23 اكتوبر 2022
لعل أقدم لوحة فى التاريخ لامرأة بدينة ، هى التى توجد فوق أحد جدران معبد الملكة حتشبسوت بالبر الغربى لمدينة الأقصر ، وهى لسيدة مصابة بمرض الفلاريا أو ما يطلق عليه (الفيل) ، الذى لم يكن معروفا فى مصر حتى ذلك العصر ، ويبدو انها صُوِرت بالمعبد إثر عودة البعثة العلمية والتجارية التى أوفدتها الملكة إلى بلاد بونت(الصومال) وتم خلالها التعرف على هذا المرض ، فكانت كشفا طبيا يستحق التسجيل ، الى جانب تسجيل الكثير من الانواع التى تم استجلابها مع البعثة من النباتات والاشجار والطيور والحيوانات والتوابل والبخور التى لم تكن معروفة فى مصر ، إذن فإن تسجيل صورة هذه السيدة بالمعبد لم يكن بدافع التقديس والتخليد إنما تم لتوثيق ظاهرة مرضية ، مع أنه ليس كل البدينات مريضات بالفلاريا ، بل يقال إن الملكة حتشبسوت ذاتها كانت بدينة ، وكذلك يقال عن إحدى الملكات اللاتى حكمن السودان فى العصر الفرعونى من بين ملوك النوبة الذين امتد حكمهم إلى مصر ، لكن مكانتهما الملكية المقدسة لم تسمح بتصويرهما بدينتين فى التماثيل التى أقيمت لهما ، فلم تكن البدانة دليلا على العظمة والقداسة ، فالملك ظِل الله على الأرض ، فضلا عن ان البدانة لم تكن أيضا من صفات المرأة الجميلة.
وظل هذا الموقف من البدانة ساريا لدى الفنانين عبر العصور ، فلم يتخذوا من المرأة البدينة نموذجا للجمال الأنثوى ، إلا فى بعض فترات العصر الكلاسيكى المتأخر كان جمال المراة فيها يقاس بالجسم الممتلئ نسبيا وليس البدين تبعا للثقافة السائده حينذاك ، وبالنسبة للرجل فقد يكون فى التاريخ المصرى القديم حظى ببعض التسامح فتم تصويره بدينا كما هو فى الواقع ، مثل تمثالى شيخ البلد والمهندس سننموت .
واستمر ذلك العزوف عن تصوير المرأة البدينة حتى تسعينيات القرن الماضى ، عندما جعل الفنان الكولومبى فرناندو بوتيرو المولود ١٩٣٢ من البدانة للمرأة والرجل نموذجا أثيرا فى أغلب لوحاته، وحقق من خلال هذا النموذج شهرة عالمية واسعة ، وأصبح ملهما لعدد من الفنانين فى مصر من مصورين ونحاتين ، فمن المصورين الفنانان مصطفى رحمة وسامى البلشى ، ومن النحاتين محمد الفيومى وأحمد عسقلانى ، ومن قبلهم كانت للفنان البهجورى تجارب فى هذا الاتجاه بأسلوبه التكعيبى وأحيانا بأسلوبه الكاريكاتيرى.
والحقيقة أن بدينات وبدينى بوتيرو يحملون تعبيرات عن المرح والانبساط والسعادة ، ما يعكس نوعا من الطيبة والسماحة والإقبال على الحياة والحب والرقص بين عاشقين بدينين حتى يوشكان على الطيران (من خفة وزنهما!) على عكس الحقيقة ، وكأنه نوع من التحدى للإعاقة الجسمانية الناجمة عن فرط البدانة وليس لهما ذنب فى إصابتهما بها ، وتلك هى الطاقة الإيجابية التى يبثها الفنان من خلال هذه اللوحات فيمن حكم القدر عليهم بهذا “الظلم” ، فحقق بها استجابة عريضة حول العالم ،ويبدو أنه قصد بذلك – بعد إبراز المفارقة المفاهيمية – نوعا من جبر الخاطر لهم ، فجعل من الفن شحنة تعويضية للإنسان عن معاناته الإنسانية من نظرة الإشفاق أو السخرية من الناس إليهم ، فيجعلهم بهذه الشحنة يقبلون أنفسهم ويتصالحون معها ومع الحياة ، وبهذا يمنح الفنُ للجمالَ معنىً آخر ، أو يُحيلُ بعضَ ما نراه قبيحا إلى قيمة جميلة مقبولة بل ومحبوبة .
ومن الناحية الفنية تمثل هذه الأجسام مجالا خصبا للتشكيل المتحرر من الكوابح التقليدية المتعارف عليها ، وإغراء فى نفس الوقت بالتجربة الفنية التى تجمع بين الواقع والفنتازيا والفن ، فيتخذ الفنان من ذلك ذريعة لتحطيم النسب المثالية وللتحريف والتحوير فى الشكل ، ولإبراز الملامح بمبالغات أقرب للكاريكاتير. ومن جانب آخر جعل منها بوتيرو أداة تعبيرية عن معانى إنسانية نبيلة مثل التضامن الأسرى والأمومة والحب والمواجهة للتحديات والتفوق عليها.
ولا أستبعد أن يكون بوتيرو قد واجه فى بدايات استخدامه لهذا الأسلوب رد فعل سلبى لصدمِهِ ذوق جمهور ينتمى لثقافة مجتمعية استقرت على أنماط معينة للجمال الأنثوى ، ثقافة قد ترى فى البدانة معنى سلبيا للجمال ، وقد يكون قد خفف من وقع الصدمة عليهم ما حققه أدباء أمريكا اللاتينية وعلى رأسهم إبن بلده الكولومبى جابرييل جارسيا ماركيز ، بما غرسوه من قيم “الواقعية السحرية” التى أبدعوا بها أعمالهم الروائية ، وهى حافلة بأنواع الغرائب والمفارقات العجائبية التى تمتد جذورها إلى ثقافة شعوب هذه القارة ، فتقبلت ذائقة القراء إبداعات الأدب المعبرة عن هذه الثقافة ، بعد أن هيأت مناخا يتقبلها ويقدرها ، ومن ثم انعكس التجاوب والتقدير على لوحات بوتيرو ، وساعد على ذلك قبول المجتمع الغربى فى أوروبا وأمريكا لأعماله فى سياق انبهار المثقفين فى ذلك المجتمع بروايات الواقعية السحرية ، حتى أن رائدها الأشهر جارسيا ماركيز فاز بجائزة نوبل ، وإن كان الإقبال الغربى على أعمال بوتيرو يرجع لأسباب مختلفة غير إعجاب الثقافة الأوروبية والأمريكية بالثقافة فى أمريكا اللاتينية ، بل يعود إلى التحولات الذوقية الكبرى فى هاتين الثقافين بعد الحرب العالمية الثانية حتى العقود الأخيرة من القرن العشرين ، تلك التحولات التى أفرزت توجهات مختلفة للفن والأدب أدت إلى اتجاهات جديدة فيما يسمى ب “ما بعد الحداثة” ، حيث تمردت ، ليس فقط على القيم الجمالية التقليدية التى سيطرت حتى أواخر القرن ال١٩ ، بل تمردت كذلك على مدارس الحداثة التالية التى سادت حتى سبعينيات القرن الماضى التى استوعبها النظام الرأسمالى وحصر الفن الحديث فى حدود النخب البرجوازية أو المثقفة المتعالية على ثقافات الشعوب باحتضانها لتلك المدارس ، مثل التجريدية والتكعيبية والسريالية والدادية ، فثارت عليها موجات “ما بعد الحداثة” منذ الستينيات كرد فعل عكسى ، متجهة إلى الثقافات البدائية والشعبية، وابتكرت أشكالا للتعبير خارج إطار المتاحف وقاعات العرض ، مثل فنون الشارع ، بغية صنع حالات من التواصل الفورى والمباشر مع الجماهير ، حتى وإن كانت تعبيرات فنية موقوتة ومحكوما عليها بالإزالة بعد انتهاء العرض ، ومع امتداد الخط إلى نهايته أصبح كل غريب ومستهجن فى الفن من جانب الذائقة التقليدية المتأنقة والمتحذلقة مقبولا ومرحٌَبا به فى مجتمع ليبرالى قائم على التعددية والتنوع الثقافى وعلى اللهاث خلف الموضة والإثارة ، ومن هنا وجدت أعمال بوتيرو الطريق مفتوحا أمامها الى الذائقة الجمالية الجديدة فى العقدين الأخيرين من القرن العشرين.
فإذا انتقلنا إلى فنانينا المصريين الذين جعلوا من المرأة البدينة أو مفرطة البدانة نمطا مفضلا لأعمالهم ، سنجد ان ذلك تم دون أن يقدموا لجمهورهم مفهوما فكريا لاختيارهم ، وعلى اى حال فما زال الوقت مبكرا للحكم على تجاربهم ، سواء من حيث المفاهيم التى يبتغون بثها فى الحياة الثقافية ، او من حيث القيم الجمالية ، فضلا عن عدم اهتمامهم بمدى التقبل الثقافى والمجتمعى لأعمالهم ، مع عدم بحثهم حول اختلاف الثقافات بين ثقافة مصر ماضيا وحاضرا ، وبين ثقافات قارتَى أوروبا وأمريكا اللاتينية ، الى جانب الثقافة الأمريكية ، فظروف النشأة وعمق الجذور الثقافية والاجتماعية فى كل جانب تختلف – بل تتعارض – بينهما وبين الظروف المصرية وكذلك ما يشبه مصر من دول عربيةومجتمعات وثقافات أخرى ، سيٌَما وأن كثيرا من تجليات الأعمال الفنية لأصحاب هذا الاتجاه فى مصر يميل إلى رسم وتجسيم النساء عاريات أو شبه عاريات ، ما يجعل تقبل ذلك عسيرا على الذائقة السائدة ، كمايجعل هذا الاتجاه غريبا حتى على المستوى البرجوازى ، ويبدو نخبويا فى أغلب الأحيان.
وقد يأتى هذا التحفظ الذوقى مختلفا عن التجاوب المصرى مع تجربة الفنان صلاح عنانى مثلا ، فقد استطاعت أن تشق لنفسها طريقا للوصول إلى الذائقة الجماهيرية وأن تتوافق مع المعايير الجمالية فى قاعات الفن فى نفس الوقت ، فحققت قبولا لا يُنكَر ، ذلك لأنها انبثقت من ثقافة شعبوية عبر بيئة مصرية حاضنة لها ، حيث جمعت بين فن الفرجة الشعبية وبين صور الحياة اليومية بتناقضاتها الطريفة والساخرة إلى حد التٌَماس مع فن الكاريكاتير.
فهل يكون الفارق بين تجربتَىْ بوتيرو وعنانى من ناحية ، وبين التجارب المصرية الأخرى ، هو نفس الفارق بين ثقافة أصيلة حاضنة ، وثقافة غريبة وافدة ؟!


