21 ابريل 2019
التعبيرية – كما هو معروف – مدرسة فنية ، والوجودية مدرسة فلسفية ، والفنان وجيه وهبة ربيب المدرستين ، ويمارس فن التصوير من خلالهما معا ، ويؤكد ذلك فى معرضه المقام حاليا بقاعة بيكاسو بالزمالك ، بعد عشر سنوات من الانقطاع عن إقامة المعارض ، وهو يمارس الإبداع والكتابة ويتعاطى مع الفكر كقاسم مشترك بينهما ، ويزاول نشاطه فى المجالات الثلاثة كهاوٍ متحرر من حواكم الاحتراف ، ويغرد دائما خارج السرب ، ويمضى وحيدا فى الاتجاه المعاكس للعقل الجمعى حتى لو تعرض للهجوم والإقصاء ، لكنه يحرص على الاحتفاظ بمن يختلف معه بقدر احتفاظه بمؤيديه .
اليوم يقدم حصادا لإبداعه المتراكم خلال هذه السنوات وسط انشغاله بكتابة المقالات المنتظمة بجريدة المصرى اليوم ، والغوص فى المراجع القديمة والبحث فى فكر تحولات الثورة وغيره من الموضوعات ، والى جانب لوحاته الزيتية يضيف اليوم عددا كبيرا من رسومه الخطية التى تبدو عزفا منفردا رشيقا بخطوط الحبر النحيلة مقارنة بهذه اللوحات.
ومثل أغلب فنانى المدرسة التعبيرية ، كان الإنسان – بظاهره وباطنه – هو محور أعماله ، لكن هذا الإنسان العارى فى كل لوحاته – رجلا كان او امرأة – يختلف عن إنسان التعبيريين الأوروبيين أمثال مونش ونولد وإرنست وبيكمان وكوكوشكا ، فى ألمانيا والنمسا وسويسرا والدول الاسكندنافية الباردة ، بل حتى عن الانسان لدى فنانى هذا الاتجاه فى مصر ؛ فإنسانه يبدو غير واضح الملامح والصفات والتفاصيل ، هو أقرب الى الشبح أو الطيف ، معلق فى الفراغ وكأنه فى منطقة كونية ، أو فى حالة انعدام الوزن كرجل سفينة الفضاء ، حتى ولو بدا واقفا أو جالسا أو متكئا على شىء..إنه حالة وجودية خام ، وباختصار إنه الانسان وكفى!
الشعور بالوحدة، والانطواء الأكتئابى ، دافعان رئيسيان للتعبير الدرامى عند التعبيريين الأوروبيين ، ويمثلان ملمحا يميز أعمالهم ذات الألوان الداكنة والباردة والعنيفة أحيانا ، وجه الإنسان فيها مرآة عاكسة لأزمته الوجودية بكثير من التشويه والتقلصات ، تبدو فيها الملامح البشرية – خاصة العيون والأفواه – حاملة صرخات الألم والاحتجاج والغضب .
لكن وجيه وهبة لا يطلق الصرخات ولا يعبر عن الألم أو الحزن أو الغضب أو الاكتئاب أو حتى الشعور بالوحدة ، ومن ثم فإنه ليس معنيا بإظهار أية ملامح لأبطاله ، فقضيته التعبيرية ليست كقضية نظيره الأوروبى ، لأن إنسانه ليس وحيدا ، بل نراه فى أغلب اللوحات مع أشخاص أو رفاق عراة يشاركونه الوجود فى اللوحة التى قد تقتصر على رجل وامرأة ، وقد تضم عددا أكثر ، لكن جُلٌهم لا يتبادلون المشاعر ، بل نراهم متواجهين او متجاورين لا يتلامسون، بل يولون ظهورهم لبعضهم البعض ، أو يبقون فى أماكنهم فى حالة من التباعد الحيادى البارد لأشخاص غرباء ، وأكاد أحسهم يتساءلون بغير صوت : من نحن؟..وأين؟..ولماذا نحن هنا ؟ ..وما معنى وجودنا؟..وهى تذكرنى بأسئلة مشابهة حملتها لوحة للفنان الفرنسى الشهير جوجان رسمها فى جزيرة تاهيتى اواخر القرن١٩…
صحيح ان “لِوَجيه”لوحات قليلة لوجوه إنسانية بالوان صارخة وملامح مُحرٌَفة كالتعبيريين الأوروبيين ، لكنها أقل حدة وتشويها ، كما أن له لوحات أخرى لأشخاص يتعاطفون ظاهريا مع بعضهم البعض ،
رُسموا بألوان دافئة أو حتى ساخنة تؤكد تلك الحالة ، ومعظمها لثنائيات نسائية ، لكنهم لا يمثلون الأغلبية بين أعماله.
وأياً كانت الدوافع التعبيرية أو الفلسفية للفنان ، حتى ولو كانت بحثا عن حلول وعلاقات تشكيلية مجردة بين الإنسان والطبيعة ، بعيدا عن أية تأويلات فلسفية ، فإن السؤال الذى يعنينا هو : ما الجديد المبتكر بمعرضه يميزه عن الاتجاه التعبيرى الأوروبى الذى ينتهجه؟
أعتقد أن ما يميزه هو المزاوجة بين التجريد والتعبير ، فلو استبعدنا الأشخاص من لوحاته لبدت لنا خلفياتهم كتكوينات تجريدية بحتة ، بمساحات لونية عريضة وشبكة من العلاقات الخطية ومناطق الفراغ ، تتخللها بقع من الأضواء والظلال ، فتضفى نوعا من الحركة ، تتذبذب حتى ولو كانت كل العناصر ساكنة فى محيطها الخاص ، وتحاول هذه الخلفيات التجريدية فى الوقت ذاته أن تقيم حوارا مع الأشخاص فى مقدمة المشهد أو بداخله ، وقد تنجح بعض هذه المحاولات وقد لا ينجح غيرها ، لان الأشخاص فى الأخيرة عولجوا فنيا بأسلوب مختلف عن أسلوب معالجة تلك الخلفيات ، لقيام الفنان بتجريح الأجسام وتشريحها بلمسات انفعالية كانها رسمت بمشرط حاد يجعلها أقرب الى الاتجاه الحوشى ، خاصة وهو يستعين بألوان
ساخنة ومضيئة وسط الظلام كالأصفر والأحمر ، بينما تتنفس الخلفيات فى مساحات مفتوحة بألوان “مسالمة” ، مع قدر من النعومة ، فى جو ليلى غامض ، يأخذك الى عالم مجهول فى أعماق اللوحة وليس الى خارجها حيث يوجد الأشخاص ، مما يعنى حاجة اللوحة الى التفاعل بين الطرفين ، بهارمونية تربط العناصر البصرية المتناقضة بين الأشخاص ومحيطهم ، وذلك بتداخل النسيج اللونى وتمازج لمسات الفرشاة المضيئة والمعتمة والساخنة والباردة ، وتأكيد الروابط الخطية للتكوين حتى ولو كانت وهمية ، فلا تترك فيما بينها مجالا للانفصال او التفكك.
على أى حال يظل المعرض متميزا بحضور قوي ، بما يثيره من أسئلة ورؤى تحتمل تأويلات شتى .

