الفنان أحمد نبيل

بين الواقع وعرائس الاحلام - نوفمبر 2018

لو كانت للسنين عناوين … لقُلتُ إن عنوان فترة الستينات حتى منتصف السبعينات من القرن الماضي هو “الابداع من رحم الاصالة” … هكذا جمعنا – نحن أبناء ذلك الجيل – الارتباط بقيم الوطن وبالجذور التي تمتص ماءها من واقع الحياة ومن تراث الحضارات المصرية المتعاقبة، ومن المخزون الثقافي للقرية والأحياء الشعبية بالمدينة، ومن الطبيعة النيلية المنسابة بالعطاء، الممتدة بحبال الصبر،  المعمّدة بالشقاء ووهج الشمس، فوُلدت من ذلك كله شخصية المصري القابضة على جمر المعاناة، المؤمنة بالعدل السماوي في ساعات الظلم والقهر، المرويّة بحكاوي الأسلاف وأساطير الأولين، وهي مسلّمة أمرها لله ولأسرار السحر … وهي كذلك القادرة على الانتفاض والثورة عند المساس بالأرض والعرض والكرامة، فتخرج بالملايين من سكون الاستسلام إلى عنفوان التحدي والعصيان.

هذا الجيل الذي ينتمي إليه الفنان د. أحمد نبيل – كما أنتمي – تجرّع مرارة الهزيمة العسكرية عام 1967، وصبر مع الشعب مدعوماً بمقومات هذه الشخصية، حتى حقق جنود مصر معجزة العبور والثأر من أعتى جيش ادعى أنه لا يُقهر، فاستعادوا الوطن من اليأس إلى النصر … وهكذا اختزل هذا الجيل كل تلك المعاني وتمثَّلها فكراً وفنًا، مواصلاً إبداع سابقيه من أجيال الفنانين الذين تخرجوا من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة …، ويجمعني بأحمد نبيل – قبل الالتحاق بالكلية التي سبقني إليها بعدة سنوات – الانتماء إلى قرية واحدة، أصبحت فيما بعد مدينة كبيرة هي “مشتول السوق” بمحافظة الشرقية، كما سبقني منذ الطفولة المبكرة بالانتقال من القرية للعيش في حي السيدة زينب بالقاهرة سنين صباه وشبابه، فتشبعت شخصيته بثقافة مزدوجة بين أجواء القرية وذكريات الحي الشعبي العريق بالقاهرة، الذي شهد من قبل بزوغ مواهب الفنانين حامد ندا والجزار وزكريا الزيني، فشخصيته – إذن – مزيج من فطرة ابن القرية وتفتح ابن البلد وتهذُّب ساكن حي النيل الذي انتقل للعيش فيه بعد إتمام دراسته.

   وثمة عامل آخر أثُر فى تكوين شخصيته الفنية، هو تزامله – فترة دراسته بالكلية

 لمدة خمس سنوات- مع مجموعة ذات مواهب استثنائية بين أبناء دفعته او بين ما

سبقتها أو لحقت بها ، حيث كان نظام الدراسة يسمح بأن يضم الأتيليه الواحد طلبة

دفعتين معـا ، ما أشعـل منافسة خلاقة فيما بينهم للإبداع والتفوق ،وكان من بين

خريجى دفعتى 1960 – 1961 كل من الفنانين :زكريا الزينى، شعبان مشعـل ،

فؤاد تاج الدين ، كمال السراج ، صلاح عسكر ، نبيل تاج ، عدلى رزق الله وآخرين

،  وقد تتلمذوا على أيدى اساتذة عظام  مثل بيكار ودرويش وحمودة والبنانى

والجزار ، ما خلق تنافسا رائعا أدى إلى صقل مواهبهم وتفجير طاقاتهم ، وإلى

إثراء الكلية بتعيين عدد منهم كمعيدين صاروا فيما بعد أساتذة ومنهم أحمد نبيل ،

   كما كسبت الحركة الفنية قامات إبداعية مرموقة ، لا تزال إبداعاتهم مضيئة وملهمة.

وإذا كانت قد جمعتني به طبيعة المنشأ وبعض سنوات الدراسة، فقد جمعتنا بعدها بسنوات أخرى – منذ عام 1969 – مراسم الفنانين بقصر المسافر خانة، مع كوكبة من الفنانين الأصدقاء والأساتذة، بدءاً من الرائد حامد ندا، ومروراً بعبد الوهاب مرسي وجمال محمود ومحمد حسنين علي ومحمد مصطفى، إلى صبري منصور ومصطفى الفقي وآخرين .. فجمع هذا الخليط المدهش من المبدعين مختلف الأجيال والأساليب والرؤى، لكن ما جمعهم – أهم من المكان – هو ارتواؤهم من نفس المنابع المصرية العميقة، قبل أن يختار كل منهم اتجاهاً خاصاُ، يتراوح بين الواقعية والتراثية والفنتازية والسريالية، وإن كان سحر المكان، النابع من صميم التراث الاسلامي ورحيق التاريخ الذي يمثله المبنى الأثري العريق فائق الروعة والجمال وسط بيئته الشعبية بحيّ الجمالية، كل ذلك ترك ظلاله في أسلوب كل منا بشكل أو بآخر، ربما بدون أن يدري.

        في أعمال أحمد نبيل كان ينعكس بوضوح تأثير الجدران الأثرية المتآكلة، والألوان البنية والتراثية التي تحاكي طابع الزمن، والوجوه المصرية الصميمة من أبناء الأحياء الشعبية أو واقع القرية أو الواحات الصحراوية، تلك الوجوه التي لوّحتها الشمس وغلّفتها الظلال الغامضة وامتزج فيها الواقع بالحلم، حتى تبدو أقرب إلى وجوه الفيوم أو الأيقونات التاريخية.

        غير أن تأثير سنوات دراسته التكميلية في فينيسيا لم ينجح طويلاً في تغيير مساره ورؤاه التعبيرية السابقة على بعثته … حقاً لقد استمر هذا التأثير في لوحاته بعض الوقت عقب عودته إلى مصر، بما أكتسبه من ألوان المناخ الأوروبي بنقائها ونضارتها، ومن تكوينات تنحو نحو التجريد والتسطيح مع ظهور طيفي غامض للإنسان، لكنه سرعان ما عاد إلى ألوانه الأصليّة وحِسّه بسطوع الشمس ودكنة الظلال وتجسيد ملامح الوجوه، فيما بُنيت اللوحة على خطوط التكوين المتشابكة بنسيج الواقع دون الوقوع تحت سيطرته، بل بالتحليق فوقه.

        تحقق ذلك بإضفاء جو من الحلم والرمز والميتافيزيقا على اللوحات، وسوف يتكثّف هذا الجو في أعماله خلال السنوات التالية وينمو بإيقاع وئيد أقرب إلى البطء، لكنه يشبه بطء إحساسنا بتغير ضوء النهار من الصباح حتى الغروب، ثم نكتشف فجأة أن المساء قد حلّ على الوجود وعمّ الظلام، وسرعان ما يضيئه نور القمر وتتلألأ النجوم في سمائه.

        بذلك التحول الشاعري اكتسبت لوحاته أبعاداً جديدة؛ فرأينا الصبايا كعرائس الأحلام جالسات أو واقفات أو طائرات فوق الخيول أو راقصات معها، ورأينا الطيور الأليفة والأشجار الوارفة والزهور اليانعة وأنواع الصبار الشوكي والوبري متوّجهً جميعاً بهالات النور، الذي لا يأتي من مصادر خارجية مباشرة، بل يبزغ من داخل اللوحة ويشع فوق حواف المجسمات … كل ذلك خلق عالمًا سحريًا غير أرضي، يحلّق بأجنحة الحلم والخيال، صانعًا أسطورة عصرية، في زمن تمزقت النفوس بنوازع الصراع، واحتلت الحروب أرض السلام، وسيطر العنف على سلوك البشر، وامتلأ وجه الواقع بالدمامة والغلظة.

        هكذا صنع أحمد نبيل من عناصر الواقع قبل أن يتشوّه، ومن تجليات الخيال الطليق جنة الأحلام وملاذ النفوس المرهقة، وجعل الطبيعة تسمو برحيق الحب وأطياف السلام نحو سماوات الأمل، وتحتفي بالحرية حاملة طاقة دافعة للإقبال على الحياة.

        وتلك إحدى غايات الفن الجميل …

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »