فيس بوك
10ديسمبر2022
للموت حرمة ، وللمدافن قداسة ، ولأرواح المدفونين فيها حق الحصانة ، وفى أعناق ذويهم واجب الزيارة مهما طال الزمن ، ليستمعوا إلى دعائهم وصلواتهم .
إن ساحات المدافن تحظى باحترام الجماعة فى أى مجتمع ، وبحالة من الخشوع والرهبة ، وبات ذلك قيمة أخلاقية تتوارثها الأجيال البشرية عبر كل زمان ومكان ودين ، حتى لمن بلا أديان سماوية ، فالموت هو الحقيقة الأزلية المطلقة بعد حقيقة الميلاد ، حقيقة يضفى عليها المجهول الآتى بالغريزة بعد الموت أسرارا ومعانى روحانية تستعصى على إدراك العقل ، ويُفرَض عليه – بالبصيرة – التسليم المطلق بالمجهول القادم بعد الحياة ، ويتضاعف الاحترام والاهتمام بالشخصيات التاريخية والرمزية التى ارتبطت حياتها بأعمال وعطاءات لشعوبها حتى اصبحت أيقونات لأممهم وإرثا تعتز به ، سواء فى مجالات العمل الوطنى او الفكرى او الأدبى أو الفنى ، حتى تَضحَى مزارات قومية ومعالم تاريخية.
لذلك لا تُفَرٌِق حرمة المدافن وحصانتُها بين مجتمع متقدم وآخر متخلف ، ومجتمع شرقى وآخر غربى ، ومجتمع متدين أو علمانى ، فجميعها يٌحَرٌَم الاعتداء عليها أو المساس بكرامتها ، وتحاط بالأسوار والأشجار ، كواحة الغروب للسلام الأبدى ، تهنأ به أرواح ساكنيها ونفوس زائريها بكل الاحترام والتبجيل ، إنها فى جوهرها مسألة حضارية ، كونها تجعل للحياة والموت معنى عميقا يتجاوز الضرورة النفعية والحاجة المادية إلى ما وراء الضرورة والمنفعة ، إلى مراقى الروح ومدارج الوجود ومعنى الضمير والحساب. وشعبنا المصرى بوجه خاص هو أقدم الشعوب عبر التاريخ إدراكا لهذا المعنى ، ومن هنا جاءتقديسه للمدافن والجبانات ، وامتد ذلك التقديس فى الوجدان الشعبى عبر العصور والأديان والحضارات ، حتى أن الأهالى دأبوا على قضاء المواسم والأعياد مع أسلافهم فى المقابر ، يوزعون فطير الرحمة على أرواحهم مع قراءة القرآن أو الصلوات ، ويُئنِسون وحدتهم بممارسة الحياة بجوارهم بشكل طبيعى هم وأطفالهم ، بل يتناولون طعامهم فى رحابهم وكأنهم يشتركون فيه معهم ، وقد يخاطبونهم وكأنهم أحياء يسمعونهم ، فيُعرٌِفونهم بأسماء أحدث مواليدهم وآخر أخبارهم وأفراحهم وأحزانهم ، إنه ليس تفكيرا أسطوريا بل تعبيرا مجازيا يحمل معنى استمرارية الحياة واستئناس الموت واعتباره مصيرا حتميا مؤقتا لكل حى ، تتلوه بالضرورة حياة أبدية ، إنها عقيدة حياة باحتواء الموت!
أثار عندى هذه الخواطر ؛ المعرض المقام حاليا بآتيليه القاهرة للفنانين والكتاب بعنوان “علامة إزالة” لمجموعة فنانين بين رسامين ومصورين فوتوغرافيين ، نظمه “جروب فنانون من أجل توثيق تراث جبانات القاهرة”،قدموا فيه عددا ضخما من الصور واللوحات التى سجلوا فيها الأحياء التاريخيةالشهيرة بجبانات القاهرة مثل مقابر الإمام الشافعى والسيدة نفيسة ، وبينها مقابر الأسرة العلوية الممتدة من مؤسسها محمد على باشا وأبنائه وأحفاده حتى القرن العشرين ، ومن بين المقابر ؛ مقبرة رائد عمارة الفقراءالعظيم حسن فتحى بالإمام الشافعى ، وكذا مجموعة مقابر آل حقى بالسيدة نفيسة وتضم بينها مقبرة الكاتب الكبير يحيى حقى .
وليست جميع لوحات التصوير الزيتى أو الإكريليكى وثائقية ، فهناك لوحات عدة رسمت بمنهج رمزى وحس تعبيرى يلعب الخيال والرمز فيها دورا مهما ، مثل لوحات الفنانين رضا عبد السلام وأحمد الجناينى وسيد هويدى وداليا الشرقاوى وأحمد الشامى ، وهى تدعو للتأمل وتوحى بأجواء صوفية أو بصيرورة وجودية او بتداخل الحياة والموت أو بتحليق الارواح فوق الكون أو بحلم الفردوس او بعبق الزمن والتاريخ .
لكن الهدف الأساسى من إقامة المعرض هو الإعلان عن وقفة إحتجاجية من جانب الفنانين ضد إصرار السلطات التى تستهدف إزالة عدد كبير من هذه الجبانات لانها تعترض مسار بعض الكبارى والمحاور المزمع إقامتها ، باعتبارها مشروعات قومية وحضارية ، وفى ضمير هؤلاء المسؤولين فكرة راسخة لا تقبل الجدل مدلولها انهم يقومون بعمل حضارى تهون امامه المقابر ، وكأنهم يقولون : الحى أبقى من الميت ، لكنهم لا يدركون انهم يستبدلون المعنى الحضارى الذى تمثله الرموز التاريخية، بالأبنية الحجرية الصماء ، وهى بذاتها لا تبنى حضارة ، فالحضارة فى الحفاظ أولا على الرموز ، وكذلك لا يدركون أنهم – بهدمها – يهدمون صناع الحضارة ، وقد تم بالفعل وضع العلامات الحمراء كرموز للإزالة على هذه المعالم..والبقية تنتظر !
والموضوع ليس جديدا ، فقد سبقت إزالةعدد من جبانات الأئمة والفقهاءوالمماليك والملكة فريدة وبعض الشخصيات التاريخية ، وأوشكت مقبرة الدكتور طه حسين عميد الأدب العربى أن تزال ، لولا تفجرأخبارها فى أجهزة الإعلام ، مما دعا الرئيس السيسى إلى التصريح بأن ذلك سلوك تأباه الجمهورية الجديدة لأننا لسنا همجا ، بل نحن دولة تحترم الحضارة ، ومع ذلك انتقل التهديد بالإزالة إلى مقابر أخرى ، بل تعدى المقابر إلى المتاحف ، وكانت البداية بمتحف الخزاف الكبير الراحل نبيل درويش بطريق المريوطية قرب هرم سقارة.
فهل يعد الهدم همجية بالنسبة لبعض الرموز ، وحضاريا لبعضها الآخر؟..وهل للموت قدسية وحرمة للبعض بينما آخرون بلا حرمة ولا قدسية ،..وهل يعد الكوبرى المزمع بناؤه أكثر تحضرا من رموز الأدب والفن والحضارة نفسها؟..وما هى معايير الحرمة ومعايير استحقاق الانتهاك والإزالة لكل حالة من تلك الحالات ؟
لقد بات كثير من البشر الأحياء يعيشون أشبه بالموتى ، فهل كتب على أرواح الراحلين أن يموتوا مرتين؟!
ليت احدا يدلنا على دليل يثبت قدرة جمهورية جديدة على دخول عصر الحضارة بعد ان تدمر تراثها !
يا ويل أمة ، باسم التقدم ، تنتهك رموزها وموتاها !