خدعونا عندما قالوا: انتهى زمن الشعوب والثورات الشعبية.
وعندما قالوا: نحن فى عصر القرية العالمية التى تحكمها أمريكا والغرب، فلا تملك الشعوب إلا الدوران فى فلكها تحت شعار العولمة.
وعندما قالوا: هذا زمن القوة العسكرية والقبضة الشرطية والمؤسسات المالية وزواج السلطة برجال الأعمال تحت مظلة الديمقراطية الشكلية.
وعندما قالوا: إن الطبقة الوسطى التى تحمل الوعى والقيم والتى تقود الثورات قد ماتت وتحللت.
وعندما قالوا: إن شعبنا لا يعيش إلا بالنصف الأسفل من جسده.. أى بحاجات البطون والغرائز والتناسل، بعد أن تعطل فيه العقل والقلب والارادة منذ أجيال، فتمكنت منه السلبية واللامبالاة والتواكل، حتى استسلم للمهانة وتعايش مع الظلم والفساد.
وعندما قالوا: إن ما ينقصنا للقيام بالتغيير هو الزعيم الملهم الذى تتوحد خلفه الأمة لتصنع قدرها، أو المؤسسة العسكرية القادرة وحدها على أن تواجه كل هذه التحديات.
وعندما قالوا: إن شبابنا الذى يفترض أن يكون حامل شعلة الوعى والثورة قد فقد الانتماء وتطلع للهجرة عن الوطن ودب فيه اليأس والتفاهة أو انسحب إلى ظلام نوادى الدردشة الهزلية على “الفيس بوك”.
وعندما قالوا وقالوا وقالوا…
فإذا بالعالم كله يصحو يوم 25 يناير 2011 على انفجار ثورة شعبية كأسحة فى مصر، على أصداء الثورة التونسية، قادت الشعب بشتى طبقاته وفئاته كإعصار “تسونامى” منطقة من ميدان التحرير فى قلب القاهرة، ولا تهدأ إلا بعد إسقاط النظام بكامله: برئيسه ووزراته، ودستوره ومؤسساته، وحزبه وجنرالاته، ولصوصه ورجال أعماله، ويرفض المتظاهرون التفرق أمام دبابات الجيش بميدان التحرير ومجلس الشعب ومجلس الوزراء وتحت أسوار قصور الرئاسة (قصر العروبة بمصر الجديدة وقصر رأس التين بالاسكندرية) إلا بعد أن يغادرها رأس النظام والفساد بغير رجعة.
كان محركو الإعصار وقادته هم نفس شباب “الفيس بوك” المتهمين بكل التهم المشار إليها، فقلبوا بذلك الثوابت والموازين خلال 18 يوماً، بعد 30 عاماً من الديكتاتورية والاستبداد والفساد والتجويع والدوران اليائس فى فلك النظام.. ولقد استعار هذا الشباب من آليات النظام الذى أسقطوه شيئاً واحداً: هو القرية الذكية، لكنها ليست قرية أحمد نظيف رئيس الوزراء المخلوع عند مدخل مدينة 6 أكتوبر، بل هى قرية إفتراضية أسسها شباب يقظ العقل والقلب، شديد الذكاء والانتماء، عبر شاشات الكمبيوتر ومواقع الفيس بوك على مدى أربع سنوات داخل الحجرات المغلقة فى شقق أبناء الطبقة المتوسطة بشتى أنحاء مصر.. مئات من خريجى الجامعات والطلبة، لا يبدو أنهم يعانون عضة الجوع ومذلة الحرمان، وربما لا يعانى أغلبهم إحباط البطالة، لكنهم يشعرون بما يكتوى به السواد الأعظم من المصريين من ظلم وقهر وحرمان وبطالة، ويشعرون – فوق ذلك – بافتقاد الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، ويدركون الأسباب الحقيقية لكل ذلك، المتمثلة فى غياب الديمقراطية واستشراء الفساد وانتفاء المحاسبة.. لقد اختمرت هذه المشاعر والمعانى وتفاعلت فى نفوسهم عبر السنين، ثم نضجت على نيران الحركات الاحتجاجية لفئات الشعب وطوائفه المهنية المعتصمة على أرصفة مجلس الشعب ومجلس الوزراء وأمام أبواب الوزارات والمصالح الحكومية، وتبلورت فى ضوء وعى الحركات الثورية ودعاة التغيير من طلائع المثقفين، التى التحمت بتلك الحركات.. مثل “كفاية” و “6 أبريل” و “الوطنية للتغيير” و “مؤيدى البرادعى” و “كلنا خالد سعيد”… إلخ.. واستوعبت – فى الوقت ذاته تجاوب المناضلين السياسيين من الأجيال السابقة، وما ضحوا من أجله فى السجون والمعتقلات بأجمل سنوات عمرهم، وتعلموا من أخطائهم أيضاً فى أحزابهم القديمة والجديدة.
إن الإنجاز التاريخى العظيم لهؤلاء الشباب هو – قبل كل شئ – إسقاطهم “خط بارلييف الخوف”، الذى كان المانع الأول للمصريين على امتداد عشرات السنين، عن العبور إلى آفاق العدل والحرية والكرامة.. نعم.. فإذا كان اجتياز الجيش المصرى لخط بارلييف الإسرائيلى الرهيب، الممتد على شواطئ ثلاث محافظات تطل على قناة السويس عام 1973، بخراطيم المياه وقوارب المطاط وصدور الجنود البواسل، قد كان بداية الانتصار فى الحرب، فإن اجتاز شباب 25 يناير 2011 لحاجز الخوف، فى مواجهة قوات الأمن المركزى بصدورهم، متعرضين للطلقات المطاطية والرصاص الحى وقنابل الغاز المسيلة للدموع وقنابل المولوتوف، حاملين شهداءهم وجرحاهم، هو مفتاح انتصار حركتهم، وهو الشرارة لتحولها من انتفاضة شبابية محدودة إلى ثورة شعبية شاملة بامتياز، بعد أن التحمت بهم فى سرعة مذهلة جماهير الشعب بكل طبقاته وفئاته وأجياله رجالاً ونساء، وسرعان ما تصاعد سقف مطالبهم مع تمادى النظام فى عناده وغطرسته واستخدامه أدوات البطش والتنكيل والترويع بالبلطجية والمجرمين المأجورين، وأدوات الاعلام التى تزيف الحقائق وتثير الرعب فى كل بيت، ثم يزداد سقف المطالب ارتفاعاً كلماً أخذ النظام فى التراجع والترنح أمام إصرار الجماهير الزاحفة التى تتضاعف أعدادها فتصبح ملايين.
ما هو سر قوة أولئك الشباب فى تحركهم ونجاح ثورتهم؟
أظن أنه يكمن فى أنهم تخطوا المفهوم القديم للثورات: وهو انطلاقها من حركة منظمة ذات أيديولوجية أو تاريخ سياسى تحت قيادة حزبية أو تنظيمية، تتبلور فى شخصية زعيم تاريخى، نحو مفهوم جديد يقوم على التواصل العنكبوتى على شبكة الدردشة الالكترونية “الفيس بوك” دون أن يعرفوا أسماء بعضهم البعض، وعلى التحرك الجماعى بشكل أفقى يتنامى تحت الأرض بإطراد، ثم يخرج فوق الأرض فى كتلة واحدة بلا رأس، لكنها تعرف أدوارها ومساراتها بكل دقة، وتزحف إلى قلب القاهرة فى وهج الشمس مطالبة بما يطالب به كل المواطنين، فيسارعون بالانضمام إليها. ليتزايد العدد ويتضاعف فى سرعة مذهلة تفاجئ أجهزة النظام القمعى من أقصاها إلى أقصاها مردداً صيحة مجلجلة: “الشعب يريد إسقاط النظام”.
هل رأينا فى تاريخ الثورات الشعبية عبر العالم ثورة بلا زعيم وبلا مجلس للقيادة؟ إن هذا هو ما حمى الثورة وكتب لها الاستمرار حتى حققت الحد الأقصى من مطالبها، دون أن تريق قطرة دم واحدة من أجساد خصومها المدججين بالمدافع والقنابل والسيوف، فيما يتساقط من بين الثوار مئات الشهداء، وتسيل دماء آلاف الجرحى وهم يهتفون فى وجه جبروت القمع: سلمية.. سلمية!!
لقد لمس الشعب – منذ الوهلة الأولى – مقدار الصدق والطهارة الذى يحمله هؤلاء الشباب حتى لمسوا به قلوبهم وعقولهم معاً، فصدقوهم بغير تردد، كانت رسالتهم كالشفرة السرية لكنها مرسلة بقوة ضوء مبهرة من القلب إلى القلب، وهى التى حركت – بغير اتفاق – الآلاف ثم مئات الآلاف ثم الملايين إلى ميدان التحرير، ليعتصموا فيه حتى تتحقق أهدافهم، لكن.. ما كان لهذه الشرارة أن تشعل الجموع الهادرة لحظة انطلاقها، لو لم يكن ميراث من الغضب متراكماً بداخلها عبر عشرات السنين.. إنه الغضب المؤجل الذى كان يسلمه فى صمت كل جيل إلى الجيل اللاحق طوال تلك الفترة المظلمة، حتى بتنا خلالها نظن أن روح الشعب قد ماتت أو امتثلت للطغيان أو تكيفت مع الفساد.
إن عبقرية الشعب الذى أخطأنا فهمه – نحن المثقفين – هى فى قدرته على تخزين عضبه وتخميره فى بطء وصمت، هى فى نفسه الطويل وصبره الذى يحيله إلى نوع من المقاومة السلبية والعصيان المدنى حتى بغير قائد أو ملهم مثل غاندى، هى فى قدرته على استدعاء ثقافته المتوارثة للدفاع عن نفسه وتمثلها واستلهامها عند الشدائد، إن إقامة عشرات الآلاف الآتين من كل المحافظات بميدان التحرير لمدة 24 ساعة طوال 18 يوماً، بعد أن ينصبوا الخيام ويوفروا الأغطية ووسائل المعيشة الضرورية، متكافلين فى إخاء، ومبتكرين أساليب جديدة للتظاهر عبر الحلقات المستديرة والحلزونية والأداء المسرحى والرقص التعبيرى والغناء الثورى ولافتات السخرية من النظام حتى النكات السياسية.. كل ذلك ليس إلا استلهاماً لثقافة الموالد الدينية للسيد البدوى والحسين والسيدة زينب.. واحتفالات السامر الشعبى ومسرح الأراجوز
لقد أضفى الفقراء – وحتى ميسورو الحال – على خيامهم وتجمعاتهم بالميدان روح القداسة التى تتمثل فى موالد الأولياء، فبدوا وكأنهم مشمولون بمباركة وحماية، ليس من الأولياء، بل من قوة روحية خارقة ومجهولة، تجعلهم يقاومون البرد والأمطار وصعوبة الحياة فى العراء، وقبل كل ذلك: يقاومون الخوف من وحش النظام المتربص بهم.
لماذا فوجئنا كمثقفين كل هذه المفاجأة عند اندلاع الثورة واستمرارها؟
لا شك أن ثقتنا قد اهتزت – خلال العقود الثلاثة الأخيرة – فى أنفسنا وقى قدرة الشعب عل النهوض وفى قدرة الشباب على امتلاك مصيره، لقد اقتربنا جميعاً من حالة اليأس التام، مع تردى الأوضاع الاقتصادية والسياسية والثقافية وازدياد البطالة، وانعدام الأمل فى التغيير، وانسداد القنوات بيننا وبين الجماهير، وساعد ذلك على تضخم الذات الفردية لكل شخص، فراح يسعى بمفرده لتحقيق مشروعه الخاص بمعزل عن الجماعة، مما أفرز قيماً أخرى تتناسب مع هذا السعى، من الأنانية والوصولية وضعف الانتماء والمشاركة، ومن القفز فوق الفرص ولو على حساب الآخرين، ومن انتهاك القانون والملكية العامة، ومن الكذب والنفاق وضعف الشعور بالمسئولية المجتمعية وبالعزة والكرامة مقابل تحقيق الحاجات المادية… الخ.
لكن كانت ثمة نقطة غائرة فى أعماقى ظلت تقاوم الاستسلام لهذه الصورة عن الشعب وعن الشباب والمثقفين، وتعتبرها صورة مؤقته وغريبة عن طبيعتنا الأصيلة، وعندما كانت هذه الصورة تجثم على قلبى كالكابوس دافعة إياى نحو حالة اليأس، كنت أستدعى من قاع ذاكرتى مشهدين من التاريخ القريب كنت فيهما شاهداً وشريكا، وفيهما ما يثبت عكس الصورة السلبية المذكورة، وما يؤكد صورة المصريين الإيجابية بعد ثورة 25 يناير..
المشهد الأول فى إحدى قرى كفر الشيخ فى شهر إبريل 1968، أى بعد أقل من عام على هزيمة يونيو 67، والبلاد ترزح تحت حالة من الإحباط والهزيمة الداخلية، وكنت أقود قافلة الثقافة الجماهيرية وهى تجوب البلاد لاستنهاض الروح المعنوية بإقامة جسور للحوار مع الفلاحين والمواطنين، ورايت كيف يكشفون عما يختزنونه فى صدورهم من الغضب بسبب الأوضاع المختلفة التى أدت فى نظرهم إلى الهزيمة العسكرية، وكانت هذه الأوضاع فى محيطهم الخاص تتركز على فساد الادارة بأجهزة الدولة وعلى هيمنة كبار ملاك الارض وأعيان الريف المتحالفين مع قادة “الاتحاد الاشتراكى” والذين أذاقوا الفلاحين صنوفاً من القهر والاستغلال والاستعباد حتى فى ظل ثورة يوليو.. فى تلك الليلة كانت ساحة القرية تضم أكثر من خمسة آلاف مواطن، جاءوا فى البداية خائفين، ثم مترددين، إلى أن تجرأ أحدهم وأمسك بالميكروفون، وأخذ يتحدث على استحياء عن هموم القرية، وتشجع آخر فتلاه مفصحاً عن وقائع أكثر خطورة، وتتابع بعدهما المتحدثون حتى صاروا يتسابقون على خطف الميكرفون، والأصوات تعلو، والنغمة تزدا حماساً، والهدير يرتفع من جموع الجالسين على الأرض فى تحفز منذر بالانفجار، وفى أطراف الساحة كان ملاك الأراضى وكبار الأعيان المتحصنون بالسلطة يطلون من شرفات منازلهم فى ترقب ضرر، وأتباعهم يمسكون ببناء فهم فى انتظار إشارة بإطلاق النار… وتقدم فلاح على مشارف الستين وأمسك بالميكروفون فى تصميم وثبات – فيما عدا يده التى ترتعش وهى تقبض على الميكروفون باستماتة الفريق – وهو يقول فى شعور بالاستشهاد:
“أنا عارف إنى يمكن أنطخ الليلة بعد الكلام اللى حاقوله”..
واسترسل يحكى عن عذابات الجموع على أيدى ناهبى الشعب وجلاديه تحت سمع الدولة وبصرها، والحشد الهائل يتوحد معه فى حالة استشهاد جماعية.
والمشهد الثانى حدث خلال انتفاضه طلبة الجامعة الأولى فى يناير 1972 وفي ميدان التحرير، نفس الميدان الذى انطلقت منه ثورة الغضب عام 2011، ونفس الشهر، ونفس الأيدى الباطشة لقوات الأمن بقنابلها المسيلة للدموع وهراواتها الغليظة، وقد جمعتنى بالشباب المعتقلين زنازين القلعة فى تلك الأيام، ورأيت قدر الصلابة والوعى الثورى البكر فيهم، وكنت أكبر منهم بسنوات، لكنهم نجحوا فى إزالة فارق السن بينى وبينهم، فامتلكت معهم إرادة التحدى، حتى خلال الإضراب عن الطعام لمدة 14 يوماً إلى أن يتم الإفراج عنا أو تتم محاكمتنا فوراً.. وهو ما كان بالفعل.
ها هو المشهد يعود اليوم أكثر نصاعة وقوة وامتداد على أرض الوطن كلها، مزيحاً طبقات الصدأ والتشويه التى أعترته عبر السنين العجاف، وقد تم الزواج بين ميراث الغضب بداخله وبين الوعى الثورى المثقف للشباب، وأقول “المثقف” وأنا أعنى مضمون هذه الكلمة.. فلولا الثقافة التى امتلكت آليات التكنولوجيا العصرية، ولولا القدرة على هضم الخبرات وتجارب الحركات الثورية فى العالم لما كان مصير هذه الثورة أفضل من مصير مثيلاتها على امتداد أربعة عقود مضت.. لكن هذه التجارب الثورية خلالها لم تذهب هباء، فقد كانت جزءاً من مخزون الخبرة لدى ثوار اليوم، الذين يثبتون أن رحم مصر لم يتوقف عن ولادة المناضلين رغم كل عوامل الإجهاض.
وما بعد؟…
لا أسأل هنا عن مصير الثورة وخطواتها القادمة، لكن سؤالى عنا نحن الفنانين والمثقفين.. ما موقفنا منها؟.. وما موقفنا من الواقع الثقافي الذى ترهل وتفسخ وانهار على أيدى المنتفعين بالنظام المخلوع، الذين عملوا على إلهاء الشعب وتغييبه واستقطاب مثقفيه إلى “الحظيرة” بإغراء الجزرة؟.. هل يمكن أن نعود بعد أن تستقر الأمور إلى نفس الأوضاع التى كنا عليها، أم نعمل على التغيير الجذرى، وعلى إحياء دور المثقف والمبدع فى التواصل مع المجتمع والمشاركة فى حركة النهضة الشاملة، حتى يحل الجمال محل القبح، ويعلو الوعى بحق الوطن على الوعى بذات الفرد المنسحبة عن المجتمع؟..
دعوناً نعمل معاً نحو التغيير.