عام 1962 كان علامة مفصلية فى تاريخ حياتى، وبدقة أكثر.. فإنه شهد إعلانا رسميا بميلادى ككاتب وكفنان تشكيلى معاً.
ففى أوله – فى شهر يناير – صدرت لى أول مجموعة قصصية مستقلة بعنوان “أيام العزّ” وعمرى 22 عاماً، فكانت اعترافاً بى ككاتب للقصة، بالرغم من أن عدداً من قصصها سبق نشره قبل ذلك فى صحب ومجلات، وبعضها نشر ضمن مجموعة قصصية مشتركة مع بضعة كتاب شبان عام 1960 بعنوان “عيش وملح”، وقد لقيت “أيام العز” ترحيباً وحفاوة نقدية بأقلام كبار النقاد مثل يحيى حقى وفاطمة موسى وفؤاد دوارة.
وفى منتصف 62 (فى شهر يونية) تخرجتُ من كلية الفنون الجميلة، وحاز مشروع تخرجى على تقدير جيد جداً عن مجموعة لوحات عن الفلاح والأرض، عبرت فيها عن رؤيتى الواقعية التعبيرية كفنان يؤمن بأهداف ثورة يوليو 52، فأنا أحد أبنائها، بأفكارها التحررية وانحيازها إلى المهمشين والمقهورين فى العهود السابقة من عمال وفلاحين وبسطاء يصنعون الحياة، وهو أنتماء تولّد فترة حياتى فى قريتى “مشتول السوق” بالشرقية وغذَّاه فكر الثورة.
هكذا كانت سنة 62 محطة انطلاقى لخوض مشوار حياتى المقبلة، مؤمنا بدور الفنان فى مجتمعه والنضال لتحقيق أهدافه، ليس فقط بإبداعه الفنى أو الأدبى، بل بقراءة واعية للواقع بصراعه الطبقى وبتاريخه وتراثه الحضارى، واستلهام ذلك فى أعمالى، وكذا بالعمل الثقافى على أرض الواقع للنهوض بوعى وذوق الشعب، إدراكاً لمسؤولية المثقف الحقيقى نحو وطنه.
وهذا ما فعلته تماماً بمجرد تخرجى، فسرت فى اتجاهين مختلفين ومتكاملين معاً؛ قررت أولاً الانتقال من القاهرة إلى الأقصر والانضمام إلى مرسم الفنانين الذى كانت تديره كلية الفنون الجميلة، لمعايشة واستلهام فنون الحضارة المصرية القديمة بالبر الغربى للأقصر على مشارف قرية القرنة، فاستوعبتُ أسرار عظمة هذا الفن وما وراءه من حضارة، حتى تغلغل جوهرهما – لا مظهرهما – فى وعيى وفكرى ووجدانى طوال مشوار حياتى مع الإبداع.
وبعد عام واحد من ذلك اتجهت لتحقيق خيارى الثانى، وهو النزول إلى أرض الواقع بين أبناء الشعب كناشط ثقافى (بلغة عصرنا اليوم) حيث التحقت بالعمل فى قصور الثقافة، التى كانت آنذاك فكرة رائدة تتبناها القيادة السياسية لثورة يوليو، من خلال وزير الثقافة المؤسس د. ثروت عكاشة، وكان التعيين فى هذه الوظيفة وغيرها فى شتى المجالات يتم عبر إعلان فى الصحف ومسابقة تحريرية وشفهية لمئات المتقدمين، لقياس مستوى كفاءاتهم ومدى استحقاقهم لها بغير وساطة على الإطلاق. وجاء ترتيبى الأول بين الناجحين، وفضلت العمل بقصر ثقافة يجرى إنشاؤه بحى الأنفوشى الشعبى بالاسكندرية.. وتسلمت العمل فى 22 يونيو 1963، وبين عمال البناء والمهندسين والفنيين عشت عدة شهور تجربة استكمال التشطيبات، إلى حد الإقامة الدائمة بإحدى حجرات المسرح… هكذا تعرفت مبكراً – قبل ممارسة مهام وظيفتى – على أبناء الحى من الصيادين والحرفيين وابناء بحرى الأصلاء، وكوَّنا جماعة من فنانى اسكندرية الشباب (آنذاك) من خريجى وطلبة أول دفعة بكلية الفنون الجميلة هناك وجميعهم من نفس جيلى، مثل مصطفى عبد المعطى وسعيد العدوى ورباب نمر وفاروق شحاتة وأحمد عزمى وعصمت داوستاشى… رحنا نرسم ونستلهم حياة الصيادين وصناع مراكب الصيد على شاطئ البحر وملامح المنطقة الشعبية، بل ونشارك فى تاسيس مرسم حر للهواة فى القصر، إلى جانب اقتراح أنشطة أخرى لفرق المسرح والسينما والموسيقى، وتزويد المكتبة العامة بكتب الفنون والتراث.
عامان قضيتهما فى قصر الأنفوشى، حتى أصبح أحد المعالم الثقافية بالاسكندرية محققاً أهم هدف آمنت به، وهو انتقال النخبة المثقفة إلى الطبقات الشعبية والنهوض بوعيها وذوقها، دون انتظار أن تذهب إلى المثقفين، وهذا جوهر فلسفة ثورة يوليو التى أمنت بها مبكراً، والنابع من إيمان قيادتها بدور الثقافة كضرورة للجماهير.
وتولى أمر القصر من بعدى زميلى الفنان فاروق حسنى، بعد أن اتجهت إلى مدينة بور سعيد كى أحقق نفس المشروع فى قصر الثقافة بحى الأمين الشعبى حيث كان يتم إعداده آنذاك. وهناك مارست نفس الدور وبنفس الأسلوب تقريباً مع التركيز على المسرح لمدة عامين آخرين، معتمداً على مجموعة من الشباب الهواة الموهوبين فى تأسيس فرقة مسرحية قدمت نوابغ الممثلين والمخرجين وتحقق ذلك دون أن أنقطع عن الكتابة ونشر القصص، أو عن الرسم وإقامة المعارض.
واستمراراً لهذا الدور قبلت العمل (فى ديسمبر 1966) مديراً لقصر الثقافة بكفر الشيخ. والحقيقة أنه لم يكن هناك قصر أصلاً لأقوم بإدارته، فكان علىَّ إنشاءه من العدم، وهناك عشت أهم وأخصب تجربة ثقافية فى حياتى، حيث واجهت تحديات هائلة لتحقيق هذا الهدف تفوق قدراتى كشاب فى السادسة والعشرين من عمره، لكن كان هناك إيمانى بدور المثقف العضوى والمناضل الثورى وإحساسى بالمسؤولية التاريخية فى مواجهة قوى عاتية سياسياً وأمنياً، وضعتنى دائماً فى خانة اليسارى المشاغب القادم لتأجيج الصراع والفتن، هذا بخلاف تحديات البيروقراطية وعجز الموارد المالية والبشرية، ثم تحالفت قوى بقايا الإقطاع وقادة الإتحاد الاشتراكى ومحافظ الإقليم ضد نجاح المشروع بكل شراسة، حتى استدعى الأمر تدخُّل وزير الداخلية شعراوى جمعة باستدعائى لمكتبه أكثر من مرة، ومحاولة إقناعى بتهدئة الأوضاع إرضاءً لتلك القوى، حتى بلغ الأمر إلى الرئيس عبد الناصر فى اجتماع لمجلس الوزراء، حيث رأى الإبقاء على القصر انطلاقاً من أنه يُعبِّر عن توجهات الثورة بعد نكسة 1967، وكان يدرك أن للقصر قاعدة جماهيرية عريضة مؤيدة له، وكان فى أشد الحاجة إليها وقت مناقشة بيان 30 مارس ورغبته فى الإطاحة بمراكز القوى التى أدت إلى الهزيمة.. وهكذا استمر القصر لشهور قليلة سائراً على الصراط، حتى انتهت فترة انتقال نظام ما بعد هزيمة يونيو 1967 إلى الخلاص من رموز النظام فى المرحلة السابقة، فأضئ النور الأخضر للتخلص منى ومن مشاكل قصر الثقافة !
وأعترف الآن بالدور العظيم الذى قام به د. ثروت عكاشة آنذاك محاولاً الدفاع عن القصر وتجربته الثورية، متحدياً كافة القوى الداعية إلى إغلاقه، لكنه لم يستطع إيقاف النهاية المأساوية له وإغلاقه وهو فى ذروة التحامه بجماهير الشعب فى كفر الشيخ، من فلاحين ومثقفين وبسطاء اعتبروه بيتهم وضميرهم ورائد حلمهم بالتغيير.
إنها تجربة حفرت مكانها البارز فى مسار حياتى ومسار العمل الثقافى المصرى، وقد قمت بتوثيقها فى كتابى “الصامتون – تجارب فى الثقافة والديمقراطية بالريف المصرى” الذى صدرت طبعته الأولى 1985 .. وأعتبر أنها رسَّخت قاعدة لقناعاتى على امتداد العقود التالية وصولاً إلى أهداف أبعد فى العمل الثقافى والإبداعى، والفضل يرجع إلى نقطة إنطلاقى الصحيحة عام 1962.
عز الدين نجيب
الحائز على جائزة الدولة التقديرية فى الفنون
2014