأنهم أطراف متباعدة ، لكنهم فى توجههم الفنى يلتقون عند نقطة أساسية تسكنها الفنتازيا والحلم ، وتأتى عند هذه الذروة اعمال أحمد نبيل ، المحتشدة بعذارى أسطوريات مثل كاهنات المعبد الفرعونى ، يمارسن طقوس العبادة بالرقص وإطلاق البخور للآلهة أو للملوك المتألهين ، محفوفات بمظاهر السحر ورموز الحكمة وصقور حورس وزهور اللوتس وغربان النذير وما يشير الى البعث بعد الموت ، وتتصاعد أدعيتهن الوثنية فى كورس أوبرالى الطابع ، وفى ذات الوقت يستدعى الفنان لهن خيولا جامحةلتنطلق بهن إلى رحابة الحب والأحلام الوردية بعيدا عن طقوس الموت والبعث فى العالم الآخر ، ذلك أنهن بنات طبيعتهن الأرضية وأحلامهن الدنيوية وليست الأخروية ، وربما كان هذا هو حلم الفنان الذى صورهن كعناصر من فردوس على الأرض ، بحوريات هائمات فى أجواء أسطورة عصرية من صنعه ، وبترنيمات عابرة للأزمان والأديان بعيدا عن صراعات الواقع الوحشية.
وفنتازيا حسن عبد الفتاح من نوع آخر أكثر جسدانية إذا جاز التعبير ، ذلك ان حورياته الممشوقات تتأوٌَدن وتتمايلن وتتلوٌَين بفتنة شهوانية لاهية ، وتتفرٌَد كل منهن بشخصيتها ، وتتمطٌَى وتتمدد متوحدة مسيطرة على كل فضاء اللوحة ، بخطوط رشيقة انسيابية ، تصنع إيقاعات جسدها المياس ، فتبدو مزهوة بحسنها أكثر من زهوها بغواية العشاق ، فهى أقرب إلى حالة نرجسية تستغرق فى عشق الذات ، لهذا تختلف طاقتها الحركية عن طاقة حوريات أحمد نبيل المتشحات بوقار الكاهنات ، ولا أعرف إذا كانت هذه الطاقة الحركية الفياضة عند بنات حسن هى التى تقوده إلى الأسلوب الحداثى الديناميكى المتفجر بالألوان الحوشية والخطوط المتقاطعة والأجواء الشرقية المليئة بالطنافس والمزامير والشهوات ، سائرا على خطى رائد المدرسة الحوشية الفنان الفرنسى هنرى ماتيس أوائل القرن الماضى ، أم أن تركيبته الذاتية الشغوفة بكسر ثبات الواقع ورصانته ، بامتلاك أقصى قدر من الحرية هو ما يدفعه لاختيار هذا الأسلوب الجياش بالحيوية والألوان الحوشية ، بل يصل به – فى عدد من اللوحات – إلى التجريد الغنائى الطليق ، مرة بإيقاعات تطريبية شرقية ، ومرات بمقامات الموسيقى الغربية البليفونية.
أما عالم مصطفى الفقى فهو على النقيض من زميليه فى كل شىء ، إنه صوت الحكمة والوقار والتأمل ، مرتديا عباءة واقعية لكن ما بداخلها عالم ما فوق الواقع ، تحف بشخصياته ومضات الضوء وإشعاعات الروحانية، بالرغم من أنها شخصيات جاثمة ككتل صماء تبدو مسربلة بظلال كثيفة غامضة ، وهى شخصيات واقعية من غمار الناس نراها فى الشارع وبين الطبقات البسيطة ، لكنها تتجرد من ماديتها وتتخفف من ألوانها إلى حد التقشف والقتامة ، فتبدو أشباحا فى الظلام أو أطيافا نورانية ، بيد أنها تبزغ من عالمه الباطنى المقارب للتصوف ، أكثر مما تنبع من الواقع المادى المُعاش ، إن عالمه عالم سلامى مسالم، ينآى عن الصراع ويدنو من التصالح مع الوجود، ومن باطن الوجدان أكثر مما يظهر فى تجليات الواقع، رغم كثرة نماذجها كموضوعات للوحاته، مثل جلسات المريدين حول الشيخ ، ومثل النسوة الجالسات بعباءاتهن السوداء ، فى انتظار لشىء مجهول ، وهناك أشخاص يلتفون حول بائع الفول وقدرته الضخمةفوق عربته البدائية ، وهناك أيضا تجمعات الحمام البيضاء والسوداء والحمراء والمبرقشة فوق أبراجها أو بداخل أقفاصها ، وهناك مشاهد العمارات الغارقة فى الظلال ، وحدائق كثيفة الأوراق مسربلة بالغموض ، جميع تلك النماذج محسوسات مادية ينجح مصطفى – عبر استخدام لمسات الضوء مجهولة المصدر على طريقة الفنان الهولندى رمبرانت – فى إحالتها الى هيئات مخاتلة بين الواقع والحلم والأسطورة.
وتبقى أضلاع المثلث الذهبى لترسى قيمة الأستاذية، ليس بالمفهوم الأكاديمى الضيق ، بل بمفهوم المشاركة فى بناء هوية أصيلة للفن المصرى المعاصر ، لا تلهث لمحاكاة الأساليب الغربية ، بل تشق مسارها المستقل النابع من جذور حضارية، مستفيدة فى ذات الوقت من إنجازات الحداثة الغربية التى غيرت وجه الفن فى القرن العشرين.
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »