عز الدين نجيبب
7 مارس 2019
شجعتنى مداخلة الفنان احمد رمضان ردا على مقالى بالامس حول معرضه الأخير بمتحف مختار ..على التفاعل مع وجهة نظره ، وأقرر بداية بأن مداخلته نموذج محترم للحوار بين فكرين يقبلان الاختلاف بلا إقصاء من أحدهما للآخر ، ما ينم عن فنان يختار طريقه بمرجعية ثقافية رحبة وبروح نقدية لا تتمترس حول قناعات يقينية ثابتة ، بل يفتح نوافذه لمراجعات محتملة لأفكاره ، بتواضع الصدق مع الذات ومع الرسالة التى يتبناها وبالثقة فى النفس أيضا.
إن حواره الجدلى معى لا يتراجع عن قناعته
باتجاه فنون ما بعد الحداثة ، وإن كان يسلم معى بوقوع هذا المسار فى أيدى من سماهم هو بعصابات المال والأعمال ، لكنه يبحث عن”حداثة بديلة” ، وقال مدافعا عن موقفه بأنه ليس معنيا ب”أدلجة الفن” ، لكننى لم أقصده بذلك فى مقالى ، بل قصدت رواد اتجاه ما بعد الحداثة الذين حولوه بالفعل الى ايديولوجية حتى وإن ادعوا سقوط كل الأيديولوجيات ، وأوافقه على أنه صاحب موقف سياسى أقدره تماما ، وأضيف أن الموقف السياسى مطلوب من كل فنان لكن مكانه لا ينبغى أن يكون فى مقدمة رأس الفنان بل فى مؤخرة جمجمته ليكون نورا هاديا وليس نظارة سميكة تتحكم فى إبصاره ، كما أن هذا الموقف السياسى يظل بلا جدوى إذا لم يرتبط بوسائل تفعيله على أرض الواقع..وهذا مربط الفرس فى مقالى.
وأتفق مع الفنان فى ان “ما بعد الحداثة”إطار واسع ولا يخلو من جوانب إيجابية ، وأضيف بأن من هذه الجوانب المناداة بالعودة الى الثقافات الهامشية للشعوب والى عناصر البيئة والتراث من منظور شعبوى ، والسؤال هو : ماذا يفعل الفنان بهذه العناصر؟ وما المردود المفاهيمى منها على المتلقى فى النهاية؟ ، والعبرة بالمسار الكلى لهذا التيار الذى لا يبنى بقدر ما يهدم ، علما بأن قوته قد تراجعث فى منشئه كثيرا منذ أكثر من عقدين وظهر بعده تيار باسم”بعد ما بعد الحداثة” يقوم على وسائل التكنولوجيا والميديا والديجيتال ، ما يعنى انقضاء عصر اللوحة والتمثال والاعتماد على إمكانات الكمبيوتر والفيديو والديجيتال… ولا عزاء لمحبى الفنون الجميلة ورواد المتاحف !!
فى رايى أن أى بديل قد ينشده الفنان لا يستقيم إلا بالاعتراف بأن العملية الفنية دائرة متصلة بين طرفين ( كالدائرة الكهربية) ، بين مبدع ومتلق ،فإذا لم يصل التيار الكهربى عبر سلك ما إلى الطرف الثانى انقطع التيار. والمسؤولية هنا تقع على الطرف الأول أى المرسل(وهو الفنان) للبحث عن سبب الانقطاع ، ذلك إذا كان مؤمنا بضرورة وصول رسالته ،خاصة وأن الطرف الثانى(المرسل إليه ) وهو الجمهور ، ليس فى حاجة ماسة إلى مثل هذا النوع من الفن ، أو ربما الى اى نوع آخر ، فى ظل أولوياته الحياتية التى ظلا يجد لها إشباعا!
ربما كان الحل من وجهة نظرى يكمن فى العثور على منطقة مشتركة بين الطرفين المذكورين للإحساس بالجمال ، الكامنة بداخل النفس البشرية ، وإن اختلفت شفرتها من بيئة وثقافة الى بيئة وثقافة أخريين ، وفقا لاختلاف موروثاتهما وهوياتهما وما بينهما أيضا من عوامل مشتركة مع قيم الحضارة العليافى العالم حتى العصر الحديث ، وأقول:”الحضارة العليا” لأنها لو لم تملك القدرة على لمس فطرة الجمال فى الجوهر الإنسانى فى أى مكان أو زمان والارتقاء به ، لم تصبح “عليا” ،أو حتى “حضارة”.
فهل السعى لصدم الجمهور بالنفايات ، ولفرض مظاهر القبح عليه وتعمد التشويه المقزز للإنسان يمكن أن ينشء تيارا كهربيا يضىء القلب والعقل والروح لدى المشاهد؟ ،قد يكون ذلك القبح مفيدا إذا كان المشاهد الذى توجه إليه الرسالة من أعداء الإنسانية ومن يتسببون فى دمارها ، كمرآة يرون فيها أنفسهم..لكن المشكلة أن هؤلاء لا يشاهدون معارض من هذا النوع ، بل يشاهدها ضحاياهم من البشر ، وبعض النقاد المأجورين
من أجل توظيف هذا الانتاج العبثى فى خدمة أغراض أباطرة المال والأعمال وأجهزة المخابرات وتوجيه الرأى العام ،كى يسوغوا لهم استثماره فى سياق العولمة وفرض النفوذ ، كما فعل أسلافهم فى المخابرات المركزية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية باستقطاب الفنانين التجريديين والسرياليين من أوروبا الى أمريكا فى إطار الحرب الباردة الثقافية.
إذن – والحال كذلك- فليس أمامنا كسكان لهذا المكان فى العالم ، غير العودة الى البديهيات حول معنى الجمال وارتباطه بالفطرة الانسانية وبالحضارات الكبرى وبتطور الحياة والقضايا الانسانية ، حتى عصر الميديا بإمكاناتها الهائلة ، بحثا عن الشكل الجمالى الذى لا تنفر منه الأعين والأنفس ،الشكل الذى يبث فينا الطاقة الايجابية ويكشف أمامنا المناطق المظلمة من حياتنا وهمومنا و يحمل فى النهاية روحنا وهويتنا ، ويعمل على إذكاء الروح والعقل وإضاءة الوعى نحو مستقبل افضل ، لا نكون فيه متخلفين عن مسيرة التقدم.
وفى ذلك فليتنافس المتنافسون!