٣٠ يونيو ومستقبل الثقافة

ملحق جريدة الاهرام 23 يونيو 2023

 

عندما كتبَت مصر لنفسها تاريخا جديدا فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣ ليقودها إلى الأمان والحرية والدولة الحديثة على طريق العدالة الاجتماعية والتقدم نحو المستقبل فى مواجهة الإرهاب والعقلية المرتدة إلى فكر الماضى ، كانت فى الحقيقة تمارس بذلك فعلا ثقافيا مؤكدا، بالرغم من ارتباطه المباشر بالعمل السياسى ، ذلك لان جوهر الموقف الثورى للجماهير بطليعتها الشبابية المستنيرة هو موقف ثقافى، يتعلق برفض هيمنة العقل السلفى لحكم الإخوان المسلمين، الذى يستعين بالبطش والإرهاب لتمكينهم فى الحكم وانفرادهم بالسلطة، مما يعنى التراجع عن قيم الوطنية والتنوع والحداثة والدولة المدنية، وعن مكتسبات مسيرة التنوير بتياراتها المنفتحة على العصر، تلك المسيرة التى أنجزتها طلائع المثقفين ونضال المصريين على امتداد ما يقرب من قرن من الزمان انطلاقا من ثورة ١٩١٩. وكل هذه فى الحقيقة قيم ثقافية قبل ان تكون سياسية.
وأكد المسار الثورى عبر التاريخ أهمية الثقافة ودورها فى حياة المجتمع، وانعكس ذلك عند صياغة دستور ٢٠١٤، حيث خصصت اللجنة التى صاغته باباً مسقلا للثقافة، يعبر عن خيار استراتيجى بأن الثقافة ضرورة لبناء الإنسان، واستَنٌَ الدستور من أجلها عدة مواد ملزمة للدولة فى رعاية الثقافة ، وللوصول بالمنتجات الثقافية إلى الشعب حتى أطراف المحافظات النائية، محققا بذلك مبدأً جديدا هو العدالة الثقافية، يتواكب مع العدالة الاجتماعية جنبا إلى جنب.
لكن ليس بمواد الدستور وحدها تتحقق الأهداف، بل بالإرادة الثورية النابعة من روح ثورة ٣٠ يونيو، غير أن عوامل ترتيب الأولويات فى مرحلة ما بعد الثورة بتحدياتها الاجتماعية والاقتصادية فرضت إعطاء الأولوية لمشروعات البنية التحتية وتلبية المطالب الحياتية للجماهير ، مما استدعى حشد كل موارد الدولة لهذا الغرض ، فى الوقت الذى لم تطرح استراتيجية متكاملة للعمل الثقافى ، مما حال دون تفعيل النظرة الشمولية للتنمية الثقافية، وهى أبعد مدى من النظرة الجزئية للأنشطة القائمة فى مساراتها المنفصلة، بما يختلف عن المفهوم الاستراتيجى للثقافة، كرؤية شاملة تمثل حجر أساس يحمى ويدعم المشروعات الكبرى فى البنية التحتية والعدالة الاجتماعية، وقد أدى عدم تفعيل هذه الرؤية الاستراتيجية إلى ما نشهده من عزلة بين الأجهزة الثقافية والمجتمع، وإلى حالة من الركود الثقافى سواء على مستوى النخب العليا أو على مستوى القواعد الجماهيرية.
وحتى لا نستسلم للإحباط لعدم تحقيق أحد الأعمدة الأساسية لثورة الشعب فى ٣٠ يونيو، وأملا فى إيقاظ جذوته التى تضمنت مبدأ العدالة الثقافية، أقدم هذا الاجتهاد متضمنا الخطوط العريضة للاستراتيجية الثقافية المرجوة لتأخذنا نحو المستقبل، وهو اجتهاد لا ينبع من مجرد قناعات نظرية، بل كذلك من واقع خبرة ميدانية فى التنمية الثقافية على أرض الواقع…
* أولا: إن الثقافة ركيزة الوعى والتقدم الحضارى والوجودى للإنسان، وبدونها ينحدر إلى مستوى الكائنات الدنيا مهما امتلك من المقومات المادية، وبدونها يسير المجتمع كالأعرج مهما حقق من إنجازات تنموية، فهى عماد العقل والتنوير وعصب القيم الإنسانية ونور تهتدى به مسيرة النهضة.
* ثانيا: إن الثقافة مكوٌِن جوهرى فى كافة المؤسسات التعليمية والإعلامية السياسية والدينية والتوعوية بل والمجتمعات والمنشآت العمرانيةوكل ما يرتبط بالإنسان فى حياته اليومية.
* ثالثا : يستدعى ذلك ان تكون الدولة هى المسؤول الأول عن وضع وتنفيذ رؤية ثقافية مستدامة وملزمة لكافة الأجهزة التابعة لها، بما لا يقل عن التزامها بالتعليم والغذاء والبنية الأساسية، كونها حجر الأساس فى بناء الإنسان.
* رابعا : الثقافة ترتبط مصيريا ووجوديا بالحرية والديمقراطية وحرية التعبير، فهى نابعة من مبادئها وشرط لوجودها وازدهارها أيضا، وعلى الدولة ضمان هذا الشرط والمساعدة على ممارسته.
* خامسا : التحرر من الأمية ومن ربقة الفقر قرين بازدهار الثقافة، فإنسان أمى أو فقير أو مقهور بسبب لقمة العيش لن يكون قادرا على استيعاب العمل الثقافى، كما أن مبدعا فى الأدب أو الفن لن تصل رسالته إلى مجتمع أمى أو جاهل او مقهور يناضل لتلبية الحد الأدنى من مطالبه الوجودية.
* سادسا : للشعب ثقافته وفنونه الإبداعية المتوارثة، وهى تضم هويته التاريخية وحكمته ووعيه بالحياة والوجود، وواجب الدولة الحفاظ على هذه الثقافة وتنقيتها واستثمار الجانب الإبداعى منها فى الصناعات الثقافية، وأخص بالذكر الحرف اليدوية التقليدية فى عشرات المجالات الفنية التى يمكن أن تحقق مردودا اقتصاديا هائلا لو توفرت لها الظروف اللازمة، وأولها وضع هذا القطاع تحت مظلة مؤسسية كالمجلس الأعلى للحرف التقليدية الذى اقترحته عام ٢٠١١.
* سابعا: يرتبط بذلك مختلف الفنون الشعبية التى تكوٌِن المخزون الجوفى للشخصية المصرية وأحد أعمدة الهوية التى نريد تأكيدها، وتتمثل فى مجالات الموسيقى والغناء والرقص والأدب الشعبى والرسوم الجدارية وخيال الظل وفن الأراجوز وغيرها، ما يستدعى جعلها رافدا أساسيا لثقافتنا جديرا بالبحث والرعاية.
* ثامنا: الوصول بالخدمات والثمار الثقافية إلى كافة الأقاليم والمناطق النائية، عبر قنوات الفنون المختلفة كالمسرح والسينما والمتاحف والمعارض والمكتبات العامة واللوحات الجدارية والنحت الميدانى والحدائقى، وهو حق دستورى كافح المثقفون طويلا للحصول عليه حتى اعتُمِد فى دستور ٢٠١٤، ما يستدعى تفعيله وجعله فى أولويات العمل التنموى للدولة.
* تاسعا: قصور الثقافة بالمحافظات رئة أساسية للتنفس الثقافى للشعب ، غير أنها بحاجة إلى ثورة شاملة، بدءا من التخلص من جيوش القوى البشرية بلا عمل أو خبرة، وإيجاد كوادر مثقفة ومدربة بديلا لها، مع تفعيل دور قوافل الثقافة الجوالة بالقرى، حاملةً شتى المنتجات الثقافية، وانتخاب الكوادر المثقفة عن طريقها والكشف عن المواهب فى هذه القرى من خلالها.
* عاشرا: المثقفون والمبدعون – وهم بناة صرح الثقافة وعقل الأمة – ينبغى أن تتوفر لهم ضمانات مادية وأمنية وتأمينية ومهنية كافية فى مجالات الإنتاج والنشر والعرض الجماهيرى كحق مجانى توفره الدولة للمبدعين، ودعوتهم للمشاركة بالرأى فى وضع مخططات الدولة وسياساتها العامة، وان يكون لكل مؤسسة ثقافية رسمية مجلس استشارى من بينهم بجانب صناع القرار فيها، وأن يطلق سراح الجمعيات الثقافية الأهلية بعيدا عن وزارة التضامن الاجتماعى، لتكون تبعيتها للمجلس الأعلى للثقافة، وأن تخصص لها الإعانات المالية الكافية لتفعيل أنشطتها باعتبارها الذراع الموازى للمؤسسات الثقافية الرسمية، وان تمتد هذه الرعاية كذلك إلى النقابات الفنية واتحاد الكتاب، خاصة بالنسبة لرفع المعاشات الحالية المهينة التى يحصل اعضاؤها عليها ولا تليق بمكانتهم او حتى باحتياجات أفقر إنسان.
وبعد …فإن وقفة المثقفين ، باعتصامهم المشهود بمكتب وزير الثقافة أيام حكم الإخوان ، كانت الشرارة الأولى لثورة ٣٠ يونيو..ما يدل على أنهم مشعل الثورة وجبهة الوطن الحصينة، فلا أقل من أن يكونوا فى مقدمة القوى الوطنية لأمتهم الغالية، بدءا من إقرار استراتيجية تكفل وضعهم فى مكانهم الجدير بهم لبناء مصر المستقبل
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »